الدرس : 168 - الاستعداد لرمضان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 168 - الاستعداد لرمضان.


2015-06-11

أنواع الذنوب :

 أيها الأخوة الكرام؛ ملاحظة إدارية نحن إن شاء الله في هذا الشهر الكريم شهر رمضان المبارك درس بعد الفجر، ودرس بعد التراويح، أو بعد الركعة الثامنة من التراويح، إن شاء الله، وأنا عادتي قبل رمضان بأسبوع أعمل إجازة، عندي عدة دعوات خارج عمان، وأنا مستعد لشهر رمضان، فهناك عطلة بدءاً من الغد وحتى أول أيام رمضان المبارك.
 الشيء الدقيق أن هذا الشهر فرصة، تاجر عليه مئات الملايين من الديون، قيل له: افعل لثلاثين يوماً هذه الأفعال وأنت معفى من كل هذه الديون، اسمع الحديث الشريف:

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 ممكن برمضان أن تفتح مع الله صفحة جديدة، وأن كل الذنوب التي بينك وبين الله تغفر، أما ما كان بينك وبين العباد فلا يترك، لا بد من الأداء والمحاسبة، وما كان من نوع الشرك لا يغفر، ذنب لا يغفر وهو الشرك، وذنب يغفر وهو ما كان بينك وبين الله، وذنب لا يترك، فرمضان فيه مغفرة لما كان بينك وبين الله، أنا أريد أن أنفي الوهم عند معظم المسلمين، عليه ديون، عليه حقوق، الميراث ما وزعه بشكل صحيح، هذه الذنوب لا تغفر في رمضان، حقوق العباد لا بد من أن تؤديها أو يسامحوك، بالأداء أو بالمسامحة، لكن ما كان بينك وبين الله يغفر، فكل وهم أن أنت بالصوم رجعت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، هذا كلام النبي الكريم كيوم ولدتك أمك فيما بينك وبين الله، لكن فيما بينك وبين العباد فهذه الذنوب لا تغفر إلا بالمسامحة أو الأداء، لكن الشرك، الشرك كلام دقيق، مثلاً إنسان عنده سفر إلى مدينة ما، ركب القطار ارتكب غلطاً؛ قاطع درجة أولى لجهله بنظام الركوب ركب درجة ثالثة، مع شباب أزعجوه إزعاجاً كثيراً، هذه غلطة، ركب بعكس اتجاه القطار صار معه دوار، يوجد قاطرة فيها طعام نفيس لا يعرف تلوى من الجوع، ثلاث غلطات، لكن القطار سيصل إلى الهدف أكل أو لم يأكل، ركب أولى او ثالثة، مع شباب وقحين أو مع شباب كبار، القطار سيصل، لكن الغلطة التي لا تغفر، يكون لك بدمشق دين مليون ليرة، ركبت قطار للعقبة، هذا عكس اتجاهك، هذا ذنب لا يغفر، أنت توجهت إلى غير الله، ما دام التوجه إلى الله كل شيء يحل، أما التوجه لغير الله فهذا ذنب لا يغفر، فذنب لا يغفر في رمضان، وذنب لا يترك، وذنب يغفر.
 جميع الأحاديث التي تشير إلى أنه من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 فأنت معك فرصة أن تصوم رمضان، وأن تقوم ليل رمضان، قيام الليل في رمضان هو صلاة التراويح، طبعاً ممكن أن تؤدى في المسجد، أو في البيت، أو في البيت والمسجد كلاهما، إن شاء الله موعدنا أول يوم من أيام رمضان نأتي نشطاء إن شاء الله، ومستعدين لصيام هذا الشهر الكريم.

