الدرس : 126 - يوم القيامة! كلما خضعت إلى الله رفعك، وكلما تكبرت وضعك. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 126 - يوم القيامة! كلما خضعت إلى الله رفعك، وكلما تكبرت وضعك.


2015-02-13

التولي و التخلي :

 أخواننا الكرام؛ الإنسان أحياناً يتساءل ويقلق، وهذا القلق مقدس، هل قَبِل الله عملي؟ أحد التابعين الكبار الإمام الحسن البصري قال: "التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقاً"، فشيء من أن تتهم نفسك جيد وطيب وضروري، وشيء من أن تعتد بنفسك غير مقبول، السبب أن الصحابة الكرام وهم قمم البشر في بدر افتقروا، قال تعالى:

﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: ١٢٣]

 معنى أذلة مفتقرون للنصر فانتصروا، هم قمم البشر وفيهم سيد البشر، في حنين قالوا: لن نغلب من قلة، اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا، قال تعالى:

﴿ وَيَومَ حُنَينٍ إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَيئًا وَضاقَت عَلَيكُمُ الأَرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُدبِرينَ﴾

[ سورة التوبة: ٢٥]

 أنا أرى أن الحالة النفسية التي لا ترضي الله أن تعتد بنفسك وتقول: أنا، الملخص تقول: أنا، يتخلى عنك، تقول: الله، يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، عندما تعزو ما أنت فيه إلى ذكائك، إلى متابعتك، إلى خبرتك، يتخلى الله عز وجل عنك، وعندما تعزو ما أنت فيه من تفوق إلى فضل الله عز وجل تقول: هذا من فضل ربي عليّ يتولاك الله.
 لذلك الإنسان إذا قام بعمل قد يكون علمياً، قد يكون إلقاء محاضرة، أو عملاً بنائياً، أي عمل معين الدعاء المألوف: " اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين" وأنا أرى أن الوضع الذي لا يرضي الله والذي يعالج عليه الإنسان فوراً هو التكبر.
 لك صديق في منصب رفيع، أنت ذاهب إليه ومعتقد يقيناً أنه سيلبيك، وسيرحب بك، وسوف يستقبلك استقبالاً حاراً، وسوف يودعك إلى آخر المكان، تفاجأ أنه غير مهتم بك، يقول لك: القانون لا يسمح، هذه مفاجأة كبيرة جداً، لأنك عندما ذهبت إليه اعتمدت عليه، فحينما تعتمد على غير الله، وحينما تضع ثقتك بغير الله، وحينما يكون الأمل بغير الله، انتظر تأديب الله لك، وهذا الدرس اليومي بل والساعي بعملك، بتجارتك، تفتح العمل التجاري: نويت خدمة المسلمين، تخرج من بيتك: " اللهم إني أعوذ لك من أن أضِل أو أن أضَل، أو أذِل أو أذَل، أو أجهَل أو يجهل علي" إن كنت مدرساً، إن كنت تاجراً، إن كنت موظفاً حينما تعتد بما عندك من خبرات، ومن تراكمات، ولك مكانة كبيرة، وعندك مال، سيتخلى الله عنك.
 مرة كنت بجلسة، شخص قال كلمة: والله أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، لكن قال كلمة فيها شرك، قال: الدراهم مراهم، هو إنسان غني، اتهم اتهاماً ظالماً وسيق إلى السجن، جلس في المنفردة وبقي ثلاثة و ستين يوماً، الكلمة التي لم تفارق ذهنه ولا ثانية الدراهم مراهم، الدراهم ليست مراهم، المراهم حفظ الله لك.

