الدرس : 191 - البطولة والذكاء أن تعيش المستقبل. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 191 - البطولة والذكاء أن تعيش المستقبل.


2015-07-13

مغادرة الدنيا أخطر حدث بحياة الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام؛ أنا أهنئ وأكبر عالمكم الجليل فيما ذهب إليه، وألخص كلامه بكلمتين: خذوا دينكم عن الأرضيات لا عن الفضائيات.
 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان يعيش لحظته، هذا شأن معظم الناس، يعيش لحظته لكن البطولة والذكاء أن تعيش المستقبل، لو التقيت مع معظم الناس يتحدثون عن واقعهم، وعن ماضيهم، يقول لك: أنا الآن مهندس درست في مصر، عن واقعهم، وعن ماضيهم، لكن قلة قليلة جداً تعيش المستقبل، هذا المستقبل لماذا يهرب الناس منه؟ لماذا يبتعد الناس عنه؟ لأن المستقبل فيه حدث خطير، أخطر حدث بحياتك مغادرة الدنيا، أخطر حدث، أب عندك شباب، عندك صبايا، عندك زوجة صالحة، عندك عملك، عندك مركبتك، عندك نشاطاتك، عندك لقاءات، سهرات، حفلات، ندوات، من المكانة الكبيرة فجأة تحت الأرض، كنت فوق الأرض فإذا أنت تحت الأرض، هذا حدث لا يستطيع واحد أن ينجو منه، الموت حق، ما قال تموت، قال تعالى:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 35]

 النفس تذوق الموت ولا تموت، قال تعالى:

﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 77]

 أنت خلقت للأبد، هذا الأبد إما في جنة نعيمها لا يوصف، أو في نار لا ينفذ عذابها، فهذا الشيء خطير، أنا حينما أرى جنازة:

(( فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))

[الجامع الصغير عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ]

 إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفد عذابها، بيدك أسباب النجاة من النار، قال تعالى:

﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم ﴾

[ سورة النساء : 59]

 هي الطاعة، الأمر على أنه خطير جداً لكن أسباب النجاة منه بيدك، الدليل قال تعالى:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 من جاء بهذا التشريع؟ النبي صلى الله عليه وسلم، عمن؟ عن الإله العظيم، هو الذي خلقنا أعلم بنا، أعلم بما يسعدنا، أعلم بمنهج سلامتنا وسعادتنا، أي فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، أنت مع نص من عند الخالق، لذلك قالوا: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
 هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، أي هذا الكتاب المقرر يقرأ ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية.

 

البطولة والذكاء أن تعيش المستقبل :

 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان حينما يديم قراءة القرآن هو مع الخالق، مع رب العالمين، مع المسير، مع القوي، مع الغني، مع الرحيم، مع العليم، مع اللطيف، من هنا كان -وهذا والله رجاء كبير لكم جميعاً وأرجو نفسي أيضاً- هذا الذي ألفناه في رمضان من قيام لليل، من تلاوة للقرآن، من ضبط للحواس والجوارح، من ضبط للسان، من ضبط للبصر، هذا ينبغي أن يستمر بعد رمضان كما هو، حتى نحقق من هذا الصيام هدفه، هذا الصيام هدفه أن تنتقل كل عام نقلة نوعية كأنه درج، أما حينما نعود بعد نهاية رمضان إلى ما كنا عليه قبل بدء رمضان فلا يوجد تقدم أبداً.
 فيا أيها الأخوة الكرام، البطولة أن تعيش المستقبل، يوجد قصة بليغة، يقول أحد الأدباء الكبار- له كتب حيث كتب القصص على لسان الحيوانات- صيادان مرا بغدير ماء، فيه سمكات ثلاث، كيسة- أي عاقلة- وأكيس منها أشدّ عقلاً، وعاجزة، بركة الماء فيها ثلاث سمكات، فرأى الصيادان السمكات الثلاث، كيسة، وأكيس منها، وعاجزة، فتواعدا أن يرجعا إلى هذه البركة ومعها شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك، فسمعت السمكات قولهما، أنت أمام سمكة عاقلة جداً، وسمكة أقل عقلاً، وسمكة حمقاء، أما أكيسهن فأعقل هذه السمكات الثلاث، لم تعرج على شيء، حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت، بوقت مبكر فور سماعها كلام الصيادين، لم تعرج على شيء، لم تفعل شيئاً حتى خرجت من مكان يتصل به الغدير بالنهر فنجت، المشكلة حلت، وأما الكيس- الأقل عقلاً- فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان، فدخلت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سُدّ، فقالت: فرطت وهذه عاقبة التفريط، التفريط: الإهمال، ثم إن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت، أي تصنعت الموت، مثل تمارض، ليس بمريض، كذاب، لكنه تصنّع المرض، تفاعل، تعاضد، تماوت، طفت تارةً على ظهرها، وتارةً على بطنها، فظن الصيادان أنها ماتت، فأخذها أحدهما ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، لكن بعد أن أُحرقت أعصابها، وأما العاجزة الثالثة فلم تزل في إدبار وإقبال حتى صيدت.
 طبعاً مثل بليغ جداً، الكيّس من دان نفسه، ضبط دخله، ضبط نفسه، إنفاقه، بيته، خروج بناته، سهراته، لقاءاته، علاقاته، حرفته، هذا الكيس، من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

