الدرس : 182 - أنواع الجهاد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 182 - أنواع الجهاد.


2015-07-04

أنواع الجهاد :

1 ـ جهاد النفس و الهوى :

 أيها الأخوة الكرام؛ كلمة الجهاد لها معان كثيرة، لكن عامة الناس إن ذكرت لا يفهمون منها إلا الجهاد القتالي، مع أن هناك أنواعاً كثيرة من الجهاد، يقع الجهاد القتالي على رأسها، لكن أحد أنواع الجهاد جهاد النفس والهوى، ورد في الأثر أن بعض الصحابة بعد عودتهم من الجهاد قالوا: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ جهاد النفس والهوى".
 جهاد النفس والهوى يشبه في حياتنا المدنيّة التعليم الأساسي، أي بذل أقصى الجهد في ذات الله، قال تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

[سورة التغابن: 16]

 بالمعنى الاستيعابي أي ابذلوا كل ما تستطيعون، هذا المعنى الأول للجهاد، الجهاد النفسي، فالمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة، الذي لا يستطيع أن يضبط نفسه لا يملك إرادة إطلاقاً ليستقيم، هذا مهزوم أمام نفسه، هذا الإنسان لا يستطيع أن يوجه نملة، قال: إذا كان عدوك نملة فلا تنم له، فالإنسان إذا هزم أمام نفسه انتهى، علامة أن تنتصر عليها أن تملك إرادة في طاعة الله، يقول لك: لا أقدر، انتهيت، كيف؟ الطبيب داوى مريضاً، أعطاه دواء قال له: لا أستطيع أن أستخدمه، انتهى دوره، إذا كانت نفسه متعلقة بالطعام والشراب لا يقبل أن يخضع لحمية طويلة، ومعه التهاب معدة حاد، إذا قال للطبيب: أنا لا أقدر أن أخضع لحمية قاسية انتهى دور الطبيب، الطبيب عنده هذا الدواء، فلذلك المعنى الخطير والأساسي والذي يحتاجه كل واحد منا في الجهاد جهاد النفس والهوى، إذا كنت لا تستطيع أن تقيم الإسلام في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، أنت منته عند الله عز وجل، لأن الله قال لك كلمة:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

 خالق الإنسان هو وحده الذي يقول لك بالوسع، مستحيل أن يكلفك الله شيئاً فوق طاقتك، لكن إذا الإنسان توهم أن هذا الشيء لا يستطيعه، هو بالحقيقة هذا الشيء لا يريد أن يفعله، أي وهم منا جميعاً أن هذا الشرع صعب، لا أقدر أن أفعله، الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيعه، هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله، فدعك من القتال والحروب، مع نفسك، رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ جهاد النفس والهوى، لا تقدر أن تغض بصرك ليس لك عمل عند الطبيب، انتهى، لا تقدر أن تخضع لحمية انتهى دور الطبيب عندما تقول: لا أقدر، اعتقد يقيناً أنك تقدر ولكن تعلقك بهذا الشيء آثرته على طاعة الله، هذا أول جهاد جهاد النفس والهوى كالتعليم الأساسي، فكل إنسان يجب أن يقيم الإسلام في نفسه أولاً، وفي بيته ثانياً، وفي عمله ثالثاً، لا تحاسب إلا على هذه الدوائر الثلاث، دائرة ذاتك، ودائرة بيتك، ودائرة عملك، وانتهى، هنا المسؤولية، يوجد فساد لا تحاسب عليه، هناك خروج عن منهج الله، تحاسب عن ذاتك، وعن بيتك، وعن عملك، فهذا الجهاد الأول جهاد النفس والهوى، أن تملك إرادة قوية تحمل نفسك على طاعة الله، وحينما تتوهم أن هذا الشيء لا تستطيعه اعتقد يقيناً هو أن هذا الشيء لا تريد أن تفعله.
 إذا الظروف صعبة، هذه البنت ليس لها حظ مسكينة، ما معنى ليس لها حظ؟ يسبني ابن آدم إذ يسب الدهر، وأنا الدهر، يقول لك: القدر سخر مني، الدهر قلب لي ظهر المجن، كله كلام فارغ، ما كلفك الله بشيء إلا أعطاك القدرة على تنفيذه، الدليل قال تعالى:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 فأول جهاد، أكبر جهاد، أعظم جهاد، الجهاد الأساسي جهاد النفس والهوى، أن تملك إرادة قوية لحمل نفسك على طاعة الله، لكن لو ضعفت أمام تنفيذ أمر فيه توبة، ممكن أن تتوب مرة واثنتين وثلاث ومليون مرة، فلذلك الجهاد الأساسي جهاد النفس والهوى، أن تملك إرادة في حمل النفس على طاعة الله، والدوائر الثلاث دائرة نفسك، دائرة بيتك، دائرة عملك، تحاسب عليهم،
 الحقيقة الدقيقة أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك، أنت في البيت سيد من يمنعك أن تصلي؟ من يمنعك أن تربي ابنتك على الحشمة؟ لا أحد، فأي شيء تتوهم أنك لا تستطيعه اعتقد يقيناً أن هذا الشيء لا تريد أن تفعله، لأن الوسع من يقدره؟ الخالق، ماذا قال؟

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 غض البصر ضمن الوسع ، ضبط الدخل ضمن الوسع، هذه واحدة.