 

الافتقار إلى الله مع الرجاء :

 لذلك بقدر ما تفتقر إلى الله تكون بأعلى درجة، بالعلم تحمل أعلى شهادة، أنا أقول كلمة باللغة الدارجة: الإنسان عندما يعتد بنفسه يلهم الخطأ والحيونة، تراه يغلط، عندما تقول: يا رب أنت الحافظ، يقول: إنه ترك لأولاده مالاً - لعل هذا المال يفسدهم- يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، الله يسأل الإنسان يوم القيامة: يسأل الغني: أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ هنا لا يوجد كذب يقول بلسان الحال: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يجيبه الله عز وجل: إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر أنفق ماله في حياته: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، يقول الله له: عبدي وأنا الحافظ لأولادك من بعدك.
 أنا لا أصدق أن إنساناً لم يأكل مالاً حراماً يضيع الله أولاده، أعرف رجلاً صالحاً عاش سبعاً و تسعين سنة تقول له زوجته: هؤلاء الأولاد لم تترك لهم شيئاً؟ قال لها: أنا لم آكل مالاً حراماً فالله يحفظهم من بعدي، هذا الواقع.
 أخواننا الكرام؛ الدين أعمق بكثير من ركعتين تصليهم، أو ليرتين تدفعهم، منهج تفصيلي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، منهج يكون معك حيثما كنت، بغناك، بفقرك، بصحتك، بمرضك، بقربك، ببعدك، بسفرك، بإقامتك، منهج تفصيلي لذلك ورد أيضاً:" أنه من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له" المعنى يجب أن تثق بوعد الله فأنت مفتقر ومع الافتقار يوجد رجاء.
 مرة النبي عليه الصلاة والسلام كان عند بعض أصحابه الذين توفاهم الله، وكان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يزور المتوفى قبل دفنه في البيت فسمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله..
 النبي الكريم كلامه سنة، وفعله سنة، وإقراره أي سكوته سنة، وصفاته سنة، أقواله وأفعاله وإقراراه وصفاته.
 امرأة تقول تخاطب زوجها الذي توفاه الله: " هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله فقال لها: وما أدراك أن الله أكرمه؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم" هذا الموقف التوحيدي الأديب، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، قولي: أرجو الله أن يكرمه، لا تقولي: لقد أكرمك الله، ليس من شأن العبد أن يحكم على المستقبل يقيناً المستقبل رجاء.

الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله :

 لذلك أخواننا الكرام، عود نفسك قبل أن تقوم بعمل، أنت أستاذ في الجامعة، قبل أن تلقي المحاضرة: يا رب أعوذ بك من أن أَضل أو أُضل أو أَذل أو أُذل أو أَجهل أو يجهل علي. دخلت إلى بيتك خرجت منه هذا الدعاء يدور معك. في هذا التوجه الله عز وجل حينما قال:

﴿الَّذينَ هُم عَلى صَلاتِهِم دائِمونَ﴾

[ سورة المعارج: ٢٣]

 دوام الصلاة ليس بحركاتها وسكناتها، عندنا خمس صلوات- قيام ركوع سجود- فجر ظهر عصر مغرب عشاء ،الآية:

﴿الَّذينَ هُم عَلى صَلاتِهِم دائِمونَ﴾

[ سورة المعارج: ٢٣]

 قال بعضهم: الاتصال بالله دعاء، فبكل عمل دعاء.
 أحياناً الإنسان - وهذا كلام دقيق جداً- يأخذ بالأسباب بكاملها، ولا يحقق النجاح بأنه اعتمد عليها، وأحياناً لا يأخذ بها، فإن أخذت بالأسباب، واعتمدت عليها، وقعت في وادي الشرك، وإن لم تأخذ بها وقعت في وادي المعصية، أي المنهج طريق عن يمينه واد سحيق وعلى يساره واد سحيق، فإذا أخذت بالأسباب، واعتمدت عليها، وألهتها كما فعل الغرب، فقد أشركت، والآية تقول:

﴿وَما يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلّا وَهُم مُشرِكونَ﴾

[ سورة يوسف: ١٠٦]

 وإن لم تأخذ بها فقد عصيت، للتقريب عندك سفرة بعيدة مثلاً بسيارتك، تراجع كل شيء، هذا هو العلم، وهذا هو الدين، وهذا هو الأدب، وبعد أن تراجع كل شيء تتوجه إلى الله في أعماقك يا رب أنت المسلّم، وأنت الحافظ، إن لم تأخذ بالأسباب فقد عصيت، وإن أخذت بها واعتمدت عليها فقد أشركت، وأحياناً لسبب تافه لا تحقق الأسباب، وأعتقد أنه لا يوجد ذنب كذنب أن تنسى الله، أو أن تعتد بقوتك، أي هل يعقل أن يخاطب نبي كريم بل هو أبو الأنبياء فيقول ربي:

﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾

[ سورة إبراهيم :35]

 هل يعقل نبي كريم سيدنا يوسف يقول:

﴿ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ ﴾

.

