رحلة أمريكا 4 - المحاضرة : 04 - محاضرة في ولاية كنساس جامع ويتشيتا: الإنسان هو المخلوق الأول وفلسفة المصائب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رحلة أمريكا 4 - المحاضرة : 04 - محاضرة في ولاية كنساس جامع ويتشيتا: الإنسان هو المخلوق الأول وفلسفة المصائب.


2014-01-22

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 أيها الأخوة الأحباب؛ بادئ ذي بدء أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم، ولكن إن وجدتم بهذا اللقاء الطيب والمحاضرة المتواضعة ما كنتم تتوقعون فالفضل لله وحده، وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل.

 

الإنسان هو المخلوق الأول عند الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ من مسلمات هذا الدين أن الإنسان هو المخلوق الأول عند الله، لقوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 لأن الإنسان في عالم الأزل قبِل أن يحمل الأمانة، وكان عند الله المخلوق الأول، لذلك سخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، تسخير تعريف وتكريم، والكلام دقيق، هذا الكون يشف عن وجود الله، وعن وحدانيته وأفعاله، فكل شيء خلق في الكون يدل الإنسان على الله، أخذاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى هلالاً قال :

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[أبو داود عن قتادة ]

 ننتفع بضوئه في الليل، ويشيرنا إلى الله، فأي شيء أمامك من طعام، ومن شراب، ومن نبات، ومن سموات، ومن أراضين، ومن جبال، ومن وديان، ومن صحارى، ومن بحيرات، ابنك الذي أمامك هذا كنطفة ماء، عنده مئة وأربعون مليار خلية سمراء استنادية في دماغه لم تعرف وظيفتها بعد، برأسه يوجد ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة شريان، ووريد، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، يوجد بقلبه، بأمعائه، برئتيه، بجلده، بغدده، بأجهزته شيء لا يصدق، الإنسان لا يمكن أن تحيط بخصائصه ولو أمضيت كل العمر، هذا الإنسان هو المخلوق الأول لأنه قبل حمل الأمانة، ولأنه قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السموات والأرض جميعاً منه، أي أنا أريد من هذه المقدمة أن تعرف من أنت؟ أنت المخلوق الأول، وأنت المخلوق المكلف، كلفك الله أن تعبده، وقال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات:56]

 وكلفك الله تكريماً فقال:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70 ]

الله عز وجل خلقنا ليسعدنا و يرحمنا :

 ولكن في هذا اللقاء الطيب الموضوع سلبي، لكن أنا أعتقد أن الحقيقة المرة هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، وبإمكاني أن أدغدغ مشاعركم، والقضية سهلة جداً، ولكن أنطلق من أن الحقيقة المرة هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، فهذه المصائب التي تترا على المجتمع نفسه:

أنَّى اتجهتَ إلى الإسلام في بلدٍ  تجدْه كالطير مقصوصًا جَناحاه
***

  يا ترى هل يوجد بحث في الإسلام منهجي موضوعي للمصائب؟ أولاً: سأحاول قدر الإمكان في هذا اللقاء الطيب أن نضع معاً أيدينا على الحكمة نفسها.
 الحقيقة كلكم يعلم أن علة صنع السيارة السير، لماذا تقتني السيارة؟ كي تركبها وتسير، لكن في هذه السيارة مكبحاً، والمكبح يتناقض مع علة صنعها، فالمكبح إن أصيبت السيارة بضرر ما يقتضي توقفها في ظرف معين يوقفها، سلامة هذه المركبة، وسلامة ركابها تقتضي أن تقف، فكما أن السيارة صنعت كي تسير بها إلى مكان معين في الوقت نفسه تتمتع بمكبح فعال، ففي أية لحظة ممكن أن تقف، فإذا شبهت المصائب في حياة لإنسان كهذا المكبح في السيارة تكون قد أحسنت التدبير، إذاً لا بد من المصيبة، لأنها ضرورة، المصيبة ضرورة لأن الإنسان يتحرك وفق شهواته، أحياناً الحركة فيها خطأ كبير، والحركة مدمرة، والحركة تشقي الإنسان في الدنيا والآخرة، فلا بد من ردّ إلهي، أو من معالجة إلهية، وأنتم تقرؤون الفاتحة كل يوم: الحمد لله رب العالمين، والله عز وجل‏ رب العالمين، وكيف أن الأب إذا رأى ابنه يقترب من المدفأة المشتعلة في الشتاء وهو صغير جداً قد يصرخ به، وقد يقف مذعوراً، ويبعده عن المدفأة، هذا هو الوضع تماماً، المصائب ضرورة في ظروف معينة وكثيرة، فالإنسان عنده فطرة، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه، والله عز وجل إلهنا، وخالقنا، وربنا، ومسيرنا، وهو قادر في أية لحظة أن يفنينا جميعاً، لكن خلقنا ليسعدنا، والدليل قوله تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود:119]

