الدرس : 180 - شهر رمضان الفضيل – ما بعد رمضان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 180 - شهر رمضان الفضيل – ما بعد رمضان.


2015-06-30

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

بطولة الإنسان أن يستمر بعمله الصالح بعد رمضان :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان أحياناً في رمضان يضبط معظم أموره، اللهم أعنا على الصيام، والقيام، وغض البصر، وحفظ اللسان، يضبط لسانه عن الغيبة والنميمة، لكن الشيء الرائع جداً أن هذه المكتسبات التي حققها في رمضان، ولعلها قفزة نوعية في العلاقة مع الله، بطولة الصائم أن يتابعها بعد رمضان، ألِف الناس أن في رمضان تهجداً، والفجر في المسجد، وفيه ضبط لسان، وغض بصر، لكن هذه عبادات ثابتة على مدار العام، نحن ديننا ليس دين مناسبات، دين استمرار، المؤمن له خصائصه، له استقامته، له ورعه، له تفكر في خلق السموات والأرض، له قراءة القرآن، فهذه التي تحققت في رمضان كقفزة نوعية في العلاقة مع الله، البطولة أن تستمر بعد رمضان، لذلك لعل تسمية العيد جاءت من العودة إلى الله، قال تعالى:

﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة الحج: 37]

 ما معنى التكبير في العيد؟ أنت حققت هدفاً كبيراً في التعرف على الله، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، سأقول لكم كلمة دقيقة:

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ،...إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ أحمد عن ابن عبَّاس ]

 عمل النار لا يحتاج إلى قوة إرادة، عمل الجنة يحتاج إلى ضبط، ما سمي التكليف تكليفاً إلا لأنه ذو كلفة، يحتاج إلى ضبط، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾

[ سورة النازعات :40]

ثمن الجنة هو التناقض بين الطبع والتكليف :

 يوجد طبع وتكليف، طبع الإنسان يقتضي أن يملأ عينيه من الحرام، والتكليف يقتضي أن يغض البصر، طبع الإنسان يقتضي أن يأخذ المال، والتكليف أن ينفقه، طبع الإنسان يقتضي أن يخوض في فضائح الناس، والتكليف أن يصمت، هذا التناقض بين الطبع والتكليف هو ثمن الجنة، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات :40-41]

 البطولة أنني إذا قفزت في علاقتي مع الله في رمضان قفزة نوعية أن تتابع هذه بعد رمضان، بعد رمضان الصلاة في المسجد:

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ أحمد]

 ما قولك أنت حينما تصلي الفجر في جماعة أنت في ذمة الله حتى تمسي، في حفظ الله، في رعاية الله، أنا الذي أتمناه أني ذكرت هذا الكلام لأني مضطر أن أسافر، عندي ثلاث سفرات متصلة كلها، أردت أن تكون هذه الكلمة متعلقة بالعيد.

 

العيد عودة إلى الله و انضباط و صلة رحم :

