الدرس : 151 - البطولة الحقيقية أن توطن نفسك على قبول الحقيقة المرة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 151 - البطولة الحقيقية أن توطن نفسك على قبول الحقيقة المرة.


2015-04-27

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

بطولة الإنسان أن يقبل بالحقيقة المرة :

 أيها الأخوة الكرام؛ هناك ممن يتكلمون في شأن الدين، يدغدغون مشاعر المؤمنين ويثنون على إيمانهم، ويمدحون هذه الأمة، هذا كلام صحيح، وله من يؤيده، لكن البطولة أن توطن نفسك على قبول الحقيقة المرة، والحقيقة المرة أهون ألف مرة من الوهم المريح، أي لو قرأت القرآن الكريم تجد وعوداً من الله لهذه الأمة أن ينصرها، قال تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 141 ]

 فكيف إذا كان لهم علينا ألف سبيل وسبيل؟ الإنسان أريح له أن تدغدغ مشاعره بأوهام، لكن البطولة والجرأة أن تقبل الحقيقة المرة، وأنا أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، قال تعالى:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 هل قبل منهم هذا المديح؟ قال تعالى:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 لأن الله لا يعذب أحبابه، هذا كلام الإمام الشافعي، إذا كنت فعلاً من أحباب الله فالله عز وجل لا يعذب أحبابه، الرد الإلهي المؤلم قال تعالى:

﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 إذا لم تهتم بالدين، ولست ملتزماً، ولا تقيم الإسلام في نفسك، ولا في بيتك، ولا في عملك، ولا تعبأ بالقيم الدينية، فأنت واحد من هذه المليارات الممليرة، لا تقدم ولا تؤخر، قال تعالى:

﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 هذه حقيقة مرة، إن أردت أن تعرف ما لله عندك فانظر مالك عند الله، ما دام الله عز وجل يسوق للمسلمين الشدائد إذاً هم يحتاجون إلى معالجة، وليسوا كما يتوهمون.

 

وعود الله ليست محققة لأننا على خطأ عظيم :

 الله عز وجل قال:

﴿ كُنْتُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 من أدق معاني هذه الكلمة في هذه الآية أي أصبحتم، أصبحتم بهذه البعثة خير أمة أخرجت للناس، ونحن دائماً متفوقون في الشعارات، إذا دخلت إلى القاعة الكبرى في الجامعة العربية، هذه الآية كتبت بأجمل خط في مقر الجامعة العربية، قال تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 لكن دقق فيما قاله اليهود والنصارى:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 الرد الإلهي، قال تعالى:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 فإذا قلنا نحن توهماً إننا خير أمة، الرد الإلهي المقابل:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 خمس دول عربية محتلة، وليس أمرها بيدها، ولو قرأت وعود الله للمؤمنين تجد معظم هذه الوعود ليست محققة، أي لا يوجد لله قوانين؟ لا يوجد سنن؟ قال تعالى:

﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبديلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحويلًا ﴾

[سورة فاطر: ٤٣]

 هذه السنن لا تتبدل ولا تتغير لا بالظروف، ولا بالمؤامرات، ولا بالاستعمار، كله كلام فارغ، هناك خطأ من عندنا يستوجب كل هذه المآسي، فالإنسان مادام يبحث عمن يدغدغ مشاعره، عمن ينمي عنده الأنا، نحن أعظم أمة، لا، لسنا أعظم أمة.

 

ضرورة التفكير في مشكلاتنا و حلّها :