 خلقهم ليرحمهم بنص القرآن الكريم، فكل ما يقال من الناس أن الحياة كلها متاعب، الله خلقنا ليعذبنا، هذه الكلام شيطاني، خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، خلقنا لنعرفه:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

أصل الدين معرفة الله :

 أنا أقول: أصل الدين أن تعرف الله، والحقيقة وقد تكون مؤلمة تعلمنا في المدارس الأمر الإلهي، الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والصدق، والأمانة إلى ما لا نهاية، لكن قلّما أجد في المناهج تعريفاً بالآمر، من هو الآمر، من هو الخالق، من عند من هذا الكتاب؟ الصلاة لمن؟ إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، وإن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، للتقريب أكثركم من بلاد الشرق أحياناً تأتيك ورقة من دائرة البريد أن تعال غداً الساعة العاشرة تسلم رسالة مسجلة، أن أقول: لا يجب أن تتحرك فيك شعرة، وقد لا تذهب، لكن تأتي ورقة بالحجم نفسه من فرع آمن من الفروع، لا تنام ستة أيام، ما السبب؟ آمر البريد غير الآمر الثاني، فأنت إذا عرفت من هو الله، من هو الذي أمرك أن تكون صادقاً، من هو الذي نهاك عن أن تكذب، من هو الذي أمرك أن تصلي، إذا عرفت الأمر ثم عرفت الآمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، وهذا شأن العالم الإسلامي اليوم، أي يوجد بالقرآن وعود.

المعركة بين الحق و الباطل أزلية أبدية :

 أنا أقول لكم هذه الكلمة: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، زوال الكون، فإذا قال الله عز وجل ‏:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 بربكم والحقيقة المرة أليمة هل نحن الآن مستخلفون في الأرض؟

﴿مَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 هل هذا الدين الإسلامي ممكن في الأرض؟ هذا من حكمة الله عز وجل،‏ وقد يقول أحدهم: ما الحكمة من هذا الصراع بين الحق والباطل؟ أقول لكم بكلمة صريحة ودقيقة: معركة الحق والباطل أزلية أبدية، شاء الله أن تكون هناك معركة بين الحق والباطل، لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، وأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية، المعركة صعبة، والمعركة قديمة ومستمرة، في أي مكان ولدنا هناك حق يصارع الباطل، يوجد صراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين العلم والجهل، وبين التعصب والموضوعية، هذه معركة ثأر، فلذلك أقول لكم هذه الكلمة الدقيقة الدقيقة: لا تقلق على هذا الدين أبداً إنه دين الله، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون من جنوده، البطولة أن تكون جندياً لهذا الدين.