 العيد عودة إلى الله، العيد انضباط، العيد صلة رحم، أحياناً يتطور العيد إلى عادات ليست مجدية، يجب أن أزور كل الأقارب في العيد، جيد جداً، ويجب أن أهيئ كرت بطاقة إن لم أجده أضع هذه البطاقة، وعندك رغبة ألا تجده، تضع بطاقة وتمشي، أنا أقترح إذا كان هناك علاقات بين الأقرباء، الأقرباء نوعان؛ نوع يلتقي بهم باستمرار، ونوع يلتقي بهم في الأعياد، إذا كان اللقاء جماعياً، الأقرباء الأباعد الذين قلّما نلتقي بهم أثناء العام بجلسة، بسهرة عامة تجلس معه ساعتين أو ثلاث، تتملى منه ويتملى منك، ثم صلة الرحم شيء دقيق جداً، الحقيقة من أقل معانيها التي ألفناها أن تزوره، ويجب أن تتفقد أحواله، أنا أذكر أن أخاً كريماً يسكن في بيت تحت الأرض، لا تدخله الشمس، مع أولاده روماتيزم وأمراض كثيرة، أحد الأقرباء الذي سمع درس صلة الرحم، كتب أقرباءه بقائمة، وحاول بالعيد أن يزورهم، عندما زار القريب في بيته الموجود تحت الأرض لم يعجبه الوضع، أمن له سكناً في الطابق الثالث، أنا لا أطلب منكم أن تشتروا بيوتاً لأقربائكم لكن أنت عندما تتفقد أخاك بالعيد، تسأل عن وضع أولاده، هل يدرسون؟ قد يحتاج إلى قسط، إلى معالجة بكلفة عالية قليلاً، فالذي أعطاه الله مالاً اسمعوا مني كلمتين:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 لماذا؟ لأن القوي خياراته بالعمل الصالح كثيرة جداً، القوي بمنصب بجرة قلم يحق حقاً، بجرة قلم أخرى يبطل باطلاً، يؤكد معروفاً، ويزيل منكراً، القوي بماله يزوج شاباً، أعرف رجلاً من كبار المحسنين في بلدنا، لا يوجد شاب من الأسرة والعائلة إلا زوجه وهيأ له بيتاً، خيارات العمل الصالح أمام المحسن كبيرة جداً، الله عز وجل أرادنا من هذا الشهر أن يكون قفزةً نوعية نحوه، هذه القفزة يتبعها قفزة في العام القادم، أما رمضان ولى هاتها يا ساقي، إذا عدنا بعد رمضان إلى ما كنا عليه قبل رمضان لم يعد هناك صعود، بقي شهر، له ترتيب معين، جاء رمضان، فيه صلاة تراويح، فيه صلاة فجر في المسجد.
 الشيء المؤلم جداً جداً أحد أعداء المسلمين الكبير شارون سئل عن انتصار المسلمين في آخر الزمان، قال: حينما يكون رواد درس الفجر بعدد رواد خطبة الجمعة ينتصرون علينا، هذا الدين منهج، أنا أتمنى ألا يكون المسلم كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم كالناقة حبسها أهله، ثم أطلقوها فلا تدري لا لم عقلت؟ ولا لم أطلقت؟
 نحن في رمضان الحمد لله يوجد انضباط، انضباط في اللسان، لا يوجد غيبة، ولا نميمة، انضباط العين لا ينظر للمحرمات، لعورات النساء، كله مضبوط عنده، هذا الضبط الرائع ينبغي أن يستمر بعد رمضان، حتى يكون كل عام فيه قفزة، يسمونها: قفزة تراكمية، أما حينما نألف في رمضان عبادات معينة وسلوكاً معيناً ونعود بعد رمضان إلى ما كنا عليه لن نستفيد أبداً، كالناقة حبسها أهله، ثم أطلقوها فلا تدري لا لم عقلت؟ ولا لم أطلقت؟

 

حرص الإنسان على سلامته و سعادته و استمرار وجوده :

 أنا أعتقد أنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض إلا وهو حريص على سلامته، وحريص على سعادته، وعلى استمراره، سلامته بالاستقامة، الاستقامة تحقق السلامة، وسعادته بالعمل الصالح، الاستقامة ما، ما أكلت مالاً حراماً، ما كذبت، ما غششت، كلها فيها ماءات، ترك، الاستقامة طابعها سلبي، أما العمل الصالح فإيجابي، دفعت من مالك، من وقتك، من علمك، من خبرتك.
 أذكر أخوة كرام أطباء في سوريا حوالي عشرين طبيباً، معهم بورد من أمريكا، صنعوا مجلة، كل واحد باختصاصه يعمل مقالة عن أفضل شيء قرأه في أمريكا، أفضل علاج، هذه المجلة أصبحت متداولة بين كل الأصدقاء، فإذا الإنسان لم يتمكن أن يسافر إلى أمريكا ليحضر شهادة البورد، سوف يأخذ أحدث ما في الاختصاص من إنجازات.

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 أريد أن أقول كلمة دقيقة: أنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والإنسان بالحياة الدنيا قد لا ينتبه إلى هذه الحقيقة، أنت اسأل نفسك: إذا وقفت بين يدي الله ماذا أقول له؟ ماذا فعلت يا عبدي من أجلي؟ يمكن تسعة أعشار أعمالنا لمصلحتنا الخاصة، يسمونه: شأن خاص، هناك إنسان يخرج من شأنه الخاص إلى شأنه العام، يساهم بخدمة الأمة، بتوعية الأمة، بإكرام الأمة:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 لأن القوي خياراته بالعمل الصالح كثيرة جداً، الآن ما جعل الله الغني غنياً إلا ليصل بماله إلى أعلى درجات الجنة، وما جعل الله العالم عالماً إلا ليصل بعلمه إلى أعلى درجات الجنة، وما جعل الله القوي قوياً إلا ليصل بعلمه إلى أعلى درجات الجنة، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات العمل الصالح للقوي لا تعد ولا تحصى، أنا ركبت في طائرة من المغرب إلى دمشق، دخلنا إلى سوريا بنظرة واحدة رأيت من طرطوس إلى صيدا، مسافة أربعمئة كيلو متر شاهدتها بنظرة واحدة، على ارتفاع اثني عشر ألف قدم قد ترى أربعمئة ألف متر، ورأيت حمص ودمشق بنظرة واحدة، فالإنسان كلما ارتفع مكانه اتسعت رؤيته، واتسعت مع رؤيته عاطفته، يوجد أشخاص كثيرون المواطن في بلادهم يتمتع بميزات تفوق حدّ الخيال، لكن الأمريكيين قصفوا أفغانستان فقتلوا خمسة آلاف شخص بيوم واحد، التناقض بين السلوك الخاص والعام كبير جداً، بينما المؤمن إنساني، والمؤمن أممي، لا يستطيع أن يخطئ مع إنسان كائناً من كان، الأخ له حق عند أخيه، قال العلماء: المطلق على إطلاقه، حقوق الإنسانية، الآية دقيقة جداً:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة : 8]

