الدرس : 190 - قصص مؤثرة- قصة زواج شريح القاضي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 190 - قصص مؤثرة- قصة زواج شريح القاضي.


2015-07-12

عبادة الهوية :

 ورد في كتب الأدب والسيرة أن القاضي شريح- قاض مشهور- لقيه صديقة الفضيل، فقال له: يا شريح كيف حالك في بيتك؟ قال: والله منذ عشرين عاماً لم أجد من يعكر صفائي، قال: وكيف ذلك يا شريح؟ قال: خطبت امرأة من أسرة صالحة، فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحاً وكمالاً- يقصد صلاحاً في دينها وكمالاً في خَلقها- فصليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلّمت من صلاتي، وجدت زوجتي تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، وتشكر شكري، أحياناً يقول: إحدى و ثلاثون سنة لم أجد الراحة يوماً، ممكن، لي صديق توفيت والدته- عمر والدته خمس وثمانين سنة، وزوجها تسعون سنة، فأنا من واجبي أن أحضر التعزية- لفت نظري أن الأب يبكي بكاء غير معقول، هل هي صبية؟ خمس وثمانون سنة، وهو في التسعين! سبحان الله بعد أن انتهت التعزية هو والد صديقي، قلت له: عظّم الله أجرك فبكى، قال لي: خمس وخمسون سنة ما نمت يوماً و أنا مزعوج منها، لذلك المرأة الصالحة، اعلمي أيتها المرأة و أعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله.
 لأن المرأة تعبد الله فيما أقامها، هذه اسمها عبادة الهوية، طبعاً عندنا العبادة هي صلاة وصوم وحج وزكاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وغض بصر، هذه عبادة عامة، و عندنا عبادة الهوية، أنت من؟ أنت غني عبادتك الأولى إنفاق المال، وما جعل الله الغني غنياً إلا ليصل بإنفاق ماله إلى أعلى درجات الجنة، أنت من؟ أنت قوي، العبادة الأولى إحقاق الحق، أنت عالم؟ عبادتك الأولى تعليم العلم.

إشكالات تعليم العلم :

 إلا أن تعليم العلم له إشكالات، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

 العلماء لهم مئات الصفات، صفة واحدة جاءت في القرآن، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

 فإذا خشي الداعية غير الله، وسكت عن الحق خوفاً، وتكلم بالباطل تملقاً، انتهت دعوته، لذلك بعض العلماء قالوا: هناك صفة مترابطة مع الموصوف ترابط وجودي، فإذا ألغيت الصفة ألغي الموصوف كله، مثلاً الطائرة تطير، وصفت بالطيران ألغي الطيران لم تعد طائرة، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

 دخل أبو حنيفة النعمان على المنصور، فقال: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا، قال: ولِمَ أتغشاكم وليس لي شيء أخافكم عليه؟ وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء؟ إنك إن قربتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريت بي، فلِمَ أتغشاكم؟

 

البيان يطرد الشيطان :

 لذلك بئس العالم في باب الحاكم، ونعم الحاكم في باب العالم، أحياناً السفينة تأخذ من ماء البحر فإذا أخذت من ماء البحر ابتلعها البحر، فإذا أخذت من ماء البحر شيئاً البحر يبتلعها بأكملها، لذلك الإنسان نقاء الدعوة مهم جداً، والإنسان يجب أن يشرح، النبي الكريم يمشي في الليل مع زوجته صفية، مرّ صحابيان كريمان، فقال عليه الصلاة والسلام: على رسليكما، انتظرا، هذه زوجتي صفية، قالوا: أفيك نشك؟ قال: لئلا يدخل الشيطان بينكما.
 أنت وضح كل شيء، البيان يطرد الشيطان، لو أن شخصاً كلفك بعمل، وأعطاك مبلغاً من المال، وانتهى العمل، يقول لك: أين الحساب؟ تقول له: انتهى كل المال المعطى لي، لا يصح، قدم إيصالات، قدم تفاصيل، كي لا يشك بك، بيّن الحساب، عندما تعطيه الحساب يوق لك: أعوذ بالله لا، خذه، ويمزق الورقة، البيان يطرد الشيطان، على رسليكما، هذه زوجتي صفية، قالوا: أفيك نشك؟ قال: لئلا يدخل الشيطان بينكما.
 دائماً وأبداً لا تضع نفسك موضع تهمة، بيّن، وضح.