 

بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل :

 سأقول لك كلمة: أنت ممكن أن تعيش وعندك دخل كبير، وبيت جميل، وزوجة رائعة، وأولاد أدباء، ومركبة فارهة، ونزهات، ولقاءات، وسهرات، وولائم، لكن من يستطيع أن يقول: أنا سوف أستيقظ كل يوم كاليوم السابق؟ هل يجرؤ إنسان في الكون أن يقول هذا؟ في يوم من الأيام لك بوابة خروح تخرج منها، أي الموت، البطولة أن تعيش المستقبل، إن معظم أهل الأرض يعيشون الواقع والماضي، أنا مهندس، درست في الشام، وأكملت في أمريكا، والمستقبل؟ العشر سنوات القادمة، الخمس عشرة سنة القادمة أخطر حدث فيها المغادرة، تصور المغادرة، لا من بيت إلى بيت، لا من منصب إلى منصب، من بيت فيه زوجة و أولاد و كنائن و أصهار و أحفاد، من بيت فخم مؤسس، من طعام وشراب ونزهات ولقاءات وسهرات إلى القبر، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 أنا أذكر مرة لي صديق له أب، البيوت في الشام قديماً - قصة من عشرين عاماً- بأربعة ملايين أو خمسة أو سبعة أو ثمانية عشر مليوناً، وهذا شيء غير معقول، لكن بيت والد صديقي بمئة وثمانين مليوناً، توفي بأيام الشتاء، شيعت الجنازة معهم لأنه والد صديقي، وصلنا إلى المقبرة، القبر الذي سوف ينزل به يوجد به مياه سوداء، أي فيه مياه مجار، فسألوا ابنه: هذا هو الأمر ماذا نعمل نضعه؟ أعرف بيته من أربعمئة و خمسين متراً، أعرف نوع السجاد، أعرف نوع الأثاث، هذه نهاية تنتظر جميع الناس، يوجد نقلة مفاجئة من بيت إلى قبر، هذا القبر نمكث فيه وقتاً، المدة بين الموت وبين يوم القيامة، لذلك النار كما قال الله عز وجل:

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة غافر:46]

 فأنا أتمنى فقط أن تعيش المستقبل، فكر في المستقبل، حتى في البرمجة العصبية اللغوية يقول لك: ابدأ من النهاية، والنهاية الموت، كيف سأواجه الله عز وجل؟ الابنة يوم القيامة تقف بين يدي الله عز وجل تقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي لأنه سبب ضياعي، الذي يوجد عنده أولاد هذه مسؤولية كبيرة جداً، والبطولة أن تواجه الحقيقة المرة.

 

المصيبة ضرورة علاجية و تربوية و إصلاحية وتعليمية وتوجيهية :

 إذاً نعود إلى محور هذا اللقاء الطيب المصائب ضرورة، والبطولة ليس أن تنجو من مصيبة لكن البطولة أن تقف منها الموقف الكامل.
 شيء آخر؛ اسمعوا الآية:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾

[ سورة القصص: 47 ]

 أول فكرة: ضرورة المصيبة ضرورة علاجية، تربوية، إصلاحية، تعليمية، توجيهية، أي وظيفة المصيبة الآن المصيبة رسالة قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رسولاً ﴾

[ سورة القصص: 47 ]

 ما قال ربنا لولا أرسلت لنا مصيبة، كلمة مصيبة تبدلت برسالة، هذا يعني أن المصيبة رسالة، فكل إنسان يصاب بشيئين؛ ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أفضل، أنت حينما تتعامل مع الله أن كل شيء غير طبيعي كما قال الله عز وجل‏ في الأثر القدسي:

(( لو أن أولكم وآخركم، وإنسَكم وجِنَّكم، وقفوا على صعيد واحد، وسألني كل واحد منكم مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 من وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، العوام لهم كلمات كلها غير صحيحة؛ مسكينة هذه الفتاة لا حظ لها، حظه قليل لا يوفق بعمل، لا يوجد وضع مزعج إلا لسبب، فالبطولة أن تبحث عن السبب لا أن تقبله كمصير، الباب مفتوح على مصراعيه، لو جئتني بملء الأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي، والصلحة بلمحة، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

مصائب الأنبياء :

 لكن اليوم أردنا أن نلقي ضوءاً على مصائب الأنبياء، الأنبياء لهم مصائب، النبي قال:

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

 وهو نبي كريم، بل هو سيد الأنبياء والمرسلين، فالمصائب قدرنا جميعاً، الله عز وجل قال:

﴿ هو الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 وقال تعالى:

﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾

[سورة الدخان: 5]

 الإمام الشافعي سئل: ندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء؟ فابتسم وقال: لن تمكن قبل أن تبتلى، هذا كلام قد لا يرتاح له البعض، لكن هذه حقيقة بالتعليم الدارج لا نشم رائحة الجنة إلا باقتحام المرمى، قال تعالى:

﴿ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت:2 ]

امتحانات الله عز وجل دقيقة جداً :

 وطن نفسك كمؤمن أنت أمام امتحانات، والامتحان الإلهي دقيق جداً، والامتحان الإلهي يكشف كل شيء، أي إذا عندك قطعة صفراء تبدو لك ذهباً، عند الصائغ محك، المحك قطعة ألماس مؤنفة جداً يمررها على هذه القطعة، إذا ظهر خط أبيض هذا ليس ذهباً، هذه نحاس، هذه ليست ذهب، فلا بد من محك، لا بد من كشف، واعتقد يقيناً لا بد من أن ينكشف الإنسان على حقيقته، فالبطولة أن تعالج نفسك قبل فوات الأوان لا بعد فوات الأوان، الله حينما يقول: " عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت" كطرفة؛ رجل غني كبير أحد أقطاب المسلمين توفي وقد سمع أولاده هذا الحديث، أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، فشاهدوا إنساناً فقيراً جداً يكاد يموت من الجوع، أغروه بعشرة جنيهات لينام في هذه الليلة مع أبيهم في القبر، هذا من شدة فقره يرتدي كيس قمح فتحه من الأعلى ليدخل رأسه، ومن الطرفين من أجل يديه، وربطه بحبل، جاء الملكان قال أحدهما للآخر: يوجد شخصان في القبر هل تعرف واحداً من الآخر؟- طبعاً سامحونا هذا مشهد تخيلي- فهذا الحي خاف فحرك رجله، فبدؤوا به، عنده كيس قمح مربوط بحبلة، هذه الحبلة من أين حصلت عليها؟ من البستان، كيف دخلت إلى البستان؟ لم يعرف أن يجيب، فضربوه ضرباً مبرحاً، فخرج وقال: أعان الله والدكم.
 يوجد عندك إمكان قبل أن تصل جهة، وقبل أن تقطع، وقبل أن ترضى، وقبل أن تمنع، وقبل أن تعطي، أن تتصور أنك بين يدي الله، بماذا ستجيب الله عن ذلك الأمر؟ هذه مهمة، قال أحدهم: العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، هيئ نفسك ماذا تقول لخالق الأكوان الذي منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد يوم القيامة، وقد خالفت أمره وعصيته.

 

 أخواننا الكرام؛ إذاً المصيبة هي الرسالة لقوله تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا ﴾

[ سورة القصص: 47 ]

الابتلاء علة وجودنا في الدنيا :

 الآن الأنبياء مصائبهم مصائب تشريع، أي ينطوون على كمالات عالية جداً لا تظهر إلا بالمصيبة، فأن يذهب إلى الطائف مشياً على قدميه، ويدعو إلى الله، وهناك يردون عليه بالتكفير والسخرية، بل أغروا صبيانهم ليضربوه، وضربوه وسال الدم من قدمه الشريف، جاءه ملك الجبال قال يا محمد:

(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 هذه المصيبة، فأنت ممتحن، والممتحن من أقل مؤمن إلى أكبر مؤمن، وطن نفسك أن هناك امتحاناً، تمتمن بمالك، تمتحن بصحتك، تمتحن بأولادك، تمتحن بزوجتك، تمتحن بعملك، تمتحن بشريكك، تمتحن في الرخاء، تمتحن في الشدة، تمتحن في العطاء، تمتحن في الغضب، تمتحن في الرضا، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 30]