2 ـ الجهاد البنائي :

 يوجد جهاد من نوع آخر، الجهاد البنائي، أنت مواطن ببلد الشعب مسلم، أنت عندما تساهم بصون هذه الأمة، بحفظ ممتلكاتها، عندما تعلم أبناءها، تربي أبناءها، معك اختصاص نادر تبذل هذا الاختصاص لخدمة أمتك، هذا الجهاد البنائي، والجهاد البنائي مثلاً استخراج الثروات، ترشيد الاستهلاك، هذا الجهاز البنائي له مليون بند، مثلاً موظف في دائرة، ورقة مطبوعة مكتوب بها جففت يدك بها، ماذا فعلت؟ استهلكت ورقة من أغلى أنواع الورق مطبوعة مكلفة استخدمتها كمنديل، هذا الجهاد البنائي يجب أن تبذل أقصى الجهد لبلدك، مثلاً يدرس ابتدائي إعدادي توجيهي، يبعث إلى أمريكا ليدرس الطب، يحمل دكتوراه مع البورد يجد أن الحياة أفضل هناك، يستقر، لحم أكتافه من خير وطنه، يخدم أعداء الدين ومعه اختصاص نادر، هل تصدقون أنه يوجد خمسة آلاف طبيب من بلد مجاور لكم يحملون البورد استقروا في أمريكا نهائياً، ليس في أمريكا خمسة آلاف طبيب بديترويت فقط، بإحدى ولايات أمريكا يوجد خمسة آلاف طبيب، يحملون البورد، وأنت أحياناً تضطر أن تعمل عملية في أمريكا تدفع مليونين، لو هذا رجع إلى بلده تصبح أمريكا عندك، راقت له الحياة هناك فنسي بلده، نسي أمته، نسي وطنه، هذا الجهاد الأول جهاد النفس والهوى، الجهاد الثاني الجهاد البنائي.
 أنت عندما درست في بلدك، ولحم أكتافك من خير بلدك، والدولة أرسلتك إلى بلد أجنبي لتأخذ الدكتوراه، يجب أن ترجع لبلدك ترد لها الجميل، تقدم الجميل لأمتك، يوجد عمليات تكلف ملايين، مغادرة، و مرافق، وحجوزات طائرة، إذا كان في بلدك طبيبب معه بورد بالجهاز الهضمي، معنى ذلك أن أمريكا عندك.
 إذاً الجهاد الثاني الجهاد البنائي، تساهم في بناء الأمة، يجب أن تحمل همّ الأمة، الأمة تعاني ما تعاني، أنت قد لا تستطيع بمساهمتك أن تلغي مشاكل الأمة لكن تخفف منها، يوجد عدد كبير من الأطباء يحملون البورد عادوا إلى بلدهم، والله مجموعة أطباء في سوريا حوالي عشرين طبيباً معهم بورد كلهم، طبعاً بإشرافي صنعوا مجلة، كل واحد باختصاصه يكتب أدق الأبحاث التي مرت معه، والمجلة بين أيدي كل الأطباء، هذا أتيح له أن يحمل بورداً من أمريكا، لكن هذا العلم عممه على زملائه الأطباء كلهم، فأنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والدليل قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 الجهاد الأول جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد الأساسي كالتعليم الأساسي، والجهاد الثاني الجهاد البنائي أن تخفف من متاعب الأمة، أن تحمل همّ الأمة، أن يعنيك ما يعني الأمة، أما الانسلاخ من الأمة الآن ماذا يقع؟ انتماء شخصي، كل إنسان ينتمي إلى مصالحه، وقد يسيء إساءة بالغة بالصالح العام من أجل مصلحته الخاصة، هذا انتماؤه ضعيف للأمة الإسلامية، الجهاد الأول جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد الأساسي كالتعليم الأساسي هذا أهم جهاد، والمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة.