[ سورة يوسف : 33 ]

 أنت قوي بالله، والحقيقة أنا أنبأكم بمعنى "لا حول ولا قوة إلا بالله" لا حول على معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، هذا التوحيد، وهذا التوحيد يعني الافتقار.
 لا يعني الافتقار أن تدع الأسباب، أن تأخذ بها وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

 

الأمن نعمة لا يتمتع بها إلا المؤمن :

 الله عز وجل حينما تطبق هذا المنهج القوي العظيم منهج سيد الأنبياء والمرسلين الله يلقي في قلبك الأمن، والأمن وأنا أعني ما أقول نعمة لا يتمتع بها إلا المؤمن فقط، قال الله تعالى:

﴿سَنُلقي في قُلوبِ الَّذينَ كَفَرُوا الرُّعبَ بِما أَشرَكوا ﴾

[ سورة آل عمران: ١٥١]

 قال الله تعالى:

﴿ فَأَيُّ الفَريقَينِ أَحَقُّ بِالأَمنِ إِن كُنتُم تَعلَمونَ﴾

[ سورة الأنعام: ٨١]

 قال الله تعالى:

﴿الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ﴾

[ سورة الأنعام: ٨٢]

 وينبغي أن نفرق بين السلامة والأمن، أي ممكن أن يمضي عام لا يوجد شيء مزعج لك، كله جيد، هذا ليس أمناً هذا سلام، السلام ألا تقع المصيبة.
 لكن الأمن ألا تتوقع المصيبة، لأنك من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها.
 فالبطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أي مع الأخذ بالأسباب يوجد زلة قدم أن تعتمد عليها، ومع عدم الأخذ بالأسباب هناك زلة قدم وهي المعصية، لم تأخذ بالأسباب، فينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

 

الأدب مع الله عز وجل :

 قال الله تعالى:

﴿وَلا تَقولَنَّ لِشَيءٍ إِنّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا*إِلّا أَن يَشاءَ اللَّهُ ﴾

[ سورة الكهف: ٢٣-٢٤]

 لكن يوجد إن شاء الله عامية تقصد بها ألا تفعل، أما:

﴿وَلا تَقولَنَّ لِشَيءٍ إِنّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا*إِلّا أَن يَشاءَ اللَّهُ ﴾

[ سورة الكهف: ٢٣-٢٤]

 كان يحضر عندي بالشام رئيس المحكمة الدستورية أكبر قاضي في سورية، سبحان الله كان هناك دعوة إلى طعام قلت له: ممكن أن تأتي، قال: إن شاء الله آتي، مساء كان متوفى، إن شاء الله كان فيها أدب تماماً وليس معناها أني لن آتي، ناوي أن آتي بالمئة مليون لكن إذا الله أمدّ بحياتي، البارحة كنت أتابع ندوة تلفزيونية يقول المذيع للعالم: إذا أحيانا الله الأسبوع القادم نتابع فعلاً.
 عندنا إمام جامع والله إنه صالح ولا أزكي على الله أحداً، لا يشكو من شيء، صلى الظهر إماماً والعصر صلي عليه، أن هناك قصص كثيرة جداً، هناك ملمح دقيق إن شاء الله أن يمكنني أن أوضحه لكم، قال تعالى:

﴿ وَلا تَموتُنَّ إِلّا وَأَنتُم مُسلِمونَ﴾

[ سورة آل عمران: ١٠٢]

 أي هل الموت بيدي لأملك أن أموت أو لا أموت؟ لا، أي لا يأتينكم الموت إلا وأنتم مسلمون ، كبطاقة طائرة ثمنها مليون وإذا لم تسافر خسرتها كلياً، لذلك:

﴿ وَلا تَموتُنَّ إِلّا وَأَنتُم مُسلِمونَ﴾

[ سورة آل عمران: ١٠٢]

 أرجو الله سبحانه أن ينفعنا جميعاً بما علمنا، وأن يحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وأولادكم وصحتكم.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018