الدرس : 193 - التنوع بين الإيجاز والتفاصيل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 193 - التنوع بين الإيجاز والتفاصيل.


2015-07-15

التنوع بين الإيجاز و التفاصيل :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان يميل أحياناً إلى التفاصيل، وفي أحايين كثيرة جداً يميل إلى الملخصات، يوجد رغبة بالتفاصيل ورغبة بالإيجاز، وفي الحقيقة التنوع بين الإيجاز والتفاصيل يحقق الهدفين معاً، مثلاً من الكلمات الموجزة:" لا يخافن العبد إلا ذنبه " هناك أقوياء و ظلّام، لكن قال تعالى:

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر: 62]

 دولة قوية تبيع طائرات لدولة ضعيفة، بعد أن باعت الطائرة أصبحت ملك الدولة التي اشترتها، فهذه الدولة التي اشترت هذه الطائرة قد تقصف بها، الدولة الصانعة ليس لها علاقة، هذا الشيء في الدنيا، أما عند الله عز وجل فقد قال تعالى:

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر: 62]

 أي لو أسلمنا الله إلى غيره هذه الكلمة دقيقة جداً لا يستحق أن نعبده، لو أسلمك إلى طاغية، حياتنا بيده، عنقنا بيده، صار هناك مشكلة كبيرة أيديولوجية، قال تعالى:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 الأمر الـ للجنس، أي أمر بالأرض من آدم إلى يوم القيامة، قال تعالى:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 متى أمرك أن تعبده؟ بعد أن طمأنك، أي لا يقبل ولا يعقل أن يسلمك الله إلى غيره ولو أسلمك إلى غيره ليس إلهاً، قال لك:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 هذا المثل يوضح: هناك وحوش مفترسة جائعة لكنها مربوطة بأزمة محكمة، بيد جهة قوية رحيمة عادلة، فأنا علاقتي مع الوحوش أم مع هذه الجهة التي تملك أزمتها وهي رحيمة وعادلة؟ علاقتي مع من يملكها، لذلك الآية الدقيقة جداً، قال تعالى:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 55-56 ]

 دابة أي شيء يدب على وجه الأرض، من أكبر قوة إلى الدويدية، أحياناً تجد على الكتب نقطة سوداء تمشي، يمكن أصغر مخلوق، أقل من نملة بكثير، قال تعالى:

﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود :56 ]

 حيثما جاءت كلمة على مع لفظ الجلالة أو لفظ الربوبية أي الله عز وجل المطلق، الإله العظيم، ألزم ذاته العلية بهداية خلقه، هذا التوحيد يريح، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، إن أردت أن أضغط الدين كله بكلمة واحدة أقول لكم: إنه التوحيد، ألا ترى مع الله أحداً، أن توقن أن يد الله تعمل وحدها، لو أنه أسلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده، فلذلك إن ضغطنا الدين كله كان في التوحيد، قال تعالى:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ﴾

[ سورة هود : 55]

 تحدّ، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 55-56 ]

الابتلاء امتحان لكلّ إنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ مرة ثانية أنت حينما توحد تصبح قوي الشخصية، لا تأخذك بالله لومة لائم، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، التوحيد كلمة لكن لا تظن القضية سهلة، أحياناً ترى الباطل قوياً، شخص ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيعدنا صاحبكم- وما قال رسول الله- أن تُفْتَح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟ ماذا قال الله عز وجل؟

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾

[ سورة الأحزاب: 11-12 ]

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾

[ سورة الأحزاب: 23 ]

 أيها الأخوة الكرام؛ يشتد البلاء ويشتد ويشتد حتى يقول ضعاف الإيمان: أين الله؟ والله الآن قيلت، تجد مصر، ليبيا، بلادنا، شيء غير معقول، موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لم يقتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟ يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، يقود المقتول قاتله يوم القيامة يا رب هذا قتلني سله لم قتلني؟ يقول الله: لم قتلته؟ يقول- والكلام دقيق جداً- : من أجل عز فلان، ليس موضوع جهاد ولا عدوان ولا عدو خارجي اقتحم بلادنا، من أجل عز فلان، الإنسان يمر بحياته شدائد وأنا أقول لكم كلمة: إذا كنت تتصور أو تتوهم أنه يمكن لإنسان أن يدخل الجنة من دون ابتلاء فأنت واهم، لا يمكن، الابتلاء قد يكون ظاهراً وقد يكون باطناً، الابتلاء امتحان.