 الأمة الإسلامية أخواننا الكرام؛ تملك نصف ثروات الأرض، العالم كله على اختلاف قومياته وأقطاره يملك النصف، والأمة الإسلامية وحدها تملك نصف ثروات الأرض، والدول الإسلامية أفقر الدول على الإطلاق، معها نصف ثروات الأرض، عندنا مشكلة كبيرة ما لم نبحث عن العلة، ما لم نقبل الحقيقة المرة، ما لم نبحث عن السلبيات، والله أنا مرة أذكر قصة قديمة كل شهر يوجد اجتماع مع علية الأخوة عندي في الجامع الذين يعتمد عليهم في الدعوة، في أي اجتماع نجتمعه أقول لهم: لا أسمح لواحد أن يمدح، أوقفوا المديح، أينما رأيتم أخطاء فاذكروها، نحن الآن لا نريد مديحاً، المديح سهل، وألف واحد يتمنى أن يمدحك ويتقرب منك، لا تقبض المديح، ابحث عن الخطأ، إن كان هناك خطأ إذاً عندنا سلبية، يا ترى الأسر المسلمة كما ينبغي؟ هناك أسرة متماسكة، أما الشقاق الزوجي فمشكلة كبيرة في العالم، عندنا عنوسة خمسون بالمئة، نصف نساء المسلمين بلا زواج، وهذا أكبر مرض، العالم الغربي يخشى العنوسة خشية غير معقولة، المرأة بأصل بنيتها مصممة أن تكون زوجة، والمرأة حينما تتزوج تنجح، نجاح المطلق أن تتزوج، أن يكون لها أولاد، إذا كانت البلاد الإسلامية تعاني من العنوسة، في بلدنا في الشام خمسون بالمئة من النساء غير متزوجات، في سن الزواج، في بعض البلاد الأخرى ثمانية عشر، في السودان ثمانية بالمئة، فكلما ارتفعت نسبة العنوسة عندنا خطر كبير، هذه المرأة خلقت لتكون أماً، درسنا في علم النفس أن دافع الأمومة أقوى دافع في الجنس البشري، المرأة عندما تتمنى الزواج، دقق وتحقق، موضوع الجنس موضوع ثانوي عندها، لكن الموضوع الأول أن تكون أماً، أن تنجب طفلاً، فنحن عندما لا نهتم بالزواج، ما الذي يمنع أن يكون في كل بلدة ترتيب، الذي عنده بنت، والذي يريد أن يتزوج يكون له مرجع، هذه البنت الفتاة المؤمنة حافظة كتاب الله، قد لا تتزوج، والبنت المتفلتة التي تبرز كل مفاتنها في الطريق هذه قد تتزوج، هذه وصمة عار في حق الأمة، البنت الملتزمة التي تخاف الله، التي تعرفت إلى الله، المطبقة لمنهج الله، هذه قد تكسد، والبنت المتفلتة التي عندها أخطاء لا تعد ولا تحصى لأنها أبرزت كل مفاتنها في الطريق تتزوج، فنحن ما لم نفكر في مشكلاتنا، ومرة ثانية أقول لكم: من السهل جداً لأي خطيب مسجد، لأي داعية، لأي مرجع ولو ثقافي أن يدغدغ مشاعر الناس، والناس يفرحون و يحبون من يدغدغ مشاعرهم، لكن البطولة أن تفكر فيمن يعطيك الحقيقة المرة التي هي أفضل مرة من الوهم المريح، الآية:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 ما قبل الله هذه الدعوة فكان ردّ الله عز وجل:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

الابتعاد عن المديح الكاذب الذي يدمر الأمة :

 لا تقل لي: أمة عربية وأمة إسلامية، نحن أمة كهذه الأمم، نعاني ما نعاني من المشكلات، وليس أمرنا بيدنا، وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، أي الحقيقة المرة هي الخطوة الأولى للإصلاح، يجب أن تقبلها، يجب أن تبحث عنها، أين وعود الله عز وجل؟ أنا أقول لكم كلمة: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لكن إذا الأمة لم تطبق منهج الله، وفعلاً هي أمة كأي أمة خلقها الله، لا تعول كبير اهتمام لهذه الكلمات البراقة التي ينادي بها الخطباء والدعاة إلى الله، نحن أمة مختارة إذا طبقنا، الآن ارجع إلى الآية الأساسية:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 ما علة هذه الخيرية، هنا السؤال بالآية موجودة؟

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 أنت دقق في بنت في السابعة عشرة من عمرها، تزور عمها وترتدي ثياباً فاضحة، تبرز كل مفاتنها، العم يستقبلها، ويرحب بها، ويقول لها: ما شاء الله كبرت، ونحن نعتز بك، وكل مفاتنها ظاهرة، لا يخطر في بالك يا عم نحن من أسرة ملتزمة، هذا اللباس لا يليق بك، أنت مؤمنة، لا أحد ينصح، ما سبب هلاك بني إسرائيل؟ قال تعالى:

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾

[ سورة المائدة : 79 ]

