الدرس : 172 - شهر رمضان شهر القرآن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 172 - شهر رمضان شهر القرآن.


2015-06-21

ضرورة قراءة القرآن قراءة تدبر :

 رمضان شهر القرآن، والإنسان إذا قرأ القرآن قد يقرؤه قراءة تعبد، ينجز ختمة أو عدة ختم في الشهر، ويجب أن يقرأه أيضاً قراءة تدبر، أي لا يوجد آية بالقرآن إلا ينبغي أن يكون لك منها موقف، فآية الأمر تقتضي أن تأتمر، وآية النهي تقتضي أن تنتهي، وقصة الأنبياء تقتضي أن تتعظ، لا يوجد آية في القرآن إلا يجب أن يكون لك منها موقف، هذا الموقف هو التدبر، حينما قال الله عز وجل:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة : 121 ]

 ماذا تعني الآية الكريمة؟

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة : 121 ]

 أي أن تقرأه باللغة العربية الفصحى، لا يوجد أخطاء بالقراءة، لا يوجد أخطاء نحوية، لذلك الملاحظة تذكرنا بقول سيدنا عمر:" تعلموا العربية فإنها من الدين".
 لغة القرآن لغة الوحيين، لذلك:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

  أن يقرأ القرآن تلاوة صحيحة من حيث قواعد النحو والصرف، الأرقى من ذلك أن تقرأ القرآن قراءة مجودة، ليست فرضاً لكن الأكمل، قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة العربية، وقراءة مجودة، الدرجة الثالثة أن تفهم الآيات، أن تفهم التفسير، يجب أن تفهم الآيات، بكتاب تفسير معين، مختصر، طويل، قصير، كتب التفسير لا تعد ولا تحصى، أي لا يمنع أن يكون في البيت كتاب تفسير.
 الآن القراءة صحيحة، وهناك جودة مع الفهم، بقي التدبر، التدبر أين أنت من هذه الآية؟ إذا قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا، هل تشعر بكل خلية في جسمك وبكل قطرة في دمك أنك معني بهذه الآية؟ أبوك عندما يقول لك: فلان في البيت، ليس معقولاً ألا ترد عليه، قال لك: يا أيها الذين آمنوا، أي يا من آمنتم بي، يا من آمنتم بي خالقاً، يا من آمنتم بي رباً، يا من آمنتم بي مسيراً، يا من آمنتم بأسمائي الحسنى، وصفاتي العلا، مجموع المفردات المتعلقة بالإيمان افعل ولا تفعل، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾

[سورة التحريم : 6]

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾

[ سورة الحجرات : 12]

 هناك أمر و نهي، السؤال المحرج أين أنت من هذا الأمر؟ وأين أنت من هذا النهي؟ إنسان يقول لك: لا أعرف، هذا الكلام مرفوض كلياً لقول الله عز وجل:

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 14-15]

 أين أنت من هذه الآية؟ آية تحرم الاختلاط، وفي بيتك اختلاط، هذه مشكلة كبيرة، هذه الآية تحرم أن يلد المال المال، أي تشغله بالبنك من دون تجارة أو صناعة، المال في البنك يلد المال المال، هذه مشكلة ثانية، عندك أوامر ونواه، بطولتك في رمضان وبعد رمضان كلما قرأت القرآن هذا السؤال الدقيق: أين أنت من هذه الآية؟

 

بطولة الإنسان أن يكشف الحقيقة قبل فوات الأوان :

 الآن آية اليوم، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة فاطر: 5 ]

 ما هو الغرور؟ الغرور أن ترى الشيء بحجم أكبر من حجمه، الإنسان في البدايات يتوهم أن المال كل شيء، في منتصف العمر المال شيء ولكنه ليس كل شيء، على فراش الموت المال ليس بشيء، أين بطولتك؟ أن تعرف الحقيقة في وقت مبكر، أي أزمة الإيمان أزمة وقت فقط، أكفر كفار الأرض:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