 

مراحل تأديب الله لعباده :

1 ـ الهدى البياني :

 نحن دائماً للتقريب يجب أن نعلم أن المؤمن يمر بحياته بثلاث مراحل؛ مرحلة التأديب، مرحلة الابتلاء، مرحلة التكريم، بالتأديب يوجد تقصير وحقوق لم يؤدها، وتجاوزات وخروج قليلاً أو كثيراً عن منهج الله، هذه مرحلة اسمها التأديب، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 هذه مرحلة التأديب البطولة أن نتوب فيها، وهناك مرحلة أولى راقية جداً اسمها الهدى البياني، أنت مرتاح في بيتك، مع زوجتك وأولادك وعملك، لا يوجد عندك ولا مشكلة، الله أعطاك الهدى البياني، سمعت خطبة، سمعت درساً، قرأت في القرآن الكريم، قرأت تفسيراً، هذه المرحلة أنت فقط مكلف أن تستجيب، أكمل منطق للإنسان بمرحلة الهدى البياني أن يستجيب، والدليل قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

 الدعوة للحياة، لو أن الإنسان لم يستجب، بقي على تقصيراته، على تجاوزاته، الدين عنده وسط، لا يوجد تدين بشكل كامل، لا يوجد خذ الكتاب بقوة، واذكروا ما فيه، أخذه ببساطة، الآية دقيقة جداً قال تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

[سورة التغابن: 16]

 هذه العبارة تفهم بنفس الكلمة ما استطعتم، أدنى جهد، بين استنفاذ كل الطاقات كلها وبين لا أستطيع، لا، المعنى الأول ينبغي أن تستنفذ كل طاقاتك، فلذلك الهدى البياني أنت مرتاح، سمعت درساً، سمعت خطبة، سمعت ندوة إسلامية، قرأت كتاب تفسير، جلست بمجلس علم، التقيت بعالم، هذه المرحلة لطيفة جداً الهدى البياني، والموقف الكامل والذكي أن تستجيب، والآية تقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

2 ـ التأديب التربوي :

 إن لم تستجب، الآن دخلت بمرحلة ثانية، كأن يقول لك الطبيب: أنت معك لا سمح الله التهاب معدة حاد، وهذا المرض يشفى بحمية قاسية جداً لعدة أشهر، فإن لم تستجب لهذه الحمية لا بد من عمل جراحي، إما أن تستجيب وتخضع لحمية قاسية جداً وعندئذ تشفى من هذا المرض، أو لا بد من إجراء عمل جراحي، أنت بمرحلة الهدى البياني الموقف الكامل أن تستجيب، والدليل قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

 لو لم تستجب تخضع لمرحلة ثانية إنه التأديب التربوي، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 يوجد عذاب أدنى وعذاب أكبر، البطولة أن تستجيب لله.

3 ـ الإكرام الاستدراجي :

 إذا لم تستجب بالهدى البياني ولم تتب بالتأديب التربوي، تتعرض لمرحلة أصعب، المرحلة الثالثة الذين ينتفعون بها قلائل اسمها: مرحلة الإكرام الاستدراجي، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 دخل فلكي، شخص ذهب إلى الخليج يبدو أن دخله كبير جداً، أرسل لزوجته رسالة، زوجته محجبة تلبس معطفاً قال لها: تأتي بالبنطال أو أنت لست زوجتي، لذلك:

(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))

[ الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 ماذا في المستقبل؟ أحد السبعة.

 

ديننا دين التزام لا دين مناسبات :

 القصة الذي ذكرتها لكم منذ يومين، بناء بجدة من أربعة عشر طابقاً أنا رأيته بعيني، هذا له قصة، يوجد رجل أعرابي بدوي عنده أرض، عندما توسعت جدة واقتربت من أرضه، والأرض أصبح سعرها مرتفعاً جداً، نزل وباع الأرض لمكتب عقاري خبيث جداً اشتراها بمبلغ أقلّ من ثمنها، وعمّرها بناء من أربعة عشر طابقاً، وهم ثلاثة شركاء، أول شريك سقط من أعلى طابق فنزل ميتاً، والثاني دهسته سيارة، انتبه الثالث، ربط بين موت شريكيه وبين هذه الأرض والاحتيال على هذا البدوي، بحث عن صاحب الأرض ستة أشهر حتى عثر عليه، ونقده ثلاثة أمثال حصته، قال له البدوي: ترى أنت لحقت حالك.
 وأنا أقول لكم كلمة: مادام القلب ينبض أنت تستطيع أن تلحق نفسك، الصلحة مع الله بلمحة، يا رب لقد تبت إليك، يقول لك: يا عبدي وأنا قد قبلت، ورمضان شارف على الانتهاء، افتح مع الله صفحة جديدة، بعد رمضان برنامج ديني تسمع كل أسبوع درساً دينياً، تطبق هذا المنهج تقرأ قرآن خمس صفحات، تغض بصرك غضاً حازماً، تلغي الاختلاط من حياتك، النساء مع النساء، والرجال مع الرجال، أنت عندما تحاول مرحلة جديدة يسمونها: قفزة نوعية، أما أصعب شيء بحياتنا فهو الصيام كما وصف، الصيام كمثل الناقة حبسها أهلها فلا تدري لا لم حبست؟ ولا لم أطلقت؟