 

قصة زواج القاضي شريح :

 قال: وكيف ذلك يا شريح؟ قال: خطبت امرأة من أسرة صالحة، فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحاً وكمالاً- يقصد صلاحاً في دينها وكمالاً في خَلقها، أي صاحبة دين وبالنفس وقته جميلة- فصليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلّمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، وتشكر شكري، فلما خلا البيت من الأهل والأحباب دنوت منها، فقالت لي: على رسلك يا أبا أمية- أي انتظر- فقامت فخطبت، قالت: أما بعد، يا أبا أمية إني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب ولا ما تكره، فقل ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية قد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فاتقِ الله فيّ وامتثل قوله تعالى:

﴿ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

[سورة البقرة: 299]

 ثم قعدت، قال: فألجأتني إلى أن أخطب- صار تبادل خطابات- وقف وقال: أما بعد، فقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك ذخراً وأجراً، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا، وما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها.

 

الزواج المبني على طاعة الله يتولى الله التوفيق بين الزوجين :

 عندما حضرت التعزية عمر الأب تسعون سنة، وعمر الزوجة خمس وثمانون سنة، والزوج بكى بكاء مراً، وأنا أحاول أن أواسيه قال لي: خمس وخمسون سنة ما نمت يوماً و أنا منزعج منها.
 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ إذا بني الزواج على طاعة الله يتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، أما إذا بني الزواج على معصية الله فيتولى الشيطان التفريق بينهما.
 أسرة غنية جداً صار فيها زواج، والزواج بأفخر فندق بدمشق- في الشيراتون- المدعوون بالمئات، والبذخ يفوق حدّ الخيال، يقف هو والعروس على المنصة، قالت له: عدل من وقفتك قليلاً حتى يبقى طولها معقولاً، فقال لها: طالق طالق طالق، يوم العرس، إذا بني الزواج على معصية الله يتولى الشيطان التفريق بينهما.
 مرة كنت أمشي بأحد أسواق دمشق خرج صاحب محل له مكانة كبيرة تجارية، قال: ممكن أن أدعوك لفنجان قهوة؟ قلت له: لا يوجد مانع، قال: جاء لابنتي عريس و هو راق جداً، غني، وسيم، له سيارة، بيته ملكه، ولكن دينه رقيق قليلاً، قلت له: أنت عندما تقرأ القرآن ماذا تقول عندما تنتهي؟ قال: أقول: صدق الله العظيم، إذاً إذا أنت زوجت ابنتك لهذا الرجل معنى هذا لم تصدق الله، ماذا قال الله عز وجل؟

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[سورة البقرة : 221 ]

 والله زوج ابنته لهذا الرجل، بعد سبعة عشر يوماً من العرس كان معها بنزهة في مصيف اسمه بلودان عندنا في الشام، فتح الباب وركلها بقدمه، إذا بني على معصية الله يتولى الشيطان التفريق بينهما، و إذا بني على طاعة الله يتولى الله التوفيق بينهما.
 موضوع الزواج يحتاج إلى تقوى، لذلك مرّ معي حديث أحبّ أن أبلغه للشباب، في الجامع الصغير من كتب الحديث، له خاصة، مرتب ترتيب أبجدي، يوجد حوالي مئة حديث، تبدأ بكلمة حق، حق الوالد على ولده، حق الولد على أبيه، حق الزوجة على زوجها، حق الزوج على زوجته، لكن هناك حديثاً واحداً إذا قرأه الشاب ينبغي أن يقشعر جلده، حق المسلم على الله، معقول؟ حق المسلم على الله أن يرزقه إذا طلب العفاف.

