الدرس : 130 - الدين الإسلامي لن تقطف ثماره إلا إذا أخذ من كل جوانبه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 130 - الدين الإسلامي لن تقطف ثماره إلا إذا أخذ من كل جوانبه.


2015-02-17

إحاطة الإسلام من جميع جوانبه :

 أيها الأخوة الكرام، الحقيقة الدقيقة والعميقة أن هذا الدين لن تقطف ثماره يانعة إلا إذا أحطته من كل جوانبه، فإذا كنت انتقائياً أخذت من الدين ما يعجبك، وتجاوزت عما لا يعجبك، إنسان ينمي أمواله بفوائد ربوية، فممكن أن يعجبه من الدين أشياء كثيرة ويطبقها، إلا أن موضوع الربا يتجاوزه، هذا اسمه انتقائي، أي أخذ ما يعجبه، وترك ما لا يعجبه، هذا الدين لن تقطف ثماره إلا إذا أحطته من كل جوانبه، إلا إذا أخذته كله، ما أعجبك وما لم يعجبك، فإذا كنت انتقائياً أصبح الدين فولكلوراً، تراثاً، بمصطلحات معاصرة له خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، توجهات إسلامية، هذه كلها ليست إسلاماً، الإسلام أن تحوطه من كل جوانبه، أن تأخذه بأكمله، فلذلك الآية تقول:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا ما لَكُم إِذا قيلَ لَكُمُ انفِروا في سَبيلِ اللَّهِ اثّاقَلتُم إِلَى الأَرضِ ﴾

[ سورة التوبة: ٣٨]

 آثرت السلامة:

﴿ أَرَضيتُم بِالحَياةِ الدُّنيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنيا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَليلٌ﴾

[ سورة التوبة: ٣٨]

من استقام على أمر الله ألقي في قلبه الأمن و الحكمة :

 مرة كنت في جلسة فذكرت سعادة المؤمن، فقال لي أحد الحاضرين - ولعله صديق أحد المدعوين وكان علمانياً، هذه ألطف كلمة لإنسان ملحد-: تقول إن المؤمن سعيد، هذا ليس صحيحاً، قلت له: اشرح؟ قال لي: إذا كان هناك موجة حر شديدة يتحملها المؤمن كغيره، وإذا كان هناك غلاء شديد يتحمله المؤمن كغيره، ليس له ميزات إطلاقاً، قلت له: تماماً، اسمع هذا المثل إنسان عنده ثمانية أولاد، ودخله لا يكفيه مصروف عشرة أيام، وقع تحت الديون، وبيته غرفة واحدة، وبالأجرة، وعليه دعوى إخلاء، ما وضع هذا الإنسان؟ قال لي: صعب جداً، أنا اخترت حالة صعبة جداً، ثمانية أولاد، دخل محدود جداً، بيت بالأجرة، يوجد دعوى إخلاء، قلت له: لهذا الإنسان عم يملك خمسمئة مليون، وليس له أولاد ومات بحادث، خلال ثانية انتقلت الخمسمئة مليون لهذا الفقير، لكن إجراءات الروتين وحصر الإرث وبراءة الذمة تحتاج إلى سنة، الروتين يلغي أي تقدم، عمه مات فجأة و معه خمسمئة مليون، فهذا المبلغ بأكمله انتقل له حكماً، أما الإجراءات فطويلة، هناك معاملات معقدة جداً حصر إرث، وصايا، لماذا هو في هذا العام الذي جاء عقب وفاة عمه أسعد إنسان مع أنه من الناحية المادية لم يأكل لقمة زيادة ولم يتمكن أن يشتري معطفاً لكن بماذا دخل؟ دخل بالوعد، الآن اسمع القرآن:

﴿أَفَمَن وَعَدناهُ وَعدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقيهِ ﴾

[ سورة القصص: ٦١]

 وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

﴿أَفَمَن وَعَدناهُ وَعدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقيهِ كَمَن مَتَّعناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنيا ثُمَّ هُوَ يَومَ القِيامَةِ مِنَ المُحضَرينَ﴾

[ سورة القصص: ٦١]

 فأنت عندما تستقيم على أمره تماماً، وحينما تصطلح معه، يلقي في قلبك أمناً لو وزع على أهل بلد لكفاهم، يلقي في قلبك حكمة.

 

الحكمة أعظم عطاء إلهي للمؤمن :

 ما معنى الأثر النبوي القدسي:" إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمار الأرض، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر"؟
 أي هل يوجد بهذا المسجد أثناء الدرس أو عقب الدرس فنجان قهوة لكل شخص؟ ولا كأس شاي، ولا شيء إطلاقاً، الجلوس على الأرض وغير مريح، إذاً ما هو العطاء الإلهي إذا زرته في بيته؟ إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمار الأرض، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور وهو الله أن يكرم الزائر، يكرمك بأن يؤتيك الحكمة:

﴿ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أوتِيَ خَيرًا كَثيرًا ﴾

[ سورة البقرة: ٢٦٩]

 بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة العاشرة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً، من دون حكمة تجعل الصديق عدواً، أنت بالحكمة تتدبر أمرك بمال محدود، من دون حكمة تتلف المال الكثير، أنا أكاد أقول: أعظم عطاء إلهي للمؤمن أنه يؤتى الحكمة، والحكمة لا تؤخذ بل تؤتى، لو أنها تؤخذ الأذكياء يكونون حكماء، بينما تجد أعقل العقلاء البعيد عن الله يرتكب حماقات لا يعلمها إلا الله، مع الله عز وجل يوجد استقامة لا يوجد ذكاء، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، الجد الذكاء مهما كنت ذكياً.