رمضان ولى هاتِها يا ساقي  مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ
***

 أحمد شوقي، هذا واقع المسلمين أنا لا أريد شهر مناسبات، نحن ديننا ليس شهر مناسبات، دينا دين التزام، يوجد مناسبات لكن أنا لا أقتصر بديني على المناسبات، امرأة غير محجبة بل متفلتة، بل كل زينتها ظاهرة، تقول لك: أنت صمت السابع والعشرين من رجب؟ لماذا لم تصم؟ أنت ما تركت شيئاً من الفتن إلا و صنعتها، أنا لست ضد الصيام أعوذ بالله، لكن هناك شيء اسمه بعلم النفس: تعويض، الإنسان إذا كان غير متعلم وصار غنياً، يقتني مكتبة، مكتبة ضخمة هو ما قرأ بها، وأحياناً يضع الكتاب بالعكس غير منتبه، أحياناً الإنسان يعمل تعويضاً في مناسبات كالسابع و العشرين من رجب أو الخامس عشر من شعبان، هذه المناسبات على العين والرأس، لكن حينما نكتفي بها ولا نستجيب لله على مدار العام، هذا الدين ليس دين مناسبات، دين التزام، فالحرام حرام قبل رمضان وبعد رمضان، والحلال حلال بأي وقت، تحتاج إلى طلب علم، طلب العلم ليس لك فيه اختيار إطلاقاً، لأن طلب العلم حتم واجب على كل مسلم، أنت الله أعطاك صورة إدراكية، أنت المخلوق الوحيد تملك قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية تحتاج إلى طلب علم، أنا أسمي طلب العلم الحاجة العليا، في الإنسان حاجات دنيا؛ يأكل، يتزوج، ينام، حاجات دنيا، ليس أنت فقط حتى الحيوانات، عندما تكون حياتنا استمتاع ونوم وعمل مشكلة كبيرة، الحياة رتيبة.

 

الإنسان عندما يذوق طعم القرب من الله يذوق طعم الحماية :

 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ الفرق كبير جداً بين إنسان يرى الهدف، أقسم لي بالله إنسان درس في أمريكا إدارة أعمال، كنا بجلسة أنا أشرح هذه الآية، والله بكى وقال: هذه الآية ملخص دراسة اثنتي عشرة سنة، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الملك : 22]

 هدفك واضح، أنا للتقريب أنت تمشي بطريق مستو، وأمامك طريق صاعد وطريق هابط، وأنت معك دراجة عادية وليست نارية، بالنزلة مريحة جداً وبالطلعة صعبة جداً، هناك طريق معبد وفيه زهور وأشجار ومريح، كل خلية بجسمك تقول لك: امش هنا، وهناك طريق صاعد وغير معبد وفيه أكمات وغبار وحر، يوجد لوحة مكتوب عليها: الطريق الصاعد ينتهي بجنة لمن وصل إليها، والطريق النازل ينتهي بحفرة مالها من قرار، فيها وحوش جائعة وكاسرة، عندك توضيح وموضوع منظار ترى ملامح الجنة الرائعة، وملامح النار المخيفة، تفضل ماذا تفعل؟ طبعاً تصعد، اسمع الحديث:

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ،... إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ أحمد عن ابن عبَّاس ]