 الآن يوجد مجاملات في الحياة، مجاملات، مهما كان هناك عداء لا تتكلم ولا كلمة، فقط أنت تمدحه وهو يمدحك، مديح متبادل، ودغدغة مشاعر متبادلة، والوضع من أسوأ ما يكون، فنحن إذا أردنا أن نمدح دائماً إذاً نحن عندنا مرض نفسي، هذا يسمونه الأنا، أحياناً يكون الإنسان عنده مرض نفسي يحب المديح، يكون حوله إنسان ذكي جداً، يعرف نقطة ضعفه يمدحه، فقط يمدحه، ملك قلبه، يمسك كل شيء، وأخذ أكبر الميزات، يتواجد في كل دائرة، بكل مؤسسة، بكل وزارة، إنسان عنده مرض نفسي يحب المديح، ومعه سلطة – توقيع - يأتي موظف ذكي جداً يفهم نقطة ضعفه، يقول له: أنت لا يوجد لك مثيل يا سيدي، ما مر معنا هكذا بحياتنا، مرة كنت في اجتماع بوزارة الأوقاف، إنسان يقول للوزير: لا يوجد بكل البلد على مر العقود والسنوات إنسان أفضل منك، ما هذا النفاق؟ ما دمنا تعلمنا النفاق نحن لن نتقدم، مادام مثلاً واحد من الدعاة إلى الله يمدح دائماً، ولو نافق يمدح، لو ارتكب خطأ كبيراً يمدح، يمدح في الوقت الذي لا ينبغي أن يمدح فيه، لماذا يغير؟ مكانته محفوظة، أما لو أوقفناه عند حده لما قتل، قتل بعد ذلك، لأنه هو قبل المديح لماذا يغير؟ طالما هناك من يمدحه دائماً فنحن إذا ما وقفنا أمام الذي انحرفت عقيدته، أو انحرف سلوكه وقفة حازمة، نقع بأخطاء كبيرة جداً، و عود نفسك أنت رب أسرة اسمح لمن عندك أن ينتقدك، هذه بطولة، اسمح أن ينتقدك، تسمع أحياناً ملاحظات مهمة جداً، لا تنتبه لها، أنا بالتعليم - هذه كطرفة - أعطي الطلاب أوراقاً بيضاء و أطلب منهم أن يكتبوا المأخذ على دروسي من دون اسم، الطالب آمن، ولا يوجد توقيع ولا اسم، تأتيك ملاحظات مهمة جداً، أنت إذا كنت مدير مؤسسة، مدرساً، أستاذ جامعة، عود نفسك أن تقبل النقد، عندما تقبل النقد ترتقي، وكل إنسان يلغي النقد يلغى هو، الحكام المستبدون لا يوجد أحد ينصحهم، وكلما مدح أكثر يصدق وهو غير ذلك، أذكر أن شاه إيران لا يوجد قوة تقنعه أن عليه انتقاداً، حتى الطباخ الذي يطبخ له يحبه كثيراً، ركب طائرة وطار فوق طهران، وشاهد المظاهرات ضده، حتى صدق، المديح يعمل استعصاء، فأنت عود نفسك كل من حولك، أنت أب، قل لأولادك: يا بني إذا أنت شاهدت شيئاً غير صحيح، أنا ما انتبهت له نبهني، أنت بهذا الموقف الذي فيه تواضع ترقى، بأي حرفة، بأي مهمة، بأي قيادة، مادام نحن ألفنا المديح الكاذب لا نرتقي إطلاقاً، قال تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

ضرورة الرجوع إلى الله و التمسك بشريعته :

 علة هذه الخيرية:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 استمع إلى تعليقات النبي صلى الله عليه وسلم:

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ ))

[ زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 كأن الصحابة صعقوا!

(( قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال : نعم، وأَشدُّ منه سيكون ))

 صعقوا ثانية، الشيء الثالث صعب جداً:

(( قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))

 أحياناً تتحجب الفتاة تواجه عنفاً من أهلها، الأب يرغبها، متفلتة يتباهى بها:

(( قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ نعم، وأشدُ،...))

 أول مرحلة لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر هذه أول مرحلة:

(( قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ .. ))

 صعقوا صعقة أشد:

(( قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))

[ زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 هذه مرحلة اسمها: تبدل القيم ونحن فيها، مثلاً تدخل لبيت فخم جداً، وتعلم علم اليقين أن صاحبه دخله حرام، من الرشوة التي يقبضها بمنصبه الحساس، وكل معاملة لها ثمن، وجهاراً نهاراً، فهذا موضوع الرشوة انتشر فانتهت الأمة نهائياً.

((..... قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))

[ زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 هذه حالة خطيرة جداً، هذه الحالة لا يوجد حل إلا بالرجوع إلى الله عز وجل، والتمسك بهذه الشريعة.
 نحن الآن في مرحلة مخاض، ومخاض عسير، هذا الذي يسمى بالربيع العربي الحقيقة أراده الله عز وجل، من أربعين أو خمسين سنة ألفنا القهر، ألفنا الخضوع والخنوع، الآن هناك شيء اسمه جدار الخوف، وقد هدم بمعظم البلاد، فالإنسان حينما يبحث عن الحقيقة لا بد من أن يجدها، فلا تقبل مديحاً كاذباً، لا تقبل نفاقاً.
 أقول لكم كلمة ثانية: المنافَقُ له يحتقر المنافق، أول إنسان يحتقره من نافق له، يعرف حاله تماماً، وأنت تتكلم كلاماً ليس له معنى إطلاقاً، فإذا كنت لا تستطيع أن تذم لا تمدح، بالمناسبة الناس يسامحونك إذا صمت، أما أن تمدح فلن يسامحوك، تمدح مجرماً لا يسامحونك، إذا إنسان لا يستطيع أن يتكلم، وقد يكون معه الحق، مقبول عند الناس، لكن لا يمدح، عندما يمدح ينتهي، الإنسان إذا ما انطلق من قيم، من منهج يمشي عليه، عندنا مشكلة كبيرة، والإنسان يفكر بهذه الساعة التي يغادر بها الدنيا، كل ممتلكاته، كل رفاهه، كل دخله الكبير، ينتهي مع توقف القلب، يكون عنده أموال منقولة وغير منقولة، توقف القلب انتهى كل شيء، ومن يضمن أن يعيش ساعة بعد الدقيقة التي هو فيها الآن؟ لا أحد يضمن، