الدرس : 153 - تفسير سورة النبأ الآيات ( 1 - 2 ) . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 153 - تفسير سورة النبأ الآيات ( 1 - 2 ) .


2015-05-15

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

من عرف الله عرف كل شيء :

 نحن كأننا اتفقنا سابقاً أن يكون يوم الجمعة يوم أسئلة عامة، فإن شئتم سألتم، وإن شئتم تكلمت، الأمر بيدكم.
 نتابع تفسير جزء عم، قال تعالى:

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة النبأ: 1-2]

 لو أن طفلاً عقب أحد الأعياد زاره خاله، فقال لخاله: أنا معي مبلغ عظيم، طفل عمره سبع سنوات، كم تقدر هذا المبلغ العظيم؟ أنا أقدر هذا المبلغ بخمسين ديناراً، أقرباؤه أعطوه عيديات، المبلغ مجموعه مئة دينار إذا كان الأهل أغنياء والوضع جيداً، الآن إذا قال مسؤول بالبنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً، كم تقدر هذا المبلغ؟ حرب العراق كلفت خمسمئة مليار دولار، وخمسة آلاف جندي قتلوا، وأنا أتصور لن تعاد هذه التجربة المرة إطلاقاً، لأن أي عميل من عملاء أمريكا يقوم بعشرة أضعاف هذا العمل مجاناً، هذا الذي يحدث في الأرض الآن، أي كلمة عظيم من مسؤول بالبنتاغون لا تعني مئة دينار تعني خمسمئة مليار، فإذا قال الله عز وجل وهو خالق السموات والأرض:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113 ]

 كلمة عظيم من طفل تقدر برقم، وكلمة عظيم من مسؤول بالبنتاغون تقدر برقم، وكلمة عظيم من خالق السموات والأرض تقدر برقم، قال تعالى:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113 ]

 هذا كلام خالق السموات والأرض، أي إذا عرفت الله عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 لو يعلم المعرضون الذين شردوا عن الله:

(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين؟ ))

[ورد في الأثر]

(( إذا رجع العبد إلى الله، نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ورد في الأثر]

 من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا، أي أنت كائن حادث، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 1]

 مرة أنت تصفحت كتاباً فوجدت أن هذا الكتاب طبع عام ألف وثمانمئة وستة وسبعين، وأنت ولدت عام ألف و تسعمئة وسبعة وثلاثين، مثلاً أثناء تنضيد حروف هذا الكتاب من أنت؟ أنت لا شيء، لم تكن شيئاً مذكوراً، ما كان لك وجود أصلاً، وجودك طارئ، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 1]

 ما كنت شيئاً إطلاقاً.

 

يوم القيامة يوم حقّ :

 لذلك قال تعالى:

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة النبأ: 1-2]

 نحن نقول: يوجد يوم قيامة، أنا أرى أن هذا اليوم حق، لأن الله أخبر به، لكن هناك يوماً لعله أخطر هو يوم وفاة الإنسان، لا يوجد شيء غائب عنكم إطلاقاً، نحن جميعاً من دون استثناء، مكانتك الاجتماعية، أموالك المنقولة وغير المنقولة، منصبك الرفيع، رب أسرة، عميد عائلة، كل هذه المكانة تستمدها من نبض القلب، فإذا توقف القلب انتهى كل شيء، أعرف شخصاً من بلادنا يملك فندقاً في باريس من ثمانين طابق، وفي أرقى أحياء باريس الشانزليزيه، وهذا الفندق دائماً ممتلئ، ثمانون طابقاً وكل طابق يتألف من أربعين غرفة، وهذا الفندق خمس نجوم، ويبدو أن موقعه استراتيجي جداً، ثمانون طابقاً ضرب أربعين غرفة، وكل يوم أربعمئة دولار أحياناً، هذا الدخل يومي، كل هذه الثروة الطائلة منوطة بضربات القلب، توقف القلب، كل هذا المال تحول إلى غيرك، مكانتك، هيمنتك، حجمك المالي، الأموال المنقولة وغير المنقولة، مساحة بيتك، نوع مركبتك، مزرعتك، هذا كله مرتبط بنبض القلب، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.