 والذي قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

 فرعون عندما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

 آمن ولكن متى آمن؟ بعد فوات الأوان، خيارك مع الإيمان خيار وقت وليس خيار رفض، أين بطولتك؟ أن تكشف الحقيقة في وقت مبكر، لأن هذا الكلام للشباب، إذا أنت كشفت الحقيقة بوقت مبكر سوف تختار زوجة مؤمنة صالحة، سوف تختار حرفة ترضي الله، هناك حرف لا ترضي الله، مبنية على معصية الله، ومبنية على ابتزاز أموال الناس بغير الحق، فأنت عندما تختار زوجتك امرأة صالحة، وحرفتك شريفة مقبولة، أنت نجحت بأقرب شيء لك، أي ألصق شيء بحياتك زوجتك وحرفتك، إن وفقت في اختيارهما عشت في بحبوحة، وفي سلام، لذلك قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة فاطر: 5 ]

 الآن يوجد خياران صعبان، مبلغ ودخل كبير جداً، لكن العمل فيه شبهة، فيه معصية، ودخل أقل بكثير لكنه عمل صحيح مئة في المئة، فأنت عندما تكتشف الحقيقة قبل فوات الأوان، تؤثر عملاً دخله أقل من عمل دخل أكبر، دخل أكبر فيه ربا، أو فيه معصية لله، فأنت عندما تتلقى العلم ينعكس العلم على خياراتك، سوف تختار حرفة راقية، وزوجة صالحة، وسلوكاً منضبطاً، وعلاقات اجتماعية منضبطة، حتى إذا سافرت سفرك منضبط وفق الشرع.

 

زوال الكون أهون على الله من أن يعامل المتفلت كالمستقيم :

 إذاً موضوع الدين ليس موضوعاً ثانوياً، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية:21]

 أقسم لكم بالله لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآية لكفت، قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[سورة الجاثية:21]

 شاب يمشي بشكل صحيح، يغض بصره، لا يكذب، بار بوالديه، متقن بعمله، متقن في دراسته، بحث عن زوجة صالحة، هذا الشاب بهذه المواصفات، زوال الكون أهون على الله من أن يعامل كما يعامل شاب متفلت، كلامي دقيق: زوال الكون أهون على الله، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[سورة الجاثية:21]

 نحن نظن بالآخرة لا بالدنيا، قال تعالى:

﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾

[سورة الجاثية:21]

 حياة المؤمن في بيته بزوجته، بأولاده، بعمله، بحرفته، بمجتمعه، بأوقات فراغه، كحياة الكافر؟ لا يوجد معصية عنده، حتى في أيام العطل، نحن أعيادنا أعياد طاعات لله، لا يوجد عندنا أعياد تفلت، المؤمن كلمة دقيقة، أنت أحياناً تقول: أنا عندي ذهب عيار أربعة وعشرين، جيد، وهذا أعلى عيار، وهناك عيار واحد وعشرين، وهناك ثمانية عشر، وستة عشر، وأحد عشر، كله ذهب لكن الفرق بنسبة الذهب مع النحاس، لكن هناك ذهب وهناك تنك، المسافة كبيرة جداً، هذا معدن خسيس ليس له قيمة، وهذا معدن نفيس، أنا باجتهادي أن بين المؤمن وبين غير المؤمن فرق لا بالدرجة بل بالطبيعة، ذهب وتنك، أما بين المؤمنين فأربعة وعشرون، واحد وعشرون، ثمانية عشر، أحد عشر، فالفرق بين المؤمن وغير المؤمن قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

 كنت مرة بجلسة تضم أناساً من كل الأطياف، منهم من لا يؤمن بالآخرة، ليس قانعاً بالدين إطلاقاً، أنا أقول: إن المؤمن سعيد، قال لي: لا، ليس سعيداً، قلت له: لماذا؟ قال لي: إذا كان هناك موجة حر شديدة يتحملها مثل غيره، وإذا كان هناك موجة غلاء، أيضاً يتحملها مثل غيره، ليس للمؤمن أية ميزة، قلت له: ما قولك بإنسان عنده ثمانية أولاده- والرقم منذ عشرين سنة- ودخله خمسة آلاف، لا يكفيه ثمن خبز، وبيته بالأجرة، وعليه دعوى إخلاء، وعنده ثمانية أولاد، هل هناك أفقر من هذا؟ قال: أبداً، وضعه صعب جداً جداً، هذا الشخص الفقير المعدم له عم يتكلم بخمسين مليوناً، وليس عنده أولاد، ومات بحادث، حسب قواعد الميراث هذه النقود أصبحت ملك ابن أخيه بثانية، هذا المعدم الذي بيته بالأجرة، عليه دعوى إخلاء، عنده ثمانية أولاد، صار يملك خمسين مليوناً، لكن حتى يقبض يحتاج إلى سنة في المعاملات، والروتين المعقد، وبراءة الذمم، وقواعد الإرث وقرار القاضي طويلة تحتاج إلى سنة، لماذا في هذا العام هو أسعد إنسان؟ ما أكل لقمة زيادة، ما اشترى معطفاً، لا يملك لكن صار مالكاً فعلاً لخمسين مليوناً، إذا شاهد سيارة بي إم، يقول: سوف أشتري مثلها، وإذا شاهد فيلا جميلة، دخل بالوعد، دقق صار يملك خمسين مليوناً لكن ليس بيده، ولكن له قطعاً خلال سنة عندما تنتهي معاملات حصر الإرث، معاملات التملك، هو بهذه السنة أسعد إنسان، اسمع القرآن الكريم:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص :61 ]

المؤمن إنسان استجاب لله و طبق أمره فاستحق وعود الله :

 إذاً من هو المؤمن؟ المؤمن إنسان استجاب لله، طبق أمره، فاستحق وعود الله عز وجل، المؤمن بهذه الوعود أسعد إنسان، لأنه هو له عند الله شيء ثمين جداً، الآن في الدنيا مثله مثل غيره، يسكن في بيت مئة متر، له معاش معين، يأكل صباحاً وظهراً ومساء، عنده بيت مؤلف من غرفة نوم، وجلوس، واستقبال، عنده سيارة لابأس بها، المؤمن مثله مثل غيره، ليس له أية ميزة في الدنيا بل غيره أفضل منه بكثير، لكن هذا المؤمن موعود بالجنة، من وعده؟ خالق السموات والأرض، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص :61 ]

 لذلك إذا الإنسان أكل طعاماً نفيساً جداً ثم افتقر، يا ترى طعم هذا الطعام النفيس الذي أكله يلغي له جوعه في المستقبل؟ هناك عمل ليس له أثر مستقبلي، وعمل له أثر مستقبلي، الإنسان عندما يمارس الشهوات، الشهوة ليس لها أثر مستقبلي، يكون قد فعل كل شيء، يفتقر فجأة لا يملك شيئاً، يحاصر من جهات كثيرة، أما المؤمن فعمله له أثر مستقبلي، فهو سعيد به، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية:21]

 المؤمن له معاملة خاصة، وأنا أخاطب الشباب: عندما اصطلحت مع الله، وتبت إليه، وأخلصت له، وطبقت أمره، لك معاملة خاصة، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

 قال تعالى:

﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾

[ سورة الزمر: 61]

 الله ينجيك من مصيبة عامة، لك معاملة خاصة.

 

الحياة الطيبة جزاء الإيمان بالله :

 فيا أيها الأخوة الكرام؛ لا تستهين بوعود الله، وعد المؤمن بحياة طيبة، وعد المؤمن بالتوفيق، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود : 88 ]

 وعد المؤمن بأن يعلي قدره، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

[ سورة البقرة: 5]

 الهدى رفعهم، معنى كلمة على، رفع مكانتك، رفع سمعتك، رفع حياتك الخاصة، في بيتك سعيد، عملك تمشي به بشكل صحيح، لا أحد يتكلم معك كلمة، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

[ سورة البقرة: 5]

 قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة الزمر: 22]

