الدرس : 188 - اللغة - قال تعالى - ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 188 - اللغة - قال تعالى - ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾


2015-07-10

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

أنواع البيان :

 أيها الأخوة الكرام؛ هذه اللغة من إكرام الله لنا، أنت باللغة تعبر عن أفكارك، وتعبر عن مشاعرك، وأنت باللغة تفهم أفكار الآخرين، ومشاعرهم، من خلال اللقاء المباشر، لكن باللغة تنقل علمك إلى أجيال لاحقة، عن طريق اللغة، القرطبي عاش قبل ألف عام تقريباً، لكن تفسيره بين أيدي الناس الآن، أنت باللغة تنقل علمك إلى أجيال لاحقة، وعن طريق الترجمة تنقل العلم إلى كل اللغات، باللقاء المباشر يوجد فهم للأفكار والمشاعر، والتعبير عن الأفكار والمشاعر، لكن باللغة تنقل المعلومات والإنجازات والأفكار والمشاعر إلى أجيال لاحقة، وبالترجمة تنقل المعلومات والفكر والحضارات إلى أمم أخرى، لذلك قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-4]

 البيان أنواع، بيان مباشر، وبيان عن طريق الصورة، أي أنت قد تقول: هؤلاء قوم بخلاء مباشرة، وقد تقول:

بيض المطابخ لا تشكو إماؤهم  طبخ القدور ولا غسل المناديل
***

 قدمت البخل بشكل صورة، والتعبير بالصورة أمتع وأقوى وأبلغ تأثيراً، الإنسان أحياناً عنده خطوط دفاع يرفض فكرة، يرفضها بكل طرائقها، أما إذا جاءت هذه الفكرة على شكل صورة أو على شكل قصة فيمكن أن تتسلل أفكار هذه القصة إلى عقله الباطن، وأن تتجاوز خطوط دفاعه، مثلاً إنسان عنده ابن يقود مركبة، يسرع كثيراً، نصحه أبوه مئات المرات، من طبيعته أن يسوق بأعلى سرعة، مرة حدثه عن قصة وقعت في الخليج، شاب في ريعان شبابه، يركب مركبة من دبي إلى أبو ظبي، عمل حادثاً، دخل المستشفى صار مشلولاً، عمرة ست وعشرون سنة، هذه القصة مع تفاصيلها أبلغ من ألف محاضرة يا بني إياك أن تسرع، القصة قيمتها كما قال الله عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

[سورة يوسف :111]

 فيها حقيقة مع البرهان عليها، لذلك أنا أرى أن على المعلم، الموجه، المدرس، اعتماد القصة لأنها أبلغ من التوجيه المباشر، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

[سورة يوسف :111]

حكاية تشير إلى انتماء المؤمنين لهذا الدين العظيم :

 لذلك في هذا اللقاء الطيب سيدنا أنس بن مالك قال:

((لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال الحجاج بن علاط- رجل من أصحاب رسول الله- يا رسول الله إن لي بمكة مالاً وإن لي بها أهلاً- كان تاجراً وله بيوت كثيرة في مكة - وإني أريد أن آتيهم فأنا في حلّ إن نلت منك؟))

[أحمد وابن حبان في صحيحه ]

 هل تسمح لي أن أنال منك؟ سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، المخلوق الأول في البشرية، الذي يوحى إليه:

(( ..فأنا في حلّ إن نلت منك؟))

 أي أتكلم كلاماً غير صحيح.

((..فأنا في حلّ إن نلت منك، أو قلت شيئاً، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما يشاء))

 فلما وصل إلى مكة:

((فأتى إلى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي ما كان عندك فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم))

 يعتبر أنه انهزم وأمواله صودرت، و الآن تباع أمواله في المدينة، قال لها: اجمعي ما عندك من مال فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد، طبعاً هنا جاءت صلى الله عليه وسلم، أحياناً مرة الذي كان يعذب بلالاً أمية بن خلف، يوجد تمثيلية بمدرسة ثانوية مثلوا الموقف، قال له: لن أدفع عنك العذاب إلا إذا كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم. عندما صلى عليه القصة أصبحت ضعيفة.