 إن كنتم عادلين قربتم هذا البعيد عن الله إلى الله، وقربتم هذا البعيد إليكم، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾

[ سورة المائدة : 8]

 لا يحملنكم شنآن أي بغض، إذاً نستنبط من ذلك أن الإنسان علة وجوده في الدنيا العمل الصالح، والعمل الصالح يحتاج إلى قوة.
 كنت أقول: إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك، فكلما قوي الإنسان صار عنده إمكان للعمل الصالح، و الإنسان عندما يكتفي بشأنه الخاص، بيته، سيارته، نزهاته، هذا الوضع ينتهي بالموت، ينتهي إلى لا شيء، هذه مشكلة كبيرة، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 صدقوا ولا أبالغ الذي له عمل صالح يشعر بحالة أمن تفوق حدّ الخيال، جاء الله به إلى الدنيا للعمل الصالح، وهو قائم على هذا العمل، ونحن في صلاة الفجر: هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك.
 قلت البارحة بلقاء لي: إنسان في جامعة أحياناً يكون فيها مكتبة، فيها منتدى، فيها مطعم، فيها رياضة، فيها ملعب كرة سلة، كرة طاولة، هذه النشاطات الجانبية في الجامعة، لماذا أنت في هذا المكان؟ لا من أجل أن تلعب كرة الطاولة، ولا من أجل أن تأكل في المطعم، هذه أشياء ملحقة، علة وجودك في الجامعة الدراسة، أنت حينما تدرس حققت الهدف من مكانتك، ونحن أيها الأخوة الكرام؛ علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح، فإذا كان لك عمل صالح كبير فأنت من الفائزين، فلذلك

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي ﴾

 انظر إلى الآية إنسان درس في أمريكا إدارة أعمال، سمع تفسير الآية، أقسم بالله أن هذه الآية اختصار كل اختصاصه، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الملك: 22 ]

 هدفه واضح، والطريق للهدف واضح.

من عرف سرّ وجوده و غاية وجوده صحت حركته في الدنيا و الآخرة :

 أنا كنت أقول دائماً: إنسان كان بباريس، قال: أنا لماذا جئت إلى هنا؟ إلى أين أذهب؟ نقول: عجباً لهذا السؤال؟! لماذا جئت إلى هنا؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى السوربون، إن جئت سائحاً إلى برج إيفل، إن جئت تاجراً إلى الأسواق، فالإنسان كائن متحرك، لا تصح حركتك إلا إذا عرفت سرّ وجودك، فلما أحدنا عرف سرّ وجوده قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 الآن يختار زوجة صالحة، يختار اختصاصاً ينفع به الأمة، يختار أشياء تنسجم مع دينه، هناك مصالح مرفوضة، مصلحة مبنية على الربا، على قرض ربوي، هذه لا تصح أبداً، كلما عرفت الله بوقت أسرع تشكل حياتك القادمة تشكيلاً إسلامياً، وكلما تأخرت، مرة أخ كان عندي قال لي: عندي خمس بنات كلهم يمشون بلباس فاضح، هكذا كنت سابقاً لا استطيع أن أغير، أنت عندما تبكر في معرفة الله سوف تشكل حياتك تشكيلاً إسلامياً صحيحاً، سوف تختار زوجة صالحة، تختار حرفة معقولة، تختار بيتاً يناسب دينك، قريب من جامع مثلاً، القضية خطيرة.
 على كلّ إذا وفقنا الله عز وجل جميعاً بهذا الشهر الفضيل نتمنى أن نحقق قفزة نوعية بالعلاقة مع الله عز وجل، بطولتنا الأكبر أن نتابع هذه القفزة بعد رمضان، بقية الأشياء التي تركناها في رمضان خوفاً من الله ينبغي أن تستمر لكيلا نكون كالناقة حبسها أهله، ثم أطلقوها فلا تدري لا لم عقلت؟ ولا لم أطلقت؟
 بارك الله بكم.
 تذكير مرة ثانية إن شاء الله نتابع العودة إلى الله، حفظ الله دينكم، وحفظ أهلكم، وأولادكم، ومن يلوذ بكم، واستقرار بلادكم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018