 

خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 هذا كلام للشباب أنت تمشي بشكل صحيح مع الله؟ هذا الحدث لصالحك، حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف.
 تروي كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف معاذ بن جبل وراءه على الدابة، معاذ بن جبل يحيط بالنبي وصدره ملاصق لظهر النبي، قال له:

(( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن معاذ بن جبل ]

 استنباطاً من قوله تعالى:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 معنى هذا أن الله ما قبل دعواهم، ولو قبل دعواهم لما عذبهم، قال تعالى:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 ليس لك ولا ميزة، ونحن عندما نقول في الجامعة العربية بأجمل خط مكتوب:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 هذه الخيرية التي أكرمنا الله بها لها علة، قال تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

أخطر شيء في حياة الإنسان تبدل القيم :

 يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ ))

[ زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 كأن الصحابة صعقوا!

(( قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟- صعقوا صعقة أشد- قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال : نعم، وأَشدُّ منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً))

 هذا أخطر شيء تبدل القيم، فلذلك ورد أن سيدنا عمر في عهده أحد ملوك الغساسنة اسمه جبلة بن الأيهم جاء إلى المدينة مسلماً، رحب به أجمل ترحيب وأكرمه، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم: " أنزلوا الناس منازلهم" لأنه ملك، في أثناء أداء العمرة في مكة، بدوي من فزارة داس طرف ردائه فانخلع رداؤه عن كتفه، يبدو أن رداءه يمشي خلفه، هذا الملك الغساني جبلة بن الأيهم ضرب هذا الأعرابي من فزارة ضربة هشمت أنفه، فشكاه إلى سيدنا عمر، سيدنا عمر استدعى الملك الغساني، شاعر معاصر صاغ الحوار شعراً.
 قال سيدنا عمر لجبلة: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ فقال جبلة: لست ممن ينكر شياً أنا أدركت حقي بيديا. فقال عمر لجبلة: أرض الفتى لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك. قال: كيف ذلك يا أمير هو سوقة- من عامة الناس، من الطبقة الدنيا، من دهماء الناس، من عامتهم- وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟! قال له سيدنا عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً. قال له جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني. قال له سيدنا عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 هذا عصر المبادئ الأول، جاء بعده عصر الأشخاص، سيدنا صلاح الدين، هؤلاء العلماء الكبار؛ قطز بمصر، المعز بن عبد السلام، صار عندنا عصر أشخاص، نحن الآن في عصر الأشياء، تستمد مكانتك كلها من متاعك، قيمة المرء متاعه، من نوع سيارتك، مرسيدس ستمئة وليس مئة وثمانية، يستمد مكانته من سيارته، من بيته، من مساحة بيته، قيمة المرء متاعه، هذه حالة خطيرة جداً ومرضية، يقيّم الإنسان من متاعه، من بيته، من حجمه المالي، من موقع بيته، من مساحة بيته، فلذلك نحن الآن في عصر الأشياء، وقبل هذا العصر كان هناك عصر الأشخاص، وقبله عصر المبادئ.

((اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا، أنتم أصحابي أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، أجره كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال : بل منكم، قالوا: و لمَ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً و لا يجدون))

[ الترمذي عن أنس]

(( إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 وحينما تشعر بالغربة، مثلاً إنسان بتعامل عادي لا أذكر نوع التعامل، وضعوا رقماً هذا الرقم كان يا نصيب، الجائزة الكبرى سفرة إلى فرنسا بأفخر فندق، هو ملتزم، اعتذر، هناك أشياء وهو مؤمن الله أغلى من هذا، وأنا أقول لكم: زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً مخافة الله ثم لا تعوض خيراً منه، لذلك:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018