3 ـ الجهاد الدعوي :

 الجهاد الثالث الجهاد الدعوي، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 52]

 وصف الجهاد الدعوي بأنه كبير، أن تنقل إنساناً من الضلال إلى الهدى، من الضياع إلى الرشد، من السعير إلى الجنة نقلة نوعية مهمة جداً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت : 33 ]

 تحت بند الجهاد الدعوي، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما فتح مكة ركز لواء النصر أمام قبرها ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر هي شريكته في النصر، الدين وفاء، فبين الجهاد النفسي الأساسي الأصلي الأول أن تملك إرادة تحمل بها نفسك على طاعة الله، والمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يقاوم نملة، الثاني البنائي تختص اختصاصاً يفيد الأمة، أدب هوميروس، هؤلاء اليونانيون عندما كانوا يحكمون العالم كان هناك شاعر كبير اسمه هوميروس، فإذا الشخص أخذ دكتوراه بهذا الأدب ما علاقته بالأمة؟ تختار اختصاصاً يفيد الأمة، الثالث الجهاد الدعوي، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 52]

 هذا الجهاد فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف، كلامي دقيق، سمعت تفسير آية تأثرت بها انقلها لزوجتك، لأخيك، للشريك في العمل، لأصدقائك، بسهرة كل شيء سمعته انقله لغيرك:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 هذا الجهاد الدعوي فرض عين على كل مسلم، قال تعالى:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

﴿ وَالعَصرِ* إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ* إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ ﴾

[سورة العصر: ١-٣]

 هذا التواصي بالحق.

4 ـ الجهاد القتالي :

 الآن إذا أنت بذلت أقصى جهدك في ضبط نفسك، وضبط شهواتك، وبذلت أقصى جهدك في خدمة الأمة، هذه الثانية، وكل شيء تعلمته نقلته لمن حولك، هذه الثالثة، الآن يأتي دور الجهاد القتالي، مرتبته الرابعة بين الجهاد النفسي والجهاد البنائي والجهاد الدعوي والجهاد القتالي، هذه أنواع الجهاد:

((من لم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق))

[مسلم]

 إذا الإنسان لم يجاهد، وما فكر أن يجاهد، وما أدخل الجهاد في برنامجه اليومي، ما ضبط نفسه، هذا خرج عن منهج الله عز وجل، نسأل الله بأن يوفقنا جميعاً بأن نكون ملتزمين بهذه الأنواع الثلاثة الأولى، والقتالي يحتاج إلى ولي الأمر، له تفصيلات طويلة.
 على كلّ ثلاثة أنواع من الجهاد متاحة لنا كلنا، ألا تستطيع أن تغض بصرك؟ تقدر، ألا تستطيع أن تضبط لسانك؟ تقدر، هذه برمضان، اللهم أعنا على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان، أنا أتـمنى على كل واحد أن يجاهد نفسه جهاداً كبيراً بجهاد النفس أولاً، والجهاد البنائي ثانياً، أي يختار حرفة تنفع الأمة، هناك حرف لا تنفع الأمة، يقول لك: أكثر من مئات المسابقات تربح، ماذا قدمت للأمة إذا ربحت؟ هناك كثير من الكسب غير المشروع، أنت يجب أن يكون كسبك حلالاً، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 52]

أنواع القراءات :

 مرة أخيرة؛ جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد الأساسي كالتعليم الأساسي، أن تبحث عن الحقيقة قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ ﴾

[ سورة العلق: 1]

 وأن تتحرك وفقها، وأن تنقلها، كيف؟ قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

[ سورة العلق: 1-4 ]

 عندنا قراءة بحث وإيمان، و قراءة شكر وعرفان، و قراءة وحي وإذعان، و قراءة طغيان وعدوان، العلم له ثلاث قراءات، الله أرادها، والرابعة قراءة أهل الدنيا قراءة عدوان وطغيان، يقول لك: قنبلة عنقدوية لخمسمئة متر، تقتل جميع الناس، كلها كريات صغيرة، قنبلة انشطارية، قنبلة حارقة خارقة، أنواع الأسلحة الكيماوية، الجرثومية، كلها تحتاج إلى ذكاء، إلى فكر، هذا استخدم عقله بإضرار البشر، فلذلك الجهاد بالتعبير الدقيقة:

(( ذروة سنام الإسلام الجهاد ))

[الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 والجهاد بذل أقصى الجهد في ذات الله، يبدأ بجهاد النفس والهوى، الأساسي، يأتي فوقه الجهاد البنائي، تكون حرفتك لخدمة الأمة، يوجد حرف كثيرة تخدم الأمة، وإنسان يضع أمواله في البنك، المال لا يلد المال في الإسلام، المال يلده العمل وليس المال نفسه، فإذا ولد المال المال صار ربا، الجهاد الأول جهاد النفس والهوى، الأساسي، ثم الجهاد البنائي، ثم الجهاد الدعوي، ثم الجهاد القتالي له شروط دقيقة جداً، نبحثها في وقت آخر إن شاء الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018