رمضان شهر عبادة و خلوة مع الله :

 الآية اليوم لها سؤال أول: قل ما الذي يفرحك أقل لك من أنت، لأن الله عز وجل قال:

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

[ سورة يونس : 58 ]

 عندما توفق إلى صيام رمضان صياماً تاماً فيه غض بصر، وفيه حفظ لسان، أما إذا كان رمضان - والعياذ بالله - انقلب عند عامة المسلمين إلى شهر الولائم، وشهر السهر حتى الفجر، على مسلسلات، وعلى جلسة مختلطة، هناك اختلاط و مسلسلات، ونحن صائمون، هذا الصوم لم يعد عبادة، صار عادة من عادات المسلمين، وأكثر البرامج الفنية يقول لك: إكراماً لشهر رمضان المبارك، تكون التمثيلية متدنية المستوى، وكلها إثارات، ومخالفة للشرع، هذه إكراماً لشهر رمضان المبارك، هذه مشكلة العالم الإسلامي، صار الدين فلكلوراً، تقاليد، عادات، سهرة مختلطة للسحور، والنساء غير ملتزمات، وهناك نساء أجنبيات في السهرة ويرتدون طويلاً وقصيراً، ونضحك مع بعضنا ونحن في رمضان، هذا شهر عبادة، أنا لا أقدر أن أطلب منكم طلباً، لكن أكثر الولائم في رمضان أجلها لبعد العيد، دع رمضان شهر عبادة، أما أن يكون شهر ولائم، الإنسان في العادة يأكل ثلاث وجبات في الإفطار، في رمضان أيضاً ثلاث وجبات؛ وجبة على الإفطار، ووجبة الساعة الثانية عشرة، ووجبة على السحور، وما لذّ وطاب، ويزيد وزنه في رمضان بدل أن ينقص.
 إذا حاولنا أن يكون هذا الشهر شهر عبادة، شهر خلوة مع الله، شهر القرآن، تلاوة القرآن، نقرأ ختمة أو ختمتين في رمضان، غض بصر حازم، البعد عن البرامج الفنية التي تقام في رمضان، أيها الأخوة الكرام؛ هناك خطورة بالبرامج كبيرة جداً، كيف؟ كل واحد منا عنده ما يسمى خطوط دفاع، أنت كونك مسلماً وتقرأ القرآن وتخاف الله وهناك جنة ونار، لا تقبل بالزنا أبداً، لكن أحياناً يتسرب إليك هذا الزنا زنا البصر، فعندما تشاهد برامج فنية هابطة ليس عن الصحابة بل برامج هابطة، هذه البرامج تبعدك عن الله عز وجل.

الابتعاد عن الغش و المعصية و قول الزور :

 الله عز وجل منع عنك الطعام والشراب وهو مباح خارج رمضان، منع عنك الطعام والشراب في رمضان كي تقع مع نفسك في موقف حرج، أنت تركت الطعام هل يعقل ألا تترك المعصية؟ تارك الطعام، تارك الحلال، و لم تعمل شيئاً إطلاقاً، يقال: أحل من حليب أمه، أنت منعك الله أن تأكل الطعام والشراب ليكون ترك المعصية من باب أولى، مثلاً قال تعالى:

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 لا يوجد آية بالقرآن إطلاقاً تؤكد ولا تضربهما، إذا كان ممنوع أن تقول لهما: أف، فعدم الضرب من باب أولى، إذا أنت منعك الله من أبسط عمل مع الأم والأب، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾

[ سورة الإسراء: 23]