 هذه الآية هي الأصل، بل إن علة وجودنا في الدنيا الابتلاء، الأنبياء مصائبهم مصائب كشف، يظهر المعني بالفعل، أما المؤمنين فمصيبة دفع أو رفع، الإنسان يكون عنده تقصير في العبادات، يوجد تساؤل بالحسابات، يوجد أعمال لا ترضي الله، غلبته نفسه عليها، تأتي المصيبة، هذه المصيبة إشارة، ومن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، فالذي تأتيه مصيبة، ولا تؤثر فيه موعظة، سيخسر لامحالة، فأنت وطن نفسك مع ربك أي شيء أزعجك:

(( عبادي فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزّ َوَجَلّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))

[مسلم عن أبي ذر ]

 المؤمنون دفع، مرة دخلت إلى مسجد ممتلئ بالمصلين، تصورت أنه لا يوجد أخ من أخواننا الكرام إلا الله ساقه إلى هذا المسجد، يوجد حكمة دقيقة إن أحس الإنسان بشبح مصيبة، شبح فقر، شبح نار، يتوب إلى الله، فالله يسوق العباد إليه سوقاً بالمطالب، لكن البطولة أن تأتيه طائعاً، يوجد طريقتان إما أن تأتي ربك عقب مصيبة، أو أن تأتيه طائعاً، لكن بشكل عام لا بد من أن تنالك رحمة الله إما عطاءً أو ترتيباً، فحينما تفهم على الله حكمته للمصيبة تكون موفقاً جداً، وتنتفع بها، وقد تكون هذه المصيبة سبب التفوق في الحياة وفي الآخرة، لكن مصائب المؤمنين دفع ورفع؛ دفع أي ضاعف سرعته إلى الله، ورفع أي ارتفع مقامه عند الله، فالمؤمن مبتلى، قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت :2]

 والآية الكريمة:

﴿ هو الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 أما الكفار فمصائبهم مصائب ردع و قصم، فإن لم يرتدع يقصم، وانتهى الأمر.

 

الناس فريقان لا ثالث لهما :

 أخواننا الكرام؛ الله عز وجل يقول:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل:1-6]

 أنت الآن أمام سبعة مليارات إنسان، هؤلاء البشر يختلفون بمللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، وشعوبهم، إلى ما لا نهاية، لكنهم عند الله فريقان:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[سورة الليل:1-4]

 كل إنسان يمشي بطريق، لكن هذا السعي المختلف ينزل في حقلين فقط، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل:5-6]

 الزمرة الأولى؛ صدق أنه مخلوق للجنة، اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، والزمرة الثانية صدق أنه مخلوق للدنيا لا للجنة، فاستغنى عن طاعة الله، بنى حياته بالأخذ، ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والطغاة أخذوا ولم يعطوا، المؤمنون يأخذون ويعطون، أي يوجد أخذ ويوجد عطاء، فكلما كثر عطاؤك ارتقيت عند الله، فالبطولة لا تقل ماذا أخذت، قل: ماذا أعطيت؟ لذلك أحدهم ألّف كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.

 

الإنسان العاقل يحكمه النص لا الواقع :