 

بطولة الإنسان أن يعرف الله و يطيعه :

 أيها الأخوة الكرام؛ العقل كل العقل، والذكاء كل الذكاء، والتوفيق كل التوفيق، و التفوق كل التفوق، أن تعرف الله، وأن تطيعه، قال تعالى:

﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد فازَ فَوزًا عَظيمًا ﴾

[سورة الأحزاب: ٧١]

 مرة كنت بجلسة، يوجد دروس بالجامع وأحياناً يكون اللقاء في بيت، في الجامع الإلقاء من قبلي، أما في البيت فهناك حوار، سؤال و جواب، وهناك أشخاص يميلون أكثر للحوار، يسأل سؤااًل يسمع الجواب ويناقش، أو يعترض، أو يؤكد.
 مرة كنت بجلسة خاصة، وطبعاً يكون فيها أشخاص من أطياف المجتمع، وهناك طيف قال لي: تقول إن المؤمن سعيد، لا، ليس سعيداً، هكذا قال لي، قلت له: اشرح، قال: إذا كان هناك موجة حر شديدة يتحملها المؤمن مثل الكافر، وإذا كان هناك غلاء أسعار يتحملها المؤمن مثل الكافر، فالمؤمن ليس له ولا ميزة، هكذا رأيه، قلت له مثلاً، لو أن إنساناً فقيراً جداً- معنى فقير أي عنده ثمانية أولاد، ودخله خمسة آلاف لا يكفيه لعشرة أيام، وبيته بالأجرة، وعليه دعوى إخلاء- أنا ركّبت مثالاً معقداً، فقير، ثمانية أولاد، دخله خمسة آلاف، لا يكفيه إنفاق عشرة أيام في الشهر، عليه دعوى إخلاء. قال لي: وضعه صعب جداً. قلت له: لديه عم يملك خمسين مليوناً، ومات بحادث وليس عنده أولاد، من وريثه الوحيد؟ ابن أخيه، خلال ثانية من إعلان وفاة عمه ملك هذا الشاب خمسين مليون دينار، حتى يقبضها يحتاج إلى سنة، حتى يصير حصر إرث، والطريق طويل في الدول النامية، لكن أثناء الإجراءات القانونية وحصر الإرث ونقل الملكية من المتوفى إلى المالك الجديد لماذا في هذا العام يكون هذا الشخص أسعد إنسان مع أنه لا يأكل لقمة زيادة؟ لا يتمكن أن يشتري شيئاً؟ لأن هذا الإنسان دخل في الوعد، اسمع القرآن الآن، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة القصص :61 ]

الموازنة بين المؤمن و الكافر :

 في القرآن عدة آيات فيهم موازنة دقق، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾

[سورة السجدة:18]

 بالمنطق كمن كان كافراً، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

 معنى ذلك غير المؤمن حتماً سوف يفسق، من لوازم عدم الإيمان الفسق:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

 الآية الثانية صدقوا ولا أبالغ لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآية لكفت، قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[سورة الجاثية:21]

 يقول لك: هل هما سواء بالآخرة؟ لا، في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى:

﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية:21]

 محياهم، أي حياة المؤمن غير حياة الكافر، مشاعر المؤمن غير مشاعر الكافر، قيم المؤمن غير قيم الكافر، سعادة المؤمن غير سعادة الكافر، استمتاع المؤمن في الدنيا غير استماع الكافر، يوجد استمتاع مع طمأنينة، استمتاع مع شعور بالسكينة، استمتاع مع شعور بالرضا، استمتاع مع شعور بالتألق، استماع مع القرار الحكيم، مع الرؤية الثاقبة، مع التوازن النفسي، مع الإحساس بالأمن، لذلك الحديث الشريف:

(( استقيموا، ولن تحصوا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

 لن تحصوا الخيرات.

