الدرس : 186 - قصص مؤثرة - قصة زواج الصحابي جُليبيب رضي الله عنه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 186 - قصص مؤثرة - قصة زواج الصحابي جُليبيب رضي الله عنه.


2015-07-08

أصحاب النبي الكريم هم النخبة في المجتمع البشري :

 أيها الأخوة الكرام؛ ورد في السيرة النبوية قصة صحابي جليل اسمه جُليبيب ، القصة دقيقة جداً لكن طرح هذه القصة يؤكد قيم هذا الدين العظيم.
 جُليبيب رجل فقير، معدوم، عليه أسمال بالية، جائع البطن، حافي القدمين، مغمور النسب، لا جاه، ولا مال، ولا عشيرة، ليس له بيت يأوي إليه، ولا أثاث في البيت، ولا متاع، يشرب من الحياض العامة بكفيه مع الواردين، ينام في المسجد، وسادته ذراعه، فراشه الأرض، هل هناك أقل من ذلك؟ أي إنسان من الطبقة الدنيا الدنيا الدنيا، لا بيت ولا أهل ولا مال ولا حرفة.
 وكان في وجهه دمامة، لكنه صاحب ذكر لله، وتجارة لكتاب الله، لا يغيب عن الصف الأول في كل الصلوات، ولا في كل الغزوات، ويكثر من الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، كما قلت قبل قليل هو واحد من الطبقة الدنيا الدنيا، لا يملك شيئاً، ولا بيتاً، ولا مأوىً، ولا ثياباً، ولا طعاماً، ولا شراباً، ولا وسامةً، قال له النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم: يا جُليبيب ، ألا تتزوج؟ فقال: يا رسول الله ومن يزوجني؟ أي مستحيل أن يتزوج، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا أزوجك يا جُليبيب.
 هنا النقطة الدقيقة، لكن هذا كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يجب أن نعلم من هم أصحاب النبي الكريم، هؤلاء نخبة النخبة، النخبة في المجتمع البشري، هؤلاء الذين رضي الله عنهم، هؤلاء الذين خصهم بسيد الخلق وحبيب الحق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار لي أصحابا ))

[الحاكم عن عويم بن ساعدة ]

 أقول لكم كلمة دقيقة، أعظم تكريم للإنسان أن يكون الذين حوله على شاكلته، إنسان يحمل شهادات عليا في العلم وكان حوله أناس غير متعلمين، لا يقدرونه أبداً، مكانته تكون بين أمثاله وأقرانه، فالإنسان عندما يصاحب أناساً يؤمنون بالمال فقط وهو متعلم، أنا أنصحه ألا يصاحبهم، هم يقيمون بالمال فقط، مقياسهم واحد، بينما هناك مقاييس أخرى ترفع الإنسان إلى أعلى عليين.
 أذكر مرة كنت في البقعة، والبقعة منطقة فقيرة جداً، ذكرت هذا النص أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه رجل من أقل أصحابه غنى، فقير جداً جداً، قال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، هذا الصحابي صُعق قال له: أنا؟ قال له: أنت، قال له: أو مثلي؟ قال له: نعم يا أخي، أنت خامل في الأرض علم في السماء. العبرة أن تكون عند الله لك مكانة كبيرة.

 

قصة زواج الصحابي جُليبيب رضي الله عنه :

 أيها الأخوة الكرام؛ فقال: يا رسول الله ومن يزوجني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أنا أزوجك يا جُليبيب. فقال جُليبيب للنبي الكريم: إذاً تجدني كاسداً يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: غير أنك عند الله لست بكاسد.
 كل بطولتك أن تكون لك مكانة عند الله، عند خالق السموات والأرض، عند رب العالمين، عند من بيده كل شيء، الآن قال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال له: أنا؟ قال له: أنت، قال له: أو مثلي؟ قال له: نعم يا أخي، أنت خامل في الأرض، علم في السماء.
 الآن رجل من الأنصار دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقد توفي زوج ابنته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ليتزوجها، فقال له النبي: نعم، عندما قال له: نعم، والد الفتاة كاد يطير من الفرح، صارت ابنته زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا أتزوجها أنا، فسأله الأب: لمن يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أزوجها جُليبيباً، عندما قال له: جُليبيب انهار، فقال ذلك الرجل: يا رسول الله تزوجها لجُليبيب؟ انتظر حتى أستأمر أمها- يريد أن يخرج من الموضوع ينسحب منه- ثم مضى إلى أمها، وقال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إليك ابنتك، قالت: نعم لرسول الله، ومن يرد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال لها: إنه لا يريدها لنفسه، قالت: لمن؟ قال: يريدها لجُليبيب، قالت: لجُليبيب؟! لا لعمر الله، لا أزوج جُليبيباً، أي شبه مستحيل، لا بيت، ولا وسامة، ويعيش في الطرقات، أقل واحد في المدينة، وقد منعناها فلاناً وفلاناً، نعطيها جُليبيب؟! كان قد خطبها عشرة وكلهم أعلى من جُليبيب بمئات المرات، البنت سمعت، هناك شيء متعلق بخطبتها، فصاحت الفتاة من خدرها، وقالت لأبويها: من خطبني إليكما؟ قال الأب: خطبك رسول الله، قالت: أفتردان على رسول الله أمره؟ أي هل من المعقول أن يرد أمر النبي عليه الصلاة والسلام؟ هكذا كان أصحاب رسول الله، ادفعاني إلى رسول الله فإنه لن يضيعني، الذي يأمره أنا حاضر، البنت وافقت - جُليبيب لا يوجد أدنى منه في المدينة، إنسان فقير، يعيش بالطرقات، ليس له بيت - ثم ذهب إلى النبي الكريم وقال: يا رسول الله شأنك بها، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جُليبيباً ثم زوجه إياها، ورفع النبي صلى الله عليه وسلم كفيه الشريفتين، وقال: اللهم صب عليهما الخير صباً، ولا تجعل عيشهما كداً، ثم لم يمض على زواجهما عدة أيام حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في غزوة، وخرج معه جُليبيب.
 فلما انتهى القتال اجتمع الناس، وبدؤوا يتفقدون بعضهم بعضاً، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم يا رسول الله نفقد فلاناً وفلاناً، ونسوا جليبيباً، ليس له مكانة إطلاقاً، لا يدخل بالحسابات إطلاقاً، فقال صلى الله عليه وسلم: ولكنني أفقد جُليبيباً، فقوموا فالتمسوا خبره، فقاموا وبحثوا عنه في ساحة القتال، وطلبوه مع القتلى، ثم مشوا فوجدوه في مكان قريب، وقد استشهد، وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام جسده المقطع، ثم قال: أنت مني وأنا منك.
 القيم المادية إن لم نضعها تحت أقدامنا الطريق إلى الله مسدود، يقيّم الإنسان فقط من ماله، من مكانته، من منصبه فقط، إذا اعتمدنا القيم المادية في حياتنا المعاصرة نحن لا وزن لنا عند الله.
 فقال صلى الله عليه وسلم: ولكنني أفقد جُليبيباً، قوموا فالتمسوا خبره، فقاموا وبحثوا عنه في ساحة القتال، وطلبوه مع القتلى، ثم مشوا فوجدوه في مكان قريب، وقد استشهد، وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام جسده المقطع، ثم قال: أنت مني وأنا منك، ثم تربع النبي صلى الله عليه وسلم جالساً بجانب هذا الجسد، ثم حمل هذا الجسد ووضعه على ساعديه، وأمرهم أن يحفروا له قبراً، قال أنس: فمكثنا والله نحفر القبر وجُليبيب ليس له فراش غير ساعدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أنس: فعدنا إلى المدينة وما كادت تنتهي عدة زوجة جليبيب حتى تسابق إليها كبار الصحابة.