 الإنسان يجد أحد كبار المشركين قبل أن يسلم وهو نعيم بن مسعود زعيم غطفان جاء ليحارب النبي الكريم في المدينة، وهو في المعسكر بخيمته استيقظ هذا يسمونه بالمسرحيات: حوار ذاتي، خاطب نفسه قال: يا نعيم ما الذي جاء بك إلى هنا؟أجئت لتحارب هذا الرجل الصالح- قصده هذا النبي الكريم -؟ ماذا فعل؟ هل سفك دماً؟ هل أخذ مالاً، هل انتهك عرضاً؟ أين عقلك يا فلان؟ وقف وتوجه إلى خيمة النبي الكريم، فوجئ النبي به قال له: نعيم؟ قال: نعيم، قال: ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت مسلماً، فكر دقيقة واحدة، نحن كلنا يا ترى أنا ممكن أعيش إلى ما شاء الله؟ لا، سوف أموت، كيف أواجه الله؟ بناتي غير منضبطات، دخلي غير حلال، علاقاتي غير إسلامية، فالبطولة أن تعيش المستقبل لا أن تعيش الماضي، عفواً نحن عندنا مدينة في الشام اسمها حمص، وأيام الشتاء الشديدة يوجد ثلج، أنت كنت تركب سيارة، وعندك سفرة لحمص، ولك سبعة ملايين ليرة بحمص، خرجت على الطريق وجدت لوحة كتب عليها: الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك، ماذا تفعل؟ في المكان الذي أنت به شمس، والطريق جاف، ولكن يوجد لوحة للمرور أن الطريق في النبك مغلق بسبب تراكم الثلوج، سوف تعود، ما الذي أرجعك؟ أربع كلمات، أي من الذي حكمك؟ النص، لو أن دابة ماشية في هذا الطريق أين تقف؟ عند الثلج، ما الذي حكمها؟ الواقع، لا تقل: أنا واقعي، قل: أنا مسلم، أنت عاقل، هناك نص يحكمك، إنسان يدخن قرأ موضوعاً عن الدخان، عن خطره، أنا عضو بجمعية مكافحة التدخين، يوجد في الدخان ثلاثة آلاف مادة سامة، افتحوا على الجمعية واقرؤوا المقالات، ثلاثة آلاف مادة سامة، إنسان قرأ عن التدخين وأخطاره فتركه، وإنسان تركه ولكن بعد أن أصيب بالسرطان، فالبطولة أن تقف موقفاً معيناً عند المعلومات لا عند الكارثة، والله يا أخوان يوجد مشاعر لمن شارف على الموت لا توصف، إنسان اشترى بيتاً في أحد أحياء دمشق، وفرشه فرشاً غير طبيعي، صار معه أزمة قلبية، جاء إليه صديقه، هل تعلم ماذا قال له؟ قال- و يقصد زوجته: بنت الحرام غداً سوف تتزوج ويأتي إنسان إلى هذا البيت الرائع، إذا كان الإنسان ضعيف الإيمان، يوجد عنده مشكلة كبيرة، أكبر مشكلة مغادرة البيوت، فالبطولة بين أن يكون الموت راحة، ابنة سيدنا بلال وهو على فراش الموت قالت له: واكربتاه يا أبت، فقال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، و بين أن يكون هماً.

الموت عرس المؤمن :

 يوجد نصوص كثيرة؛ الموت تحفة المؤمن، الموت عرس المؤمن، والموت حق، ولا يوجد أحد لا يموت، شاهد الطفل عندما يولد كل من حوله يفرح له، وهو يبكي وحده، وعند الموت كل من حوله يبكي، فإذا كنت بطلاً تضحك وحدك، فإذا كنت بطلاً اضحك وحدك.
 شخص محسن كبير في الشام مرة حدثني صهره، قال لي: عاش سبعاً وتسعين سنة، و هو محسن كبير، وصالح، وفاته المنية ليلة القدر، وهو يقرأ القرآن، أحلى أيامه، أحلى ساعاته، أنا أقول: في النهاية يحدد أسلوبك في الحياة، كلنا سوف نموت، أنا أتكلم عن شيء واقع يشمل سبعة مليارات إنسان.

 

من أخلّ بعبادته فالله في حلّ من وعوده :