 

أعظم حدث على الإطلاق حدث الموت :

 أيها الأخوة الكرام؛ عندما يقول الله عز وجل:

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة النبأ: 1-2]

 أنا لا أرى وأنتم معي في الأعم الأغلب أن حدثاً يفوق حدث الموت، والله سمّى الموت مصيبة، قال تعالى:

﴿ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾

[ سورة المائدة:106]

 لا يوجد شخص منا إلا وله أقرباء توفوا، هذا البيت من اشتراه؟ أنا أذكر هنا دعيت مرة إلى إلقاء محاضرة، كان الحي فقيراً جداً، ودعيت بيوم واحد إلى سهرة بعبدون، وهذه بأرقى أحياء عمان، فبالبقعة قلت للأخوة الكرام: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فالنبي هش له وبش، وقال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، هذا الرجل كأنه صُعق، قال له: أنا؟ قال له: أنت، قال له: أو مثلي؟ قال له: نعم يا أخي، أنت خامل في الأرض علم في السماء.
 قد يكون الإنسان فقيراً لكن علاقته مع الله قوية جداً، صلاته متقنة، مستنير، له مع الله خط ساخن، هذا الإنسان أسعد إنسان، ووضعه المادي أقل من الوسط، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص :61 ]

 فأنا في البقعة قلت لهم: هذا الرجل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي هش له وبش، وقال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، هذا الرجل كأنه صُعق قال له: أو مثلي؟ قال له: نعم يا أخي، أنت خامل في الأرض علم في السماء.
 هذه حالة، ولحكمة بالغة بالغة بنفس الليلة من البقعة لعبدون، دخلت إلى بيت ما شاء الله مثل الخيال، مساحات، تزيينات، فازات، ثريات، سجاد إيراني، صالونان، أنا ما تكلمت ولا كلمة هناك إلا أنني تكلمت مع نفسي - هذا يسمونه مونولوج داخلي- من اشترى هذه الثريات؟ المرحوم، أين المرحوم؟ تحت الأرض، من اختار هذا البلاط الإيطالي الذي أحضروه بالشحن الجوي؟ المرحوم، أين المرحوم؟ تحت الأرض، من اختار الجبصين والتزيين في زوايا السقف؟ المرحوم، أين المرحوم؟ تحت الأرض، من اختار هذا الأثاث الرائع؟ طقم كنبات إيطالية مستوردة غالية جداً، من اختار السجاد الذي يأخذ بالألباب؟ المرحوم، أين المرحوم؟ تحت الأرض، أنا أعرف رجلاً من أغنياء الشام، البيت في الشام قبل عشرين سنة بأربعة ملايين أو خمسة، إذا كان مرتباً وواسعاً يصل إلى عشرين مليوناً، هذا الشخص والد صديقي، بيته بأرقى أحياء دمشق، ثمنه مئة وثمانون مليوناً، البيوت ثمنها في ذلك الوقت ثلاثة ملايين أو خمسة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين مليوناً، ثمن بيته مئة وثمانون مليوناً، عنده معمل نسيج، وابنه صديقي الحميم، توفي الوالد أنا كنت بالجنازة، شيع إلى مقبرة كبيرة في الشام اسمها باب صغير، فتحوا القبر وجدوا فيه مياهاً سوداء، مياه بعض المجارير تسربت إلى القبر، والقبر فيه مياه سوداء، فسألوا ابنه وهو صديقي ماذا نفعل؟ قال: ضعوه، والله بقيت تقريباً أسبوعاً لا أستطيع أن آكل، أعرف هذا الشخص، أعرف الأثاث الذي في بيته، بيته حوالي أربعمئة وخمسين متراً، جناح شرقي، جناح غربي، تكييف مركزي، سجاد إيراني، أثاث إيطالي، شيء غير معقول، هذا الإنسان وضعوه في هذا القبر، وفيه والله مياه سوداء، مجارير، الأثر القدسي: عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 والله يا أخوان وأنا واحد منكم؛ العقل والذكاء والتفوق والنجاح والتألق والتوفيق في طاعة الله، في إقامة الإسلام في بيتك، وفي عملك، وفي نفسك، والدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طماعة عودها القناعة.
 عندنا حي في الشام مرتفع، والأبنية في هذا الحي تطل على دمشق بأكملها، منظر جميل جداً، اشترى أحدهم بيتاً في الطابق الثاني عشر، لم تعجبه كسوة البيت، أنا أقول كلاماً دقيقاً: كسر البلاط، نزع النوافذ، أعاده على الهيكل، وبدأ يكسوه كسوة من أعلى مستوى، في دمشق الألمنيوم النادر سعره مرتفع جداً، البلاط، الرخام، كل البيت كسره، استغرق سنتين وهو يكسوه، و هو يتمتع بذوق عال جداً، بعدما انتهت الكسوة بأيام وافته المنية، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.