 على غير في، قد يكون في كآبة، أو في سجن، أو في أمراض نفسية، أو في إحباطات، والله يا أخوان أنا درست علم نفس، كان عندنا مادة اسمها: الصحة النفسية، فيها ثلاثمئة مرض، وكل مرض وحده مثل السرطان، والإنسان البعيد عن الله مريض نفسياً، عنده تشاؤم، سوء ظن، لا يصدق أحداً، يشكك دائماً، عنده حالة اسمها: إحباط مستمرة، أوضح حالات الإحباط الذي تجاوز الأربعين هل بقي له من العمر بقدر ما بقى؟ في الأعم الأغلب لا، عنده شعور قلق أنا سوف أموت.
 مرة إنسان اشترى بيتاً في الشام، كلفه كسوة جديدة باهظة الثمن، غير البلاط، والنوافذ، والأبواب، عمل ديكورات، بعدما انتهى و كان قد تعب به سنتين أو ثلاث، صديقي كان عنده، هو صديق صديقي، قال له: بنت الحرام ويقصد زوجته، غداً أموت وتتزوج ثانية، يأتي شخص على بارد الماء يجد هذا البيت، انظر كيف يعيش؟ الإنسان إذا كان بعيداً عن الله كان متشائماً دائماً، أنت كمؤمن الله وعدك بحياة سعيدة، إله خالق السموات والأرض وعدك بحياة طيبة، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 هذا الوعد الإلهي فوق الظروف كلها، فوق الأزمات كلها، فوق كل معطيات الحياة، إله وعدك بحياة طيبة، وهذا الوعد بالحياة الطيبة شهادة الله للمؤمن، لأن الحياة الطيبة هي جزاء إيمانك، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 إله، هذه الآيات وراء بعضها، معيشة ضنكاً، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[ سورة طه: 124-126 ]

الحياة الطيبة أكبر عطاء إلهي في الدنيا :

 أنت عندما تتعامل مع الله عز وجل، تصطلح معه، تطبق منهجه، والله ينتظرك من الخير ما لا يحصى:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 لن تحصوا الخيرات، يا ترى إذا استقمت، لي مكانة عند الله، ومكانة عند المؤمنين، ومكانة عند نفسي، هل أنا محمود؟ محمود عند الله، وعند الخلق، وعند نفسك، لا يوجد عندك نقطة ضعف، لا يوجد مال حرام، لا أحد يدعي عليك، تمشي بشكل صحيح تماماً، لا أحد يدعو عليك، الإنسان عندما يستقيم يشعر براحة نفسية، لا يوجد إنسان معذب بسببه، لا يوجد إنسان فقير بسببه، لا يوجد إنسان يعاني ما يعاني بسببه، خير، معطاء، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 هذه الحياة الطيبة أكبر عطاء إلهي في الدنيا، يقابلها قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 إنسان سأل عارفاً بالله كبيراً: ما بال الأقوياء والأغنياء؟ لا يوجد عندهم حالة فقر أبداً، مرة شخص قال لي: الدراهم مراهم، قلت له: هذه آية أم حديث؟ قال: ليس لها علاقة، والله هذا الإنسان أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، لكن غلط هذه الغلطة، طلب بتهمة هو بريء منها، قال لي: أربعة وستون يوماً و أنا جالس بالمنفردة، أين الدراهم مراهم؟ تفضل، استنتج أنه لا يوجد مراهم، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

[ سورة الرعد : 11]

 أنت بقبضة الله عز وجل اطلب من الله السلامة، اطلب من الله الستر، اطلب من الله التوفيق، أحياناً الذكي يؤتى الحذر من مأمنه، أحياناً تجد طبيباً صالحاً جداً، عنده شعور لأنه هو طبيب يراعي قواعد الصحة تماماً، تجد طبيب الهضمية معه قرحة في المعدة، هذه عجيبة، أنا زرت بلاداً كثيرة أجد الطبيب الأول في جراحة الأعصاب عنده مشكلة في الدماغ، الإنسان تحت رحمة الله، فكلما أنت آمنت بالله الإيمان القوي، واستعنت به، وطبقت منهجه، تقطف ثمار يانعة جداً، إذا لم تقل: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني لست مخطئاً، إلا أن يكون أتقى مني لست مخطئاً، لك معاملة خاصة من بين الجميع، نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء الذين استجابوا لله.