 أخواننا الكرام؛ يوجد عندنا مصائب فردية، ومصائب جماعية، الدليل قوله تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 استخلاف و تمكين وتطييب.
 وليمكنن لهم دينهم، أي دين؟ الذي ارتضىاه لهم، إذا كان الدين الذي أنت عليه يرتضيه الله فأنت مؤمن، إذا كان لا يرضي الله عز وجل لا يوجد أمن، أي يوجد بعد.
 في الإسلام مظاهر إسلامية صارخة، وهناك مساجد، ومدارس شرعية، وصيام، وحج، وزكاة، ومع ذلك ليست كلمة المسلمين هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، ما السبب؟ قال: يعبدونني، هذه الكلمة دقيقة جداً، أي إذا أخلّ الفريق الآخر بعبادته فالله جل جلاله في حلّ من وعوده الثلاثة.
 إذاً يوجد مصائب فردية، ومصائب جماعية، والأمة عندما تتخلى عن الدين أنا أقول كلمة سامحوني بها: الأمة الإسلامية هان الله عليها فهانت على الله، هان الله عليها فهانت على الله، والآية الكريمة:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾

 شاهد، ما كان هذه باللغة نفي المبالغة، فيها نفي الشأن لا نفي الحدث، مثلاً شخص سألته: هل أنت جائع؟ قال لك: لا، أما تاجر محترم جداً وله مكانة كبيرة سألته: هل أنت سارق؟ يقول لك: لا ليس معقولاً، ما كان لي أن أسرق، هذا نفي الشأن، أي مستحيل وألف مستحيل، ولا أرضى بهذا، ولا أقبل به، ولا أباركه، ولا أقره، عدّ العلماء اثني عشر فعلاً يلغي الشأن، فالله قال:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 أي ما دامت يا محمد سنتك قائمة فيهم مستحيل أن يعذبوا، فهناك عذاب يومي، و متاعب يومية، وليست كلمة المسلمين هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، أي هذا يدل على أنه يوجد مشكلة مع الله.

 

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاث :

 أخواننا الكرام؛ الإنسان كائن متحرك، لماذا يتحرك؟ هذه الطاولة كائن ثابت، لو تركتها مئات السنين تبقى على ما هي عليه، أما أنت فتتحرك، لأنك بحاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على البقاء الفردي، وبحاجة إلى الطرف الآخر حفاظاً على بقاء النوع، وبحاجة إلى التفوق حفاظاً على بقاء الفكر، لديك ثلاثة محركات؛ الطعام والشراب، والجنس، والثالث: تأكيد الذات، عند علماء النفس أن تتفوق، أن يشار إليك بالبنان، والثلاثة يمكن أن تلبى وأنت على درجة من الإيمان، لك أن تقول ما شئت، قال تعالى:

﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾

[سورة البقرة:35]

 المحرمات واحدة أو اثنتان والمباحات بالمئات، فالطعام والشراب مباح، والمرأة مباحة بالزواج، أي المرأة الصالحة هي كما قيل من نعم الدنيا، التي إن نظرت إليها سرتك، سرتك بالقبول، وصلني أخ كريم إلى المطار، لكنه تركي لا يتكلم العربية، ومعي أخ مرافق يتكلم اللغة التركية، قلت له: اسأله هل هو متزوج؟ سأله فقال له: لا، قلت له: أنا سوف أدعو له بزوجة صالحة تسره إن نظر إليها، وتحفظه إذا غاب عنها، وتطيعه إذا أمرها، ترجمها له فقال له: والله أتمنى أن أوصله إلى الشام، فأنت قبل الزواج إن كنت تضبط نفسك لك مكافأة من الله زوجة صالحة، وإذا كان الإنسان - لعن الله الذواقين والذواقات- يغلط قبل الزواج سيكون أمامه زواج متعب جداً، والزواج جنة أو نار لا يوجد حل وسط بينهما.

 

بطولة الإنسان أن يعرف الآمر قبل الأمر :