من عاش تقياً عاش قوياً :

 الله قال:

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾

[ سورة الملك:15 ]

 أي اشتغل، واجمع مالاً، وأنفقه على أهلك، وادفع صدقة منه، وأمن مستقبلك بإنفاق هذا المال، لا تنس آخرتك، أما الإنسان إذا انغمس في الدنيا فأنا أسميه مغامراً ومقامراً، يقامر بسعادته الأبدية، لأنه هو تحت رحمة هذا النبض، فإذا توقف انتهى، يوجد مذيع تلفزيوني أجرى معي تقريباً مئتي حلقة، فصار هناك احتكاك شديد بيننا، أنا لا أزكيه على الله لكنه كان صالحاً، عمره واحد وخمسون عاماً، منذ يومين توفي، لا يشكو من شيء، يعتني بصحته عناية تفوق حدّ الخيال، وسيم جداً، وأنيق جداً، يسمونه بالشام: لبّيساً، عندنا أربعة أفعال أو خمسة، لبّيس، سكّين، ركّيب، يقولون: مركبته غالية جداً، إذا كان أنيقاً جداً فهو لبّيس، وإذا بيته جميل جداً فهو سكّين، منذ يومين توفي، نظرت إذا الإنسان لم يرسم آخرته، ويفكر بآخرته، ويفكر بما بعد الموت، ويفكر أن الطفل عندما يولد كل من حوله يضحك، وهذا الطفل يبكي وحده، فإذا وافته المنية كل من حوله يبكي فالبطولة أن يضحك وحده، قال تعالى:

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾

[ سورة يس: 26-27]

 أعرف رجلاً هو أحد أخوتنا في الشام، بلغ من العمر سبعة وتسعين عاماً، أنا زرته مرة فقال: عملت البارحة فحوصاً كاملة فكان كل شيء طبيعي، عمره سبع وتسعون سنة.
 كان لدينا عالم في الشام اسمه الشيخ السفرجلاني، بلغ من العمر سبعة وتسعين عاماً، منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، فإذا سئل: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 لي صديق حميم بأحد أيام العيد أردت أن أزوره في البيت، طرقت الباب فتح الباب رجل كبير في السن، أنا توقعت أن عمره ثمانون سنة، فإذا هو فوق التسعين، قال لي: محمد ليس موجوداً، تفضل بالدخول خمس دقائق، قلت له: سأدخل، ودخلت، قال لي بالضبط: أنا عمري سبع وتسعون سنة بالضبط، أجريت البارحة تحليلات كاملة، وكانت النتائج أن كل شيء طبيعي، سبع وتسعون سنة تحليلات كاملة، كله طبيعي طبيعي، قال لي: والله أنا لا أعرف الحرام في حياتي، وشرح لي، لا حرام النساء، ولا حرام المال، حرام النساء الزنا، وحرام المال الكسب غير المشروع.