 

الأحمق من لا يدخل الله في حساباته :

 ترى إنساناً يتمتع بذكاء يفوق حدّ الخيال، لا يصلي، فلما ترك الصلاة ليس ذكياً، أحمق لأنه لم يدخل الله في حساباته، وأنا - اعتقاد شخصي- لم أجد إطلاقاً أغبى من الطغاة لماذا؟ لأنهم ما أدخلوا الله في حساباتهم، أغبى أغبياء الأرض هو الطاغية، أي ما أدخل الله في حساباته، أحياناً الإنسان يحسب حساب الدولة، يحسب حساب من حوله، هناك أشخاص كثيرون يحسبون حساب ألف جهة إلا الله، لم يحسب حساب أن هذا الإله الذي خلقه من ماء مهين ثم كبر وعمل بالتجارة وأصبح لديه ثروة كبيرة ينسى الله عز وجل؟ يقول لك:

﴿ إِنَّما أوتيتُهُ عَلى عِلمٍ عِندي ﴾

[ سورة القصص: ٧٨]

 يوجد عدة كلمات مهلكات أنا ولي وعندي، كلمات مهلكات، إنما أوتيته على علم عندي فلذلك الآية تقول:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا ما لَكُم إِذا قيلَ لَكُمُ انفِروا في سَبيلِ اللَّهِ اثّاقَلتُم إِلَى الأَرضِ أَرَضيتُم بِالحَياةِ الدُّنيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنيا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَليلٌ﴾

[ سورة التوبة: ٣٨]

 دعيت مرة إلى عمان، إلى إلقاء كلمة في البقعة، وكأنه قيل لي: من أفقر أحياء عمان، وفي هذا المكان قلت لهم: دخل على النبي الكريم رجل فقير جداً فهش له وبش، وقال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي أنت خامل في الأرض علم في السماء، ولحكمة بالغة بعد هذه المحاضرة دعيت إلى إلقاء كلمة في مسجد في أغنى أحياء عمان على الإطلاق، ذكرت هناك أن الإنسان يموت، يكون قد اشترى بيتاً مساحته تقدر بأربعمئة و خمسين متراً، واعتنى بكسوته عناية تفوق حدّ الخيال، كله رخام، المواد من أغلى الأنواع، وصالونات، وأبهاء، وغرف، وأجنحة، فهذا البيت لابد من أن يتركه، أعتقد يقيناً أن أي شيء تحبه في الدنيا لابد من أن يتركك أو أن تتركه، ولتكن زوجة، هناك مغادرة، عبدي رجعوا وتركوك، وبالتراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 ماذا يعني شخص مات؟ أي وضع في القبر، كان بقصر أصبح في القبر، كان أمامه زوجة يحبها وتحبه، بنات صبايا، أولاد نجباء، مكانة اجتماعية، لقاءات، سهرات، ولائم، سياحة، مكانة إلى قبر، فهذا الحدث الأخير الخطير يجب أن يدخل في حساباتنا جميعاً، تسأل نفسك عندما تعمل أي عمل: هذا العمل هل يقبله الله مني أم لا يقبله؟
 بلغني أن بعض الصالحين قصة قديمة جداً حفر في بيته قبراً وكان يضطجع فيه كل خميس ويتلو قوله تعالى:

﴿ رَبِّ ارجِعونِ*لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا فيما تَرَكتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: ٩٩-١٠٠]

 فيخاطب نفسه ويقول لها قومي لقد أرجعناك، لذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: أكثروا ذكر هادم الذات، مفرق الأحباب، مشتت الجماعات، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به.

 

العاقل من يدخل الموت في حساباته اليومية :

 فيا أيها الأخوة:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا ما لَكُم إِذا قيلَ لَكُمُ انفِروا في سَبيلِ اللَّهِ اثّاقَلتُم إِلَى الأَرضِ أَرَضيتُم بِالحَياةِ الدُّنيا مِنَ الآخِرَةِ ﴾

[ سورة التوبة: ٣٨]

 الآن اسمع وصف خالق الأكوان للحياة الدنيا قال:

﴿ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنيا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَليلٌ﴾

[ سورة التوبة: ٣٨]