 

تقييم الإنسان من تقواه :

 أيها الأخوة الكرام؛ الصحابة الكرام قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم:

(( إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار لي أصحابا ))

[الحاكم عن عويم بن ساعدة ]

 هؤلاء قمم البشر، ونحن كلما اقتربنا من قيم النبي صلى الله عليه وسلم في تقييم بعضنا بعضاً ننجح في حياتنا، النقطة الدقيقة يجب أن يقيّم الإنسان من تقواه، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

 عندما نحكّم قيم الإسلام في تقييم بعضنا بعضاً نكون في أعلى عليين، أما إذا حكمنا قيم الغرب فقيمة الإنسان بماله، قيمته بمنصبه، بقوته.

 

خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد و لا تحصى :

 يوجد توجيه آخر:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 عليك أن تكون قوياً، لأن القوي خياراته في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى.
 عندنا ثلاثة أنواع للقوى؛ قوة المنصب، كنت أنا أقول: أنت بجرة قلم تحق حقاً وتبطل باطلاً، تؤكد معروفاً وتزيل منكراً، تقرب مخلصاً ناصحاً وتبعد فاجراً منافقاً، إذا أنت وصلت إلى منصب رفيع بإمكانك أن تخدم الناس ألف ضعف، بتوقيع تحل مشكلة.
 وقوة المال؛ ما جعل الله الغني غنياً إلا ليصل بغناه إلى أعلى درجات الجنة، و ما جعل الله العالم عالماً إلا ليصل بعلمه إلى أعلى درجات الجنة، أي كلمة قوة تعني قوة في العلم، وقوة في المال، وقوة في المنصب:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 الملخص إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، أما إذا كان طريق القوة منصباً على حساب مبادئك وقيمك، فالضعف وسام شرف لك، إذا المنصب يحتاج إلى أن تبيع دينك، أن تبيع قيمك، فلا، كن أضعف إنسان في الأرض، وهذا الضعف وسام شرف، لكن إذا استطعت أن تكون بمنصب تحل مشاكل الناس بجرة قلم، تحق حقاً وتبطل باطلاً، تقر معروفاً وتزيل منكراً، تقرب مخلصاً ناصحاً وتبعد فاجراً منافقاً، فأنا أتمنى أن نقف بموضوع القوة هذا الموقف.
 لا تقل: أنا لا دخل لي، أنا لا أريد، لا تريد؟! تسلم منصباً رفيعاً اخدم الأمة فيه، بكلمة تحل مشكلة، بتوقيع تحل مشكلة، إذا الإنسان زهد بالمنصب يكون على خطأ كبير، إذا كان المنصب لا يتعارض مع قيمك ومبادئك، أما إذا تعارض مع مبادئك فالضعف وسام شرف لك، هذا الكلام انطلاقاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

قوة المؤمن دعم للمؤمنين :

 إلا أن النبي جبار خواطر، قال:

((... وفي كلّ خير ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 والضعيف على العين والرأس، نضعه فوق رؤوسنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 فكل إنسان إذا أتقن عمله ارتقى، قد يصل إلى مرتبة أعلى، كلما كبر المؤمن يدعم المؤمنين، أحياناً يكون المسلم بأقل منصب، مثلاً هذا المسلم ضارب آلة كاتبة، والمناصب الرفيعة بيد غير المسلمين، هذا مؤلم جداً، المسلم أقل منصب، كاتب، مستخدم، وأصحاب المناصب الرفيعة غير مسلمين، بيدهم مقاليد الأمة، فأنت إن لم تكن قوياً ينبغي أن تدعم المؤمن القوي، والكلام دقيق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 قوة منصب، أو قوة علم، أو قوة مال:

(( ...خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018