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :

 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ هناك نقطة دقيقة دقيقة الحظوظ، ما الحظ؟ المال حظ، الوسامة حظ، الذي معه شهادة عليا تمكن أن يدرس ويأخذ دكتوراه أيضاً حظ، الصحة حظ، الذكاء حظ، العمر المديد حظ، حظه نصيبه، ليس لهم حظ في الآخرة، ليس لهم نصيب، الحظ هو النصيب، الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، مثلاً لو أن شخصاً حظه في الدنيا الفقر، والثاني حظه في الدنيا الغنى، إنسان عنده ثمانية أولاد، ومعاشه ثلاثمئة دينار في الشهر، وبيته بالأجرة، وإنفاقه صعب جداً، هذا حظه قليل من المال، و إنسان آخر معه أموال طائلة، فحظه من المال كثير، فالحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، فالغني مبتلى بماله، أي ممتحن، والفقير مبتلى بفقره، والوسيم مبتلى بوسامته، والدميم مبتلى بدمامته، والذكي مبتلى بذكائه والغبي مبتلى بغبائه، هذه حظوظ موزعة في الدنيا، والدليل قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء : 21]

 عفواً بائع متجول مثل رئيس غرفة التجارة؟ هناك فرق كبير، جندي ملزم بالخدمة الإلزامية، ملتحق بالجبهة، الدنيا شتاء، الأمطار غزيرة، وعنده حراسة، والأمطار تنهمر عليه، و آخر جالس في بيت خمس نجوم، مدفأ، مكيف، له ما لذّ وطاب من الطعام، هذا حظ وهذا حظ، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء : 21]

 اللواء بالجيش مثل الجندي؟ البائع المتجول مثل رئيس غرفة التجارة؟ لا، المعلم بالقرية مثل أستاذ الجامعة؟ لا ، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 21]

 إذاً قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 حظوظ الدنيا مؤقتة، وحظوظ الآخرة ثابتة، حظوظ الدنيا متفاوتة ومؤقتة ولا معنى لها، والموت واحد:

ليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت ميت الأحياء
***

 الموت واحد، أما الآخرة فهناك تفاوت في عليين، هناك فردوس، و فردوس الأعلى، إلى آخره، قال تعالى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة: 22-23]

 وفي بعض الآثار: الإنسان إذا رأى وجه الله الكريم يغيب من نشوة النظرة خمسين مليون عام.

 

تعريف الأبد :

 ما هذا الأبد يا أخوان؟ قال تعالى:

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾

[ سورة الطلاق : 11]

 واحد هنا وأمامه ثلاثة أصفار ألف، ثلاثة أخر مليون، ثلاثة أخرى ألف مليون، ثلاثة رابعة مليون مليون، للحائط؟ لا ليس للحائط بل لدمشق، لا لحلب، لا للقطب، لا الواحد في الأرض والأصفار للشمس، مئة و ستة و خمسون مليون كيلومتر، وكل ميلي صفر، ما هذا الرقم؟ هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية قيمته صفر، إذاً يجب أن يكون هناك مكان للعمل الصالح، مكان للرقي، مكان للتألق، مكان لدفع ثمن الجنة، قال تعالى:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 32]

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة الكرام؛ قضية الدين قضية مصيرية، قضية خطيرة، قضية سعادة أو شقاء، حياة أو موت، الله وصف الكفار بأنهم:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

 قلبه ميت، وصف الأتقياء بأنهم سعداء، أعرف شخصاً في الشام توفي رحمه الله، توفي في رمضان ليلة القدر، وهو يقرأ القرآن، هذا هوايته لا يوجد شاب من شباب العائلة الكريمة إلا زوجه وأمن له بيتاً، همه الوحيد أن يؤمن للشباب بيوتاً ويزوجهم، هذا عمل كبير جداً، فأنت في النهاية حجمك بحجم عملك الصالح، والدليل قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 فالحجم عند الله بحجم عملك الصالح، نسأل الله أن يلهمنا الصواب، ويلهمنا عملاً صالحاً، قال: إذا أحبّ الله عبداً عسله قيل وما عسله؟ قال: رزقه عملاً صالحاً ثم توفاه عليه.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018