 أخواننا الكرام؛ يوجد نقطة دقيقة: البطولة أن تعرف الآمر قبل الأمر، مثلاً بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، أكبر نجم ملتهب الشمس كلها ضعيفة أمامه، هذا النجم بينه وبين الأرض أربع سنوات، يا ترى كم يقطع في الثانية؟ ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع وعشرين، في السنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، بأربع سنوات ضرب أربع، اليوم أمسك آلة حاسبة واكتب ثلاثمئة ألف ضرب ستين، ضرب ستين، ضرب أربع وعشرين، ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، ضرب أربع، يظهر معك رقم، لو وجد طريق لهذا النجم لاحتجت إلى أن تصل إليه إلى خمسين مليون عام، هذا أقرب نجم ملتهب تحتاج إلى أن تصل إليه بمركبة أرضية إلى خمسين مليون عام، متى تصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟ متى تصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية؟ متى تصل إلى أحدث مجرة تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية؟ موسوعة مايك بالأميركية يوجد منها نسخة باللغة العربية، هناك طبعة في القاهرة عن الكون، عن الأرض، عن الطيور، عن الأسماك، إلى آخره، فهذه المجرة تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، فالله ماذا قال:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * ﴾

[ سورة الواقعة : 75-76]

 إله يقسم لك بمواقع النجوم، أي بالمسافات بين النجوم، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك.

 

العاقل من عرف سرّ و غاية وجوده :

 أخواننا الكرام؛ الجماد شيء مادي له وزن وحجم، وله أبعاد ثلاثة، والنبات شيء مادي له وزن وله حجم، وله أبعاد ثلاثة لكنه ينمو، فقط يضاف على الجماد النمو، الحيوان شيء مادي له وزن وله حجم، وله أبعاد ثلاثة وينمو كالنبات لكنه يتحرك، و الإنسان شيء، أنت شيء لك وزن ولك حجم، ولك أبعاد ثلاثة، وتنمو كالنبات، وتتحرك كبقية المخلوقات، لكنك تفكر، فما لم تلبِّ هذه الحاجة بأن تطلب العلم، بأن تعرف سرّ وجودك وغاية وجودك، فأنت هبطت عن مستوى إنسانيتك إلى مستوى لا يليق بك، هذه حقيقة دقيقة جداً، فأنت المخلوق الأول، اعلم من أنت، اجلس مع نفسك كل يوم دقائق عشر، اسأل نفسك: ماذا ينبغي أن تفعل؟ ماذا بعد الموت يا ترى؟ هل أمشي بما يرضي الله؟ دخلي حلال؟ إنفاقي حلال؟ بيتي منضبط؟ بناتي منضبطات؟ زوجتي منضبطة؟ علاقتي الاجتماعية منضبطة؟ هذا سؤال مهم جداً، أما الذي يعيش كما يحلو له فسيفاجأ بالموت، قال تعالى:

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 83]

 ويوجد بعض الآيات يصعقون، نقلة مفاجئة جداً من الحياة إلى الموت.

 

آيات الله تدل على وجوده و كماله و وحدانيته :

 أخواننا الكرام؛ كتعليق سريع الأرض تدور حول الشمس بمسار بيضوي أليس كذلك؟ لها قطران؛ طويل وقصير، الأرض هنا أثناء سيرها باتجاه الخط الأخضر هنا المسافة قلت، الجاذبية ازدادت، فيوجد احتمال كبير أن تنجذب إلى الشمس، فإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانيةً واحدة، تتابع الأرض مسيرها ترفع سرعتها، ينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى على مسارها، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر:41 ]

 الزوال هنا الانحراف عن مسيرها، تتابع سيرها، هنا المسافة طالت الجاذبية ضعفت يوجد احتمال أن تتفلت من جاذبية الشمس، هنا تبطئ من سرعتها، ينشأ من بطء السرعة قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل، فتبقى في مسارها، فعندما قال الله:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر:41 ]

 هذه من آيات الله الدالة على عظمته، فهذا الكون بين أيدينا جميعاً، يؤكد وجود الله، ووحدانيته، وكماله، ممكن أن نفكر في أجسامنا، أي في الإنسان آيات مذهلة جداً، وبالنهاية لابد من أن تعرف أمره، وأن تعرف نهيه، وأن تستقيم على أمره، وأن تتلقى أوامره التفصيلية بالعناية.
 أسأل الله عز وجل أن يحفظ لكم إيمانكم جميعاً، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، ويمنحكم القرار السليم المصيب.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018