 كُلْ ما شئت، اجلس مع من شئت، انظر إلى من تشاء، لا يوجد ضبط بصر ولا ضبط لسان، ما الذي حدث؟ مرة جاءت وزيرة إلى بلادنا استقبلها الوزير ومعه موظف ملتزم، فلما مدت يدها لمصافحته اعتذر، هذا الوزير إلى جانبه انزعج انزعاجاً كبيراً، قال له: كانت ستأكلك لو صافحتها؟ قال له: هذا الحاضر، جلست الوزيرة إلى جانب الوزير قالت له: هناك شخص صباحاً لم يصافحني أين هو؟ هو شعر بالحرج قال لها: يمكن اعتذر، قال لهم: أحضروه، جاء، سألته: لماذا لم تصافحني؟ قال لها: أنا مسلم، أنا أطبق تعاليم الدين، نحن في الإسلام لا يجوز مصافحة المرأة الأجنبية، وأنت امرأة أجنبية، اسمع جوابها، قالت له: إذا كان المسلمون أمثال هذا الرجل لكنا تحت حكمكم، أنت مؤمن، أنت رجل مبادئ، أنت تدوس على مصالحك بل وتركلها بقدمك إذا تناقضت مع وحي الله.
 مرة زارنا ملك إسبانيا، وطلب أن يكون العلماء، و كان هناك سيدة بينهم عند مصافحتها اعتذرت، انزعج كثيراً، هذا الحاضر، الإنسان عندما يمشي صح مع الله عز وجل لن يصيبه شيء، انظروا أيها الأخوان هذه الكلمة لا تنسوها: مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، بعملك، في بيتك، في زواجك، في اختصاصك، أحياناً يكون هناك طبيب شرعي، وهناك حادث قتل، وهذا المقتول يملك مئة مليون، يقدم الورثة لهذا الطبيب خمسة ملايين فقط ليكتب أن الوفاة طبيعية، رجل المبادئ لو أعطوه مئة مليار مع الله عز وجل لا يغير قناعته، لا تغير قناعتك مقابل مئة مليار، هذا دين، إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا.
 أقسم لكم بالهل يا أخواني الإنسان عندما يذوق طعم القرب من الله، يذوق طعم الحماية، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد : 4 ]

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الحج : 38]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[سورة الجاثية:21]

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 173]

الله مع المؤمن بالنصر والتأييد والحفظ والتوفيق :

 أنا جمعت آيات وعد الله بالنصر للمؤمنين، أقسم لكم بالله زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، شيء لا يصدق، إذا كان الله معك فمن عليك؟ من يجرؤ أن ينال منك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟ إذاً قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد : 4 ]

 هذه معية العلم فقط، لكن الله عز وجل عندما يقول:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 19 ]

 معهم بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق، فأنت ممكن أن تعيش حياة بالجنة، والله لا أبالغ، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، ابن تيمية يقول: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن حبسوني فحبسي خلوة، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ إذا كان الله معك فمن عليك؟ من يجرؤ أن ينال منك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟

 

بطولة الإنسان أن يعرف سرّ وجوده في الحياة الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام؛ الدين قضية خطيرة جداً، أنت بلمحة واحدة تصطلح مع الله، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، أقسم لكم بالله ينغمر قلبك بسعادة لا توصف، تقول: إذا كان حال أهل الجنة كهذا الحال والله في الجنة نعيم كبير.
 سيدي عقب عيد من الأعياد الإسلامية لو إنسان زار صديقه، ابنه الصغير عمره عشر سنوات قال له: يا عم أنا معي مبلغ عظيم، كم تقدره؟ أسرة متوسطة وبعد العيد صار معه مئة دينار، عندما يقول لك: معي مبلغ عظيم أي مئة دينار، و إذا قال مسؤول كبير بالبنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً، أنا قدرته بخمسمئة مليار دولار، كلمة عظيم قالها طفل قدرتها مئة دينار، قالها مسؤول كبير بالبنتاغون قدرتها خمسمئة مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك إذا قال رب العالمين:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113 ]

 كلمة عظيم نفسها قالها طفل، وقالها مسؤول كبير، وقالها الله عز وجل، من مئة دينار إلى خمسمئة مليار إلى شيء لا يصدق، قال تعالى:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113 ]

 لذلك قال تعالى:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

[ سورة الكهف:46]

 لم قال: والباقيات؟ كأنه وصف ما سبق والفانيات، مرة توقفت في سوق الحميدية في الشام، هذا السوق كل خمسين سنة يوجد طقم جديد، صاحب المحل كبر ومات ورثه أولاده وتشاجروا وباعوا المحل، هذا السوق الضخم الذي فيه محلات عريقة كل خمسين سنة يوجد طقم جديد، يوزع الإرث، لذلك الحياة مؤقتة، وهذه الحياة المؤقتة كل ذكائك وبطولتك أن تعرف سرّ وجودك فيها، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 أسأل الله عز وجل أن يكون هذا الشهر الكريم منطلقاً لنا جميعاً، صفحة مع الله جديدة، في بيتنا، في عملنا، في سهراتنا، في قضاء إجازاتنا، في شرائنا، في بيعنا، في اختيار أعمالنا، هذه البطولة أن تتحرك وفق منهج الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018