((..فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما يشاء))

 فلما وصل إلى مكة:

((فأتى إلى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي ما كان عندك فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد صلى الله عليهم وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، وفشا ذلك بمكة فأوجع المسلمين))

 هو ما حدث أحداً، حدث زوجته فقط، إذا كنت تريد أن تفشي قصة فقط احكها لزوجتك. شخص عنده زوجة صماء لا تتكلم، قال: لو حدثتها بشيء لنطقت.
 وفشا ذلك بمكة، يوجد بمكة مؤمنون لم يستطيعوا الهجرة، فلما فشا هذا الخبر انقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحاً وسروراً، المسلم صار في كآبة، والكافر شرح صدره.
 تعليق لطيف؛ إن أردت أن تمتحن إيمانك إذا أخ من أخوانك أكرمه الله بشيء، اشترى بيتاً مثلاً، أو تزوج امرأة صالحة، أو نال دكتوراه، إذا فرحت لهذا الذي حققه أخوك، هذه علامة إيمانك ورب الكعبة، وإذا انزعجت فهذه علامة نفاق، والدليل قال تعالى:

﴿إِن تَمسَسكُم حَسَنَةٌ تَسُؤهُم ﴾

[سورة آل عمران: ١٢٠]

 هذا الأخ قد يكون زميلك، وفقه الله لنيل شهادة عليا افرح له، نحن المؤمنون الجميع لواحد والواحد للجميع، التعاطف بين المؤمنين من علامات الإيمان.
 الأمر فشا في مكة، أن محمداً انهزم، وأمواله أخذت، والآن أمواله تباع، وأظهر المشركون فرحاً وسروراً، فأنت ما الذي يفرحك؟ أن أخاك المؤمن يقوى، ينتصر، أن يعلو قدره، يتسلم منصباً رفيعاً، هذا مكسب لك، علامة إيمانك إذا أحد المؤمنين وصل لشيء إيجابي هذا مكسب للمؤمنين، في مجتمع الإيمان الجميع لواحد والواحد للجميع.

(( فبلغ العباس بن عبد المطلب فعقد في مجلسه وجعل لا يستطيع أن يقوم))

 هو آمن بمحمد على أنه رسول، معقول أن ينهزم؟! وتصادر أمواله؟! فانقمع وقعد وجعل لا يستطيع أن يقوم.
 الآن يحضرني موقف آخر، قبيل معركة بدر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يعطي توجيهاً للصحابة، يقول: لا تقتلوا عمي العباس فقط، ما أضاف ولا كلمة، يوجد صحابي لم يتحمل قال: أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه؟ ما فهم الحكمة، وجد في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، أحدنا يقتل في المعركة أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه؟ قال: لا تقتلوا عمي العباس. ثم تبين له أن العباس مؤمن، وكان العباس رضي الله عنه عين النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ما من حدث في مكة، ما من قرار يتخذ، ما من اجتماع يعقد، إلا ويبلغ النبي عنه، بالتعبير المعاصر إدارة النبي صلى الله عليه وسلم إدارة ذكية جداً، أي إنسان إذا لم يكن معه معلومات دقيقة جداً قراره يكون خاطئاً، لذلك في العالم كله استخبارات، حتى تعرف العدو كيف يفكر؟ ما القرار الذي اتخذه؟ ماذا أعدّ لك؟ فكان عمه العباس عينه في مكة، وكان ينقل له كل المستجدات في مكة، الآن الموقف الحرج، لو قال لأصحابه الكرام: عمي العباس أكرمه الله بأنه أسلم، انتهى دوره، كشف، ولو العباس ما شارك في معركة بدر كشف نفسه، ولو سكت النبي لقتل، إما أن يسكت، وإما ألا يشارك العباس، وإما أن يقول: لقد اسلم عمي العباس لا تقتلوه، ثلاثة خيارات تنهي العباس، ماذا قال؟ لا تقتلوا عمي العباس، فلما تبين لمن أساء الظن برسول الله، قال: ظللت أُكفّر عن سوء ظني برسول الله عشرة أعوام رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله. عشرة أعوام يكفر عن سوء ظنه برسول الله، الآن قال أنس:

(( ثم أرسل غلاماً له - إلى الحجاج بن علاط – فقال: ويلك ما جئت به؟))

 خبر غير معقول يتناقض مع الوحي، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة المائدة : 67 ]

 قرآن، إله قال له: بلغ وحياتك مضمونة، لن يصل أحد إليك، العباس عم النبي قال: ما هذا الكلام؟ هل هذا الكلام هو الحقيقة؟ لم يصدقه من إيمانه فقط، لكنه أرسل له غلاماً - إلى الحجاج - قال له: ماذا تقول؟

(( ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وَعَدَ الله خير مما جئت به))

 الله وعد بالنصر، هذا خبر يتناقض مع وعد الله، فقال الحجاج بن علاط لغلامه:

(( اقرئ أبا الفضل السلام، وقل له: فليخل لي بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره))

 ثم جاء الغلام لسيدنا العباس:

(( فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، قال: فوثب العباس فرحاً حتى قبّل بين عينيه، فأخبره بما قال الحجاج فأعتقه لوجه الله من شدة فرحه))

  انظروا، هذا هو الولاء.
 أيها الأخوة الكرام؛ نحن عندنا خمسة أركان للإسلام، أحد الأركان أن تحسن الظن برسول الله، حسن الظن بالله ثمن الجنة.

(( اقرئ أبا الفضل السلام، وقل له: فليخل لي بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره))

 ثم جاء الغلام لسيدنا العباس:

(( فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، قال: فوثب العباس فرحاً حتى قبّل بين عينيه، فأخبره بما قال الحجاج فأعتقه لوجه الله، ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي، فأخذها لنفسه، وخيرها بين أن يعتقها فتكون زوجته، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال لي ها هنا، أردت أن أجمعه وأذهب، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثاً ثم اذكر ما بدا لك))

 حتى يغادر طلب منه أن يبقى ساكتاً ثلاثة أيام، طمأنه، قال له القصة ليست هكذا:

((ثم اذكر ما بدا لك، قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع، فجمعته فدفعته إليه، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه قد ذهب، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شقّ علينا الذي بلغك، قال: أجل لا يحزنني الله أبداً، ولم يكن بحمد الله- الخبر الذي بلغك غير صحيح- فتح الله خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرت سهام الله فيها، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقاً، قال: فإني صادق، والأمر على ما أخبرتك، قال: ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل- يواسونه- فقال: لم يصبني إلا خير بحمد الله، قد أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها الله على رسوله، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثاً، وإنما جاء ليأخذ مالاً كان له، ثم يذهب، فردّ الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئباً حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر، فسرّ المسلمون بذلك، وردّ الله ما كان من كآبة أو غيظ أو خزي على المشركين))

 طبعاً هذه الحكاية نحن عندنا رواية، قصة، أقصوصة، هذه حكاية، هذه الحكاية تشير إلى انتماء المؤمنين إلى هذا الدين، وما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً لقول الله عز و جل:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 50]

معالجة الله عز وجل لكل مسلم ليستحق وعده :

 أنت امتحن نفسك إن وجدت في بلد إسلامي أكرمه الله بالإسلام، وأكرمه بإنجازات كبيرة جداً يجب أن تفرح، تفرح فرحاً شديداً، لك صديق أكرمه الله بشيء، أي إنجاز يحققه أخ لك فرحك دليل إيمان، وألمك من هذا الإنجاز دليل نفاق، هذا امتحان بين أيدينا، نحن أمة واحدة، نحن مجموع واحد، فريق عمل واحد، الخير الذي يصيب بعضنا ينعكس على المجموع، والشر الذي يصيب بعضنا ينعكس على المجموع، هذا الانتماء، أنت عندما تشاهد أخباراً سلبية ألا تتألم؟ هذا علامة إيمانك، كل خبر سلبي في العالم الإسلامي مؤلم ألماً شديداً، والمشكلة بحقب مديدة لا يوجد أخبار سارة، دائماً المسلمون مصابون في أموالهم، وفي أعراضهم، وفي أمنهم، لعل الله عز وجل يعالج هذه الأمة، مثل أب عنده ثلاثة أولاد، ولد ذكي جداً ومتفوق تركه، وولد ثان منغولي أيضاً تركه، وولد ثالث ذكي جداً ومقصر، فكل العلاجات والشدة تصب على هذا الذكي، المؤمن المقصر، فالمتفوق ترك، حقق الهدف، الصحابة تفوقوا، والذي يئس منهم قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 أما هذا المسلم المقصر فهذا الآن بالتعبير الطبي بالعناية المشددة أو العناية المركزة، هناك عناية فائقة من قبل الله عز وجل للمسلمين اليوم، فهذه المعالجات حتى نستحق وعد الله عز وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018