 إذا شخص له عند لله مثلاً أربع و ثمانون سنة، اضربهم بثلاثمئة و خمسة و ستين يوماً، اضربهم بأربع و عشرين ساعة، اضربهم بستين دقيقة، اضربهم بستين ثانية، انظر إلى ساعتك كلما تحرك عقرب الثواني عمرك ينقص، إذا وصل إلى الصفر انتهى.
 هناك شخص من شدة فقره - هو جاهل - قرر أن ينتحر - القصة طبعاً رمزية -جاءه عزرائيل قال له: لا تنتحر، أنا سوف أدلك على طريقة تربح فيها أموالاً طائلة، اتخذ الطب حرفة، كلما التقيت بمريض سوف تراني إما أمام رأسه، أو أمام قدميه، أمام رأسه سوف يموت، لا تداوه، انسحب بانتظام، أمام رجليه سوف يعيش، صف له أي دواء سوف يُشفى، فهذا صار يطبب الناس، عندما يرى أن ملك الموت عند رأسه يقول: هذا ليس اختصاصي ينسحب، وعندما يراه عند رجليه يعالجه طبعاً، هناك أشخاص أغنياء يعطونه أموالاً طائلة، أصبح من أغنى الأغنياء، مرضت بنت الملك فذهب ليعالجها، رأى ملك الموت عند قدميها، قال الملك: الذي يشفي ابنتي أجعله ولي العهد، عالجها فشفيت، يوم تتويجه ولي العهد أتى ملك الموت قال له: تفضل، قال له: الآن؟ قال: الآن..
 فماذا يحدث مع الشخص؟ ينمي نفسه، يوسع بيته، يغير سيارته، يأخذ بيتاً في المصيف، وبيتاً على البحر، يأتي ملك الموت الذي جمعته بثلاث و ثمانين سنة درجة درجة، سنة سنة، يؤخذ منك في ثانية واحدة، هذه الحياة، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 ذكاؤك بطولتك عقلك حكمتك تقضي أن تدخل حدث الموت في حساباتك اليومية، هذه الصفقة لا ترضي الله فيها مادة محرمة، هذا الشريك مصر على بيع الدخان، لا أقبله، أفصل الشراكة ولا أظل معه، يجب أن تمشي بدقة، دخل حرام، علاقات محرمة، لقاءات محرمة، سهرات محرمة، لا تفرق العائلة، نحن عندنا اختلاط، يجلس خمسة شباب وزوجاتهم، هذه أجمل من هذه، لم تنظر إلا لها طوال السهرة مثلاً، لابد من غض البصر، ابتعد عن الاختلاط، بحياتنا تكون اجتماعياً، ولك مكانتك، وتدعو الناس لعندك، لكن لا يوجد اختلاط، التعبير العثماني سرمليك وحرمليك، لا يوجد اختلاط، والاختلاط له مضاعفات كبيرة جداً، ويكاد يكون من أكبر المعاصي، لأن الإنسان قد يملأ عينيه من محاسن امرأة لا تحل له ويشتهيها.
 أنا أعرف والله أسرتين سافرتا إلى الساحل لقضاء إجازة هناك، يبدو هناك اختلاط كامل، عادا، كلا الرجلين طلق زوجته وتزوج زوجة الآخر، شخص عنده ستة أولاد والآخر خمسة، تقول: لا نريد أن نفرق العائلة، لا، يجب أن تفرقها، قسم للنساء، قسم للرجال، هذه الحقيقة المرة، لا تقل هكذا نشأنا، هكذا أبي وأمي، المرأة التي لا تحل لك تشتهيها قولاً واحداً وأكبر من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( الحَمْوُ الموتُ))

[البخاري ، ومسلم ، والترمذي]

 أخت زوجتك تشتهيها بأعلى درجة ولا يوجد كلفة، هذه امرأة أخيك ممكن بسهرة أن تطرح عدداً من الطرف الجميلة فتضحك زيادة.. أنا أتكلم كلاماً أحياناً أتمنى ألا تظنوا أنه يشدد علينا، هذه حقيقة والله يا أخوان إذا تساهلت بالإستقامة أصبح الدين فولكلوراً، أصبح الدين تراثاً، أصبح خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، مشاعر إسلامية، الإسلام شيء آخر.
 هذا الدين عظمته أن تأخذه من كل جوانبه، ولا تعبأ بكلام الناس، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، فما لم تأخذ الدين من كل جوانبه لن تنتفع به.

من أقام أمر الله فيما يملك كفاه ما لا يملك :

الآن:

﴿إِلّا تَنفِروا يُعَذِّبكُم عَذابًا أَليمًا وَيَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم وَلا تَضُرّوهُ شَيئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾

[ سورة التوبة: ٣٩]

 هناك دعاء:"اللهم استعملنا ولا تستبدلنا" في هذه الدنيا اتخذ قراراً قوياً أن تطبق الشرع في نفسك، وبيتك، وعملك، وانتهى الأمر، والباقي ليس لك علاقة به، لا تحاسب إلا على ما تملكه، هناك دائرة تملكها، ودائرة لا تملكها، دقق إذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك، أنا أملك بيتي، أملك أهلي، أولادي، بناتي، أقيم أمر الله فيما أملك، حتى يكفيني الله ما لا أملك، هناك دائرة ليست بيدك، شيء قد يملى عليك، فأنت حينما تري الله طاعة فيما تملك يكفك ما لا تملك، لذلك اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018