 

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

 هذا الموضوع يقودنا إلى معنى دقيق جداً، حينما أقسم الله لهذا الإنسان المخلوق الأول، المكلف، المكرم، أقسم له بالعصر، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر : 1 ]

 العصر هو الزمن، والله ما قرأت تعريفاً للإنسان جامعاً مانعاً كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري: " الإنسان هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه".
 أنت أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، لذلك أقسم الله لك أيها الإنسان بحقيقتك، أنت زمن أقسم لك بمطلق الزمن، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر: 1 ]

 جواب القسم مخيف، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

 خاسر، يا رب لم الخسارة؟ الجواب: لأن مضي الزمن يستهلكه، قبل مؤمن غير مؤمن، قبل عملك صالح وغير صالح، قبل كنت باراً أم عاقاً، زوج ناجح أو سيئ، قبل أن تتكلم ولا كلمة، قبل أن أتكلم ولا كلمة لمجرد مضي الزمن فإن مضي الزمن وحده يستهلكك، سبت أحد اثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة انتهى الأسبوع الأول؛ الثاني الثالث الرابع انتهى الشهر الأول، الشهر الثاني الثالث الرابع انتهى الفصل، أربعة فصول سنة، عشر سنوات عقد، أنت حياتك بضعة عقود، بالتعبير العامي: تغمض عيناك ثم تفتحهما تجد نفسك على مشارف القبر، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.

 

العاقل من يبدأ من النهاية :

 كنت مرة في أمريكا شاهدت من ألوان الرفاه ما لا يصدقه عقل، سألت مضيفي: أنتم هنا تموتون؟ قال: طبعاً، قلت له: إذاً أنتم مثلنا، الموت نصيب كل حي، هذا الموت لا بد منه، لكن البطولة لا أن تقفز على هذا الخبر المؤلم، ولا أن تتجاهله، ولا أن تتناساه، البطولة أن تعد العدة لهذا اللقاء، من هو أسعد الناس؟ والله أذكر لي قريب إحسانه يفوق حدّ الخيال، وهو منعم، بنطاق العائلة وليس الأسرة، لا يوجد شاب إلا و زوجه على حسابه، واشترى له بيتاً، هو غني كبير، وجعل هذا المال لصون الشباب، هذا سمعت عنه مات ليلة القدر، وهو يقرأ القرآن، هذه الميتة تلخص حياتك كلها، وأنا سبحان الله عندي قناعة أن طريقة الموت تلخص عمرك كله، مات وهو يقرأ القرآن الكريم، وهناك أشخاص يموتون بمعصية متلبساً بها، فلذلك يقولون في البرمجة العصبية اللغوية: ابدأ من النهاية.
 تشتغل، تدرس، تأخذ شهادات عليا، تتزوج، تنجب، تربي أولادك، كله مسموح به لكن لا تنسى الموت، لذلك إن في معالجة جسد خاو لعبرة، أي إذا الإنسان أتيح له أن يرى ميتاً يغسل والله لا يوجد مانع، والله موعظة لا تنسى، من حين لآخر زيارة القبور، كل هؤلاء الموتى كان لهم حياة، ولهم مكانة اجتماعية، عندهم مشاريع، وعندهم خطط، أين هم الآن؟ عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 ابدأ من النهاية، هذه موعظة كبيرة جداً.

إدخال الموت بالحساب جزء من الدين :

 لذلك إدخال الموت بالحساب جزء من الدين، هذا الكلام يؤيده كلام النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أكثروا من ذكر هادم اللذات))

 مفرق الأحباب.

(( مشتت الجماعات ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]

 مرة قرأت مقالة عن أحد المغنين الكبار، هذا المغني ما ركب طائرة بحياته، وما تعشى بحياته إلا فواكه، أي اعتنى بصحته عناية تفوق حدّ الخيال، ثم مات، هذا الموت قدر الإنسان، والذكاء والعقل والبطولة أن تعيش المستقبل، وأن تعيش أخطر حدث في المستقبل ألا وهو حدث الموت، أنت عش حياتك بدون معصية، بيتك إسلامي، عملك إسلامي، لقاءاتك إسلامية، سهراتك إسلامية، وليس سهرة مختلطة، سياحتك إسلامية، طائرة انطلقت من دبي إلى تايوان، وعليها ركاب ممتلئة، وكانت تايون والبلاد التي حولها ببعض الفجار مقصداً في الصيف، وهذه الطائرة لعل إنساناً دعي إلى إلقاء كلمة في مؤتمر في شرق آسيا، والطائرة سقطت، يموت كل راكب على ما ذهب إليه، الذي ذهب لمعصية يموت وهو عاص، والذي ذاهب لطاعة يموت على طاعة، فأنا أقول: الذكاء والحكمة والعقل والكياسة أن تعيش المستقبل، وأخطر أحداث المستقبل مغادرة الدنيا.
 تقول: أنا شاب في أول حياتي، كلام طيب، لكن لا تنسى أن هناك شباباً يموتون في سن مبكرة جداً.