 

سياسة الله عز وجل في معاملة عباده :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان بالرخاء لا يوجد عنده ولا مشكلة؛ صحته، بيته، أولاده، نقول له: لا تغير لا يغير، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

 إن شاء الله الجميع في بحبوحة، وفي سلامة، لا يوجد عندك مشكلة، أنت طالما لا يوجد عندك مشكلة صحية، لا يوجد شيء خطير في حياتك، لا يوجد عندك إفلاس، مثلاً بيتك جيد، زوجتك لك مودة معها، لا تغير لا يغير، قال تعالى:

﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

 إذا الإنسان لم يستجب ماذا يصير؟ يخضع لمعالجة ثانية، يرسل له الله شدة، والشدة بعدها شدة إلى الله، والمحنة بعدها منحة، يبعث له شدة، الموقف الكامل بالرخاء والبحبوحة لا يوجد عنده أية مشكلة فيستجيب، إن لم يستجب - الموقف الكامل بالمصيبة أن يتوب- الله عز وجل يبعث له الدنيا، الآية دقيقة جداً، قال تعالى:

﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾

[سورة إبراهيم : 34]

 أرسل له مالاً، صحة، مكانة اجتماعية، لم يشكر، إذا بالسلامة لم يستجب، بالبلاء لم يصبر، بالرخاء لم يشكر، بقي حالة أخيرة هي القصم، فالبطولة أن نكون في الحالة الأولى، أن نكون في بحبوحة، في صحة، الله عز وجل دعاك إليه، دعاك إلى دينه، دعاك إلى طاعته، دعاك إلى أداء الصلوات بشكل كامل، دعاك إلى الإنفاق، دعاك إلى دفع الزكاة، دعاك إلى الصيام، دعاك إلى غض البصر، دعاك إلى العفة، يوجد مئة ألف بند في الإسلام، البطولة أن يستجيب الإنسان لله وللرسول إذا دعاه لما يحييه، إذا لم يستجب هناك شدة، بالشدة الموقف الكامل أن يتوب، وإذا لم يتب هناك إكرام استدراجي، الآية قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 عندنا المستقيم له معاملة طيبة، المذنب له معاملة تأديبية، المحسن معاملة إكرامية، ثم المغادرة، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون بالمرحلة الأولى، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

بالشكر تدوم النعم :

 أنت تتعامل مع خالق الأكوان، مع العليم، مع الرحيم، ماذا أقول لك؟ هل ترى الشريان التاجي؟ يوجد شريان يغذي القلب، هذا أهم شريان في الإنسان، كم قطره؟ ميلمتر وثلث، إذا ضاق عن الثلث تبدأ متاعب لا تنتهي، يقول لك: احتشاء، جلطة، يدخل في متاهة عملية قلب مفتوح، عملية تبديل شرايين، كلفتها بالملايين، إذا كان الإنسان يتمتع بصحة طيبة صدق ولا أبالغ تملك مليوني دينار، أقل عملية تحتاج إلى مليون الآن، إذا الإنسان استيقظ صباحاً لا يعاني من شيء، النبي صلى الله عليه وسلم علمنا هذا الدعاء:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي .. ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 استيقظ وذهب إلى الحمام، توضأ وذهب إلى الجامع، عافاني في بدني، ثاني بند:

(( ...وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 جاء إلى الجامع ليحضر الدرس:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 لا يشكو من احتشاء، من جلطة، من فشل كلوي، من تشمع بالكبد، والله هناك أمراض تهد الجبال:

(( ...وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 استيقظ، عاش يوماً جديداً، وعافاه في بدنه، وأذن له بذكره، لذلك: بالشكر تدوم النعم.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018