 العلماء حملوا على أف حالات كثيرة، ما بر أباه من شدّ نظره إليه، هذه مثل أف، ما بر أباه من أغلق الباب بقوة، كلفه بعمل لم يعجبه فأغلق الباب بعنف، والله يوجد عشرون أو ثلاثون حالة بعلاقة الابن مع أبيه مثل أف تماماً، الله عز وجل ذكر لك أبسط شيء، إذا أبسط شيء محرم، الذي فوقه من باب أولى محرم، أنت ممنوع أن تأكل أكلاً عادياً، عندك صحن جبن وكأس شاي على السحور، ممنوع أن تأكل في النهار جبنة وشاي، ممنوع أن تشرب كأس ماء فلأن تدع الكذب - لا سمح الله - والغيبة والنميمة وقول الزور، ما قول الزور؟ واسع جداً كل أنواع الغش تدخل في قول الزور، قماش وطني للمعاطف النسائية، يوجد شريط ذهبي تشتريه من السوق يحتاج إلى مكواة، تضع الشريط على طرف الثوب وتكويه فيعتقد الشاري أن هذا القماش صنع في إنكلترا، وأغلى أنواع الجوخ هو الجوخ البريطاني، أنت تبيع هذا القماش على أنه مستورد، وتأخذ ثمنه أربعة أضعاف، هذا قول الزور، كل أنواع الغش تدخل في قول الزور، وهناك مليون نوع للغش، يقول لك: أنا عندي بستان فيه أشجار زيتون، قطفت الزيتون، وذهبت إلى المعصرة، وعصروه أمامي وأنا واقف، ثم أخذت الزيت من المستودع، ما قولك ببرميل زيت نباتي على السقيفة، موصول لمكان جمع الزيت يفتحه فتحة قدر نصف الزيت، وأنت أمامك وضعوا الزيتون في المعصرة وعصروه ثم عبأ لك الزيتون الذي أحضرته وأكمل نصفه بالزيت النباتي؟ هذا الغش، قول الزور، كل أنواع الغش في قول الزور، قال لي بائع أقمشة تأتيه أخت تريد مانطو يريها واحداً، تقول لها، هل هناك أحسن؟ يقول لها: نعم، و يكون نفس التوب ونفس النوع يطلب من ابنه أن يحضره، و يوهمها أن هذا غير الثاني، كله وهم، نصف حياة الناس غش، نصف حياة الناس إيهام، لذلك قول الزور شيء خطير جداً.

الاستقامة على أمر الله عز وجل :

 ما معنى صائم؟ لا يتكلم كلمة خاطئة، ولا يبيع بيعة غير صحيحة، أذكر مرة قال لي أحد الباعة: هو يبيع قطع تبديل مرسيدس، عنده قطعة مضى عليها سبع سنوات، سعرها مرتفع جداً، وتنتقل من جرد لجرد لجرد، جاء إنسان يريدها، قال له: عندك هذه القطعة؟ قال: نعم، قال له وهو على السلم: أصلية؟ قال له: لا والله ليست أصلية، قال له: أنزلها. صارت حلالاً، لو قال له: نعم أصلية، البيع حرام، ثمنها سبعة وعشرون ألفاً.
 ماذا تفكر؟ إله يشرع لك، تضحك على الزبون، أنت أيها الأخ عندما تدخل الله في حساباتك أنت أذكى إنسان، أعقل إنسان، أنت الموفق، أنت الناجح، وهناك أشياء كثيرة في حياتك، طالما أنت صادق بيعك حلال، اترك هذه البضاعة درجة عاشرة لكن سعرها رخيص، ليس ممنوع أن تبيع البضاعة من الدرجة الثانية أو الثالثة، سعرها يتناسب معها، لا تأخذ بضاعة درجة عاشرة وتبيعها أولى وتضحك على الزبون:

(( غبن المسترسل ربا ))

[ أخرجه البيهقي عن علي بن أبي طالب وقال المناوي: قال الحافظ: هذا سند جيد]

 من هو المسترسل؟ الذي لا يعرف، ما عنده إمكان ليعرف، وهناك أساليب، مثلاً عندك قماش سيئ جداً لا يباع معك، تفصل بنطالاً وتلبسه أنت، هل هذا جيد؟ أنا ألبس منه، إذا كنت أنت تلبس منه صار أصلياً؟ التجارة مع الله ليس معها ذكاء، مع الله يوجد استقامة فقط، قد تكون أذكى من الشاري، وأكثر الباعة إذا كانوا غير ملتزمين، عندما يشعر أن هذا الزبون لا يعلم يقول: ضربة معلم، ثلاثة أضعاف، ثم يكتشف بعد حين هكذا كان سعرها في ذلك الوقت الآن تغير سعرها، فأنت عندما تعرف أنك محاسب على كل كلمة أنت مسلم، انظر:

(( ... أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس وهو ضعيف ]

 أي يجب أن يكون في الطعام سمن بلدي مثلاً؟ أطب مطعمك، يكون اللحم غالياً، أطب مطعمك أي اشتر طعاماً بمال حلال، المال الحلال لا يوجد به غش، ولا تزوير، ولا مبالغة، وهناك مليون أسلوب للبيع والشراء أن يكون بيعك حراماً، مثلاً مادة غذائية كالطحينة، هل تعرفونها؟ يوضع بها مادة السبيداج، هذه مادة مسرطنة توضع بالدهان، يصبح لونها أبيض فيرتفع سعرها عشر ليرات، الطحينة الغامقة ليست مطلوبة، البيضاء مطلوبة، ماذا يوجد بالطحينة البيضاء؟ سبيداج، مادة مسرطنة، لا يهمك صحة الزبون؟ والله يا أيها الأخوة الكرام؛ استطاع أن يصنع لبناً مصفى من غير الحليب، و رأس ماله العشر، انتهى ثم جن وصار يمشي عارياً في الطريق تماماً، حصّل أرباحاً مذهلة، بعت عشر سنوات الناس لبناً وهو ليس له علاقة بالحليب إطلاقاً، لا أذكر ما تركيباته الآن ممكن أن تعمل اللبن على أنه لبن مصفى مئة بالمئة، ولا أحد يعرف، ليس من الحليب، وما مات إلا وهو مجنون، وكان يمشي في الطريق عارياً كما خلقه الله، الله كبير والله أقول: الله كبير لا أشبع منها، إياك أن تغلط معه، إياك، هذا الإنسان فقير، دخله محدود، جاء لعندك يريد شيئاً مرتباً، بعته شيئاً سيئاً جداً بأسلوب ذكي، أنت سرقت منه المال، هذا القماش يساوي العشر، أخذت منه عشرة أضعاف على أنه أجنبي، هذه المشكلة، لا يوجد نصر، مليار وسبعمئة مليون، ليست كلمتنا هي العليا، وليس أمرنا بيدنا، هناك مئة وعد في القرآن، الوعود كلها معطلة، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

الانتماء الحقيقي للدين :

 والله زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، والوعود كلها معطلة، أين؟

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 نحن الآن مليار وسبعمئة مليون، مغلوبون وبلادنا كلها مؤامرات، والغرب متمكن منا، تمكنه عجيب جداً، لا يوجد بلد مرتاح أبداً، استعرض الآن خمس عواصم عربية محتلة، من جهات بعيدة عن الله عز وجل، محتلة بشكل كامل، فأين:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس وصححه الحاكم في المستدرك]

 أقسم لكم بالله: اثنا عشر ألفاً بأي بلد لا يمكن أن يغلبوا إطلاقاً إذا كانوا صادقين، مؤمنين، أما الانتماء الشكلي فلا يقدم ولا يؤخر، نريد انتماء حقيقياً، نريد أن تقيم الإسلام في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، وعندئذ تنتهي مهمتك، وأنت عند الله معذور، أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك.

رمضان شهر الصلح مع الله :

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون رمضان عبارة عن فتح صفحة مع الله جديدة، هذا شهر الصلح مع الله، شهر العبادة، وقدر ما تستطيع ابتعد عن المناسبات الاجتماعية، وعن السهرات المختلطة، التي هي بالأساس حرام، ابتعد عن المعصية قدر ما تستطيع، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[سورة هود: 112 ]

 فإذا طبقنا المنهج في بيتنا، وفي علمنا، وبأنفسنا، لعل الله عز وجل يجعل هذا الشهر عتقاً من النار.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018