 

من يعمل لوجه واحد يكفه الله الهموم كلها :

 الشيء الذي لا يصدق كانت الخثرة في الدماغ أو الجلطة تكون بالسبعينات أو فوق السبعين، الآن وصلت للأربعينات، و هناك جلطات بالثلاثينات، هذه الشدة النفسية، ما الشدة النفسية؟ هذه أخطر مرض، لها آثار خطيرة على القلب، آثار على كل أجهزة الجسم، لذلك أحد أكبر أكبر إنجازات المؤمن أن التوحيد يريحه من الشدة النفسية، علاقته مع واحد، غير المؤمن علاقته مع جهات متعددة، وقد تكون هذه الجهات متناقضة فيما بينها، فإن أغضب زيداً أغضب عبيداً، أنت علاقتك مع الله، اجعل همك هماً واحداً يكفك الهموم كلها، اجعل همك هماً واحداً يكفك الهموم، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد كلام سهل جداً، أما أن تعيشه فتحتاج إلى إيمان قوي جداً، أنت لو فرضنا أمام عمل مبني على معصية، ودخله كبير، وعمل لا يوجد فيه معصية مبني على طاعة، لكن دخله قليل، أنت عندما كنت بطلاً وأخذت قراراً حاسماً وتاريخياً وقيماً أن تختار العمل الأقل دخلاً والأسلم ديناً، فأنت كنت عاقلاً جداً، حتى الله عز وجل يعطيك ما تستحق من الأجر، يجب أن تذوق الفرق، مثلاً للتقريب لو إنسان عنده ملهى وحج وتاب، فغير الملهى إلى مطعم، لو فرضنا الغلة بعدما صار الملهى مطعماً هبطت هذا قد امتحنه الله، قال لي شخص عنده مطعم وفيه خمر: والله الغلة رقم فلكي، هذا الذي يشرب يضع الضعف في الفاتورة، تبت إلى الله وحججت ورجعت، فليس من المعقول أن أبيع خمراً، تبت إلى الله، ووالله الغلة نزلت للعشر، امتحنه الله، دفع ثمن قرار التوبة، لو لم يدفع لا يعتبر ممتحناً، الله دفعه ثمن قرار التوبة، وصبر، والله أكرمه، ومن حوله قدروا النقلة النوعية في حياته وأقبلوا عليه بالشراء، وبلغوا بعضهم ورجع لوضعه الطبيعي، نحن نعاون بعضنا إذا الإنسان أخذ قراراً كان يمشي بطريق فيه معصية وتاب إلى الله نتعاون، طالما القلب ينبض تستطيع أن تلحق نفسك.
 أنا مرة قلت قصة، بدوي عنده أرض بشمال جدة، عندما توسعت جدة، صار قطرها تسعين كيلو متراً، اقتربت من أرضه، فارتفع سعرها، فنزل وباعها إلى مكتبٍ عقاريٍ خبيثٍ جداً، اشتراها بربع ثمنها، وأنشأ عليها بناءً كبيراً، يزيد عن اثني عشر طابقاً، هم شركاء ثلاثة، أنا رأيته بعيني، أول شريك وقع من أعلى البناء فنزل ميتاً، والثاني دهسته سيارة، فانتبه الثالث، ربط موت شريكيه بهذا القنص الذي قنصاه من هذا الإنسان البسيط، بحث عن صاحب الأرض ستة أشهر، حتى عثر عليه، فأعطاه ثلاثة أضعاف حصته، فقال له هذا البدوي: ترى أنت لحقت حالك، وكل واحد منا ما دام قلبه ينبض يستطيع أن يلحق نفسه، والصلحة بلمحة، إذا قلت: يا رب لقد تبت إليك، يقول لك: عبدي وأنا قد قبلت، الصلح بثانية، وأفضل مناسبة للتوبة رمضان، خاب وخسر من أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى؟ هذا شهر المغفرة، شهر التوبة، شهر تفتح مع الله صفحة جديدة.
 بارك الله لكم في بلدكم، وفي جامعكم، وفي عامكم الجديد، أنا والله أكبره أشدّ الإكبار هنيئاً لكم به.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018