الدرس : 154 - تفسير سورة النبأ الآيات ( 1 - 5 ) . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 154 - تفسير سورة النبأ الآيات ( 1 - 5 ) .


2015-05-16

من عرف سرّ و غاية وجوده صحت حركته :

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في تفسير القرآن الكريم، وتفسير سورة النبأ، وهي السورة الأولى من الجزء الثلاثين، قال تعالى:

﴿عَمَّ يَتَساءَلونَ*عَنِ النَّبَإِ العَظيمِ﴾

[سورة النبأ: ١-٢]

 شرحت في درس سابق أن هذا الإنسان أودع الله فيه قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية تقتدي أن يتساءل، أي إنسان يأكل ويشرب وينام ويزوج أولاده وبناته ثم يأتيه ملك الموت، أليس من الأنسب والأكمل والأعقل أن تسأل لماذا أنت في الدنيا؟ لأنك حينما تعرف سرّ وجودك تصح الحركة.
 لو أن إنساناً أرسل ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه من السوربون، هو في باريس سأل: إلى أين أذهب؟ نقول: عجباً لماذا أنت جئت إلى هنا؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى السوربون، إن جئت سائحاً إلى برج إيفل، إن جئت تاجراً إلى الأسواق.
 فحينما تعرف سرّ وجودك تصح الحركة، أنت كائن متحرك، الذي يحركك الحاجة إلى الطعام والشراب للحفاظ على بقاء الفرد، والذي يحركك الحاجة إلى الزواج، والذي يحركك الحاجة إلى التفوق للحفاظ على الذكر، فأنت بحاجة إلى ثلاثة أشياء؛ الطعام والشراب للحفاظ على بقائك كإنسان، وإلى الزواج حفاظاً على بقاء النوع، وإلى التفوق حفاظاً على بقاء الذكر.
 فأن تسأل لماذا أنا في الدنيا؟ ما الذي يسعدني فيها؟ ما الذي يشقيني؟ ما الموت؟ ماذا بعد الموت؟ ما الآخرة؟ ما البرزخ؟ هل هناك جنة أو نار كما يقال؟ تأكد من هذه المعلومات، هذه المعلومات خطيرة، هذه المعلومات مصيرية متعلقة بمصير الإنسان، سعيد أم شقي في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفد عذابها، لا يوجد قضية أخطر ولا أهم من أن تعرف لماذا أنت في الدنيا.

 

من اتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه :

 يقول لك: سبحان الله، الله خلقنا للعذاب، هكذا هذه الأقوال العامة، لا، خلقك للسعادة، الدليل قوله تعالى:

﴿إِلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُم ﴾

[سورة هود: ١١٩]

 خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليكونوا في الدنيا والآخرة معاً، فمن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة"، أنت مخلوق لجنتين؛ جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، قال تعالى:

﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾

[سورة الرحمن: ٤٦]

 العلماء يقولون: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، الدنيا جميلة جداً في طاعة الله، لا يوجد شهوة أودعها الله فيك إلا ولها قناة نظيفة تسري خلالها، لا يوجد حرمان، يوجد ترتيب، وأقوى دليل على ذلك:

﴿ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[سورة القصص: ٥٠]

 فالذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، اشتهى المرأة تزوج، اشتهى المال عمل، اشتهى التفوق أن يشار إليه بالبنان تفوق، كل حاجات الإنسان موجودة في الدين بشكل واضح، وشكل يسير.

 

العاقل من يبدأ من النهاية :

 إذاً:

﴿عَمَّ يَتَساءَلونَ*عَنِ النَّبَإِ العَظيمِ﴾

[سورة النبأ: ١-٢]

 إنسان له مكانة، له أولاد، عنده أصهار، عنده بنات، عنده كنائن، له عمل، عنده تجارة، له مكانة اجتماعية، له تطلعات إلى أن يكون من النخبة، هذا الإنسان عندما يفكر أنه سوف يغادر الدنيا فهذا حدث خطير جداً.
 كلكم ترون كل يوم جنائز، أي شخص يموت يشيع إلى القبر، ترك بيتاً، ترك فيلا، ترك سيارتين، ترك أصهاراً وكنائن ومكانة وولائم ولقاءات، هذه الإنسان من هذه المكانة العالية، من هذا الرفاه، من هذا العطاء، إلى قبر.
 يوجد بالبرمجة العصبية اللغوية مبدأ لطيف: ابدأ من النهاية، اجعل الموت نهاية، ما الذي ينفعني بعد الموت؟ ينفعك عمل صالح، ينفعك أولاد أبرار، ربيتهم وجهدت في تربيتهم حتى استقاموا، ينفعك بنات محجبات، طاهرات، عفيفات، ينفعك زوجة صالحة، مال حلال كسبته من عرق جبينك، ينفعك أن تموت و أنت تعمل عملاً صالحاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إذا أحب الله عبداّ عسله، قال: يا رسول الله وما عسله؟ قال: يوفق له عملاً صالحاً بين يدي أجله حتى يرضى عنه جيرانه))

[ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه]

 يوجد إنسان يعيش عمراً مديداً، يموت بليلة القدر بين أحبائه وإخوانه، أي يوجد حياة رائعة لصاحبها مكانة كبيرة، ويوجد إنسان يموت كالفطيسة تماماً.
 يوجد شخص ادعى النبوة في الهند مات في المرحاض، نهاية سيئة جداً.
 أخواننا يجب أن نفكر في المستقبل دائماً وابداً نعيش الحاضر والماضي. أنا درست في القاهرة الآن أنا مهندس، حسناً والمستقبل؟ يوجد بالمستقبل مغادرة للحياة الدنيا، أي تدخل إلى البيت قائماً مدة أربع و ثمانين سنة، مرة ستخرج بشكل أفقي، وهذه المرة أخطر مرة، الخروج بشكل أفقي وليس بشكل قائم، بنعش، هذه لا يقدر شخص من الحاضرين وأنا منكم أن ينجو من هذه الحالة، ورد في الأثر القدسي: " عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت".

 

التفكر في الموت لا يلغي العمل :

 الحقيقة ابدأ من النهاية، هذا الموت حق، التفكر في الموت لا يلغي العمل، بالعكس يصعد العمل، تدرس تنال دكتوراه، تتزوج، تنجب أولاداً، تربيهم، تزوجهم، هذا كله مشروع، لكن حينما تعيش الآخرة تعمل لها.
 أي العمل للآخرة ضمن إمكانية الشخص، يكفي أن يقصر طرفه على زوجته، أما النظر إلى امرأة لا تحل لك فهذه عليها مخالفة، والمؤمن يغض بصره، ويوجد بالإسلام مدرسة اسمها غض البصر، الصفة المتميزة في الإنسان أنه يغض بصره عن محارم الله، لا يوجد له تطلعات إلى شيء لا يحل له، قال تعالى:

﴿يَعلَمُ خائِنَةَ الأَعيُنِ وَما تُخفِي الصُّدورُ﴾

[سورة غافر: ١٩]

 الطبيب متاح له أن يرى جسم المرأة، المكان الذي يؤلمها، لو أنه يعالج الكبد ودس مكان الكبد وسألها هل هناك ألم؟ هذا من حقه، لكن ليس من حقه أن ينظر إلى مكان لا تشكو منه، من يكشف هذه النظرة التي اختلسها إلى مكان لا تشكو منه؟ الله وحده، لذلك قال تعالى:

﴿يَعلَمُ خائِنَةَ الأَعيُنِ وَما تُخفِي الصُّدورُ﴾

[سورة غافر: ١٩]

معية الله عامة و خاصة :

 أنت حينما تشعر أن الله معك ويراقبك هذا نوع من الإيمان ممتاز، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه))

[ كنز العمال عن عبادة بن الصامت]

 الله معك، معك بعلمه، ومعك بالتوفيق، والنصر، والتأييد، معك بعلمه، مع كل العامة، قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُم أَينَ ما كُنتُم ﴾

[سورة الحديد: ٤]

 مع الكافر، مع الملحد، مع الذي أنكر وجود الله، هذه معية علم، لكن المعية الرائعة معية التأييد والنصر، قال الله تعالى:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤمِنينَ﴾

[سورة الأنفال: ١٩]

 فالعلماء قالوا: هناك معية عامة وهناك معية خاصة:

كن مـع الله ترّ الله معـك  واتـرك الكل وحاذر طمعـــــك
وإذا أعطـاك من يمنعـه؟  ثم من يعطـي إذا ما منعك؟
* * *

 هذه ملة طه خذ بها.
 إذاً أن تشعر بمعية الله نوع من الإيمان عال جدا، إذا النبأ العظيم المغادرة، النبأ العظيم القبر، وصدق ولا أبالغ كما قال سيدنا عمر: " إن في معالجة جسد خاو لعبرة".
 أي إذا كان لك قريب وتوفي من واجبك أن تكون في بيت المتوفى قبيل تشييعه، انظر إليه وهو مسجى على فراش الموت، انظر إليه، هذا مصير كل شخص منا، انتهى، ختم العمل، لذلك إن في معالجة جسد خاو - أي ميت- لعبرة:

﴿عَنِ النَّبَإِ العَظيمِ*الَّذي هُم فيهِ مُختَلِفونَ﴾

[سورة النبأ: ٢-٣]

التلازم بين الإيمان بالله و اليوم الآخر :

 الإيمان باليوم الآخر شيء يلفت النظر، أركان الإيمان الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين، خمسة أركان إيمان، لم يذكر الإيمان بالله إلا اقترن معه الإيمان باليوم الآخر في معظم المواضع في القرآن الكريم.
 الإيمان بالله يمنعك أن تعصيه، والإيمان باليوم الآخر يمنعك أن تؤذي مخلوقاً، الأولى يمنعك أن تعصيه، والثانية يمنعك أن تؤذي مخلوقاً، فالإيمان باليوم الآخر قبل أن تفعل شيئاً، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل أن تصل، قبل أن تخضع، قبل أن تغضب، قبل أن ترضى، اسأل: لماذا فعلت كذا؟ وما الذي تقصده من هذا الغضب الغير معقول؟ الغير مبرر؟ ماذا تقصد من هذا الرضا الغير معقول؟ قد يكون هذا الذي تتعامل معه ليس مستقيماً.

 

الشرك أخطر شيء في حياة المؤمن :

 أخطر شيء في الحياة أخواننا الكرام كمؤمنين الشرك، أي شرك؟ الشرك الخفي.
 عندنا شرك جلي، في شرق آسيا يعبدون بوذا، هذا شرك جلي، لكن في مجمتع المسلمين يوجد شرك خفي، ليس في العالم الإسلامي كله من يجرؤ أن يقول: ليس هناك إله، هذا من فضل الله، بالعالم الإسلامي كله لا يوجد إلهة سوى الله، لا إله إلا الله، لكن يوجد شرك خفي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية، قلت : يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال : نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم))

[الإمام أحمد في مسنده عن شداد بن أوس]

 أي أنت موظف في دائرة، ويوجد أعلى مرتبة في هذه الدائرة قد يكون وزيراً، إذا توهمت أن مصيرك بيده، ترقيتك بيده، أن تكون في مكان مفيد لك بيده، أن تكلف بمهمات ذات تعويضات عالية جداً بيده، حينما تتوهم أن الخير بيد هذا وأن الشر بيده، هذا شرك.
 ما التوحيد؟ ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن تتعامل مع جهة وحدة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]

(( اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها ))

[ أخرجه ابن عدي والديلمي عن أنس ]

 أحياناً تمسك عدسة تضعها في الشمس، وتأتي بورقة تبعدها و تقربها حتى تحترق الورقة، العدسة ماذا فعلت؟ الأشعة تأتي إلى الورقة بشكل متواز، أما من خلال العدسة فتجتمع العدسة في المحرق، المحرق يحرق الورقة، فلذلك المؤمن كل طاقاته، وإمكاناته، وخصائصه، ومهاراته كلها مجتمعة في مكان، هذا المكان هو المحرق، يفعل شيئاً كبيراً، لذلك طاقات المؤمن مجتمعة وليست مبعثرة، أهل الشرك الخفي طاقات مبعثرة، أما المؤمن فطاقاته مجتمعة، يوجد هدف واحد إرضاء الله عز وجل، أصبح إنجازاً، فبينما أن تجتمع الطاقات في بؤرة حادة وتحرق وبين أن تتبعثر هذه الطاقات بشكل خطوط متوازية لا تؤثر ولا تفعل شيئاً.

 

بطولة الإنسان أن يغادر الدنيا و ذكره مستمر :

 ترى شخصاً يعيش ثمانين سنة يموت انتهى، لا أحد يذكره، بينما الصحابة الكرام القادة العظماء سيدنا صلاح الدين يذكر باليوم مليون مرة بالعالم الإسلامي، هذا الرقي في العمل سبب الاستمرار بالذكر.
 لذلك البطولة أن يغادر الإنسان الحياة الدنيا وذكره مستمر، أما الشخص العادي فيموت يحزنون عليه، ويعلنون الحداد، أحياناً الثريات تغطى بقماش، بعد حين تعود الأمور إلى ما كانت عليه؛ سهرات، ولقاءات، وغيرها، والميت توفاه الله.
 لذلك أخواننا الكرام؛ الطفل عندما يولد كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده، فإذا جاء ملك الموت لهذا الإنسان كل من حوله يبكي فإذا كان هذا المتوفى بطلاً يضحك وحده، لذلك ورد في السنة:

(( تحفة المؤمن الموت))

[الحاكم في مستدركه]

 والموت عرس المؤمن.

 

الموت عرس المؤمن :

 أنا أقول كلمة لأخواني الكرام: بطولتك أن تجعل ما هو مصيبة عند الناس أن تجعله عرسك، أي لو أن طالباً فقيراً لكنه ذكي استطاع أن ينتزع من إخوته البنات الحلي، ويشتري بطاقة طائرة إلى باريس، ويدرس في السوربون، يعمل بالنهار بمطاعم في غسيل الأطباق و يداوم في الجامعة، وفي الليل يدرس، أمضى سبع سنوات من أصعب ما يكون، عمل في المطعم، وحضور دروس في النهار في الجامعة، ودراسة في الليل، نال الدكتوراه أخذ الشهادة، صدقها في الخارجية، قطع بطاقة طائرة، ذهب إلى المطار وضع قدمه على سلم الطائرة، هذا عندما وضع قدمه على سلم الطائرة انتهى عهد الدراسة، والتعب، والقلق، والخوف من الامتحان، والرسوب، والشوق لأهله، ودخل بعهد سفر إلى بلده بأعلى درجة، تسلم منصباً رفيعاً، تزوج، عنده بيت في المدينة، بيت في المصيف، بيت على البحر، سيارتان، مكانة اجتماعية، عندما وضع قدمه على سلم الطائرة هذا هو الموت عند المؤمن، لذلك قال الحسن البصري: التقيت أربعين صحابياً ما منهم واحد إلا كان في أسعد لحظات حياته عند موته، والشيء العجيب أنا تقريبا درست سبعين صحابياً في تفصيل شديد، قاسم مشترك بين الصحابة جميعاً كانوا في أسعد لحظاتهم عند الموت، الموت مصيبة من بيت إلى قبر، أما المؤمن فمن بيت ضيق إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمؤمنين.

بطولة الإنسان أن يصل إلى الشيء بعقله قبل أن يصل إليه بواقعه :

 إذاً:

﴿عَمَّ يَتَساءَلونَ*عَنِ النَّبَإِ العَظيمِ*الَّذي هُم فيهِ مُختَلِفونَ*كَلّا سَيَعلَمونَ*ثُمَّ كَلّا سَيَعلَمونَ﴾

[سورة النبأ: ١-٥]

 بعض العلماء قال: الأولى عند الموت، والثانية يوم القيامة،

﴿ كَلّا سَيَعلَمونَ*ثُمَّ كَلّا سَيَعلَمونَ﴾

  إذاً البطولة أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، هذا العقل.
 شخص قرأ مقالة عن التدخين – أنا عضو في جمعية مكافحة التدخين في سوريا -يوجد بالدخان ثلاثة آلاف مادة سامة، فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحقيقة قبل أن يصاب بالسرطان يكون ذكياً جداً، أما عند الإصابة بسرطان الرئة فطبعاً سيترك الدخان ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن أصيب بالسرطان، فالبطولة أن تصل إلى الشيء بعقلك قبل أن تصل إليه بواقعك.
 للتقريب يوجد عندنا طريق دمشق حمص، في أيام الشتاء الباردة أحياناً يغلق هذا الطريق، يوجد منطقة في المنتصف اسمها النبك، أعلى منطقة، يغلق هذا الطريق لتراكم الثلوج، إنسان خرج بسيارته، خرج من دمشق فرأى لوحة فيها أربع كلمات مكتوب فيها: الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك فقط، الآن هو خرج من دمشق بقي له كي يصل إلى حمص ثمانون كيلو متراً، ماذا يفعل؟ يعود، ما الذي أعاده إلى دمشق؟ خمس كلمات.
 إذاً الإنسان ما الذي يحكمه؟ النص، لو أن دابة تمشي على الطريق أين تقف؟ عند الثلج، ما الذي حكم الدابة؟ الواقع، ما الذي حكم العاقل؟ النص، فأنت كإنسان عاقل تقرأ وتكتب يحكمك النص، اقرأ هذا القرآن نص، الدين كله نص، السنة نص، أنت عاقل يحكمك النص، يوجد آية قرآنية:

﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَت لَهُم جَنّاتُ الفِردَوسِ نُزُلًا﴾

[سورة الكهف: ١٠٧]

 آية قرآنية أخرى:

﴿وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا ﴾

[سورة طه: ١٢٤]

 القرآن كله نص، نص مشجع، نص مخيف، فالعاقل يحكمه النص، والدابة يحكمها الواقع، لا تقل: أنا واقعي، قل: أنا نصي، يجب أن تقول: أنا نصي.
 أيها الأخوة؛ العبرة أن نعيش المستقبل، والمستقبل فيه مغادرة للدنيا، والإيمان بالمغادرة لا يمنعك أن تتزوج وتشتري بيتاً، وتؤسس مشروعاً ومعملاً، وتربح أرباحاً طائلة لخدمة الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، بعضهم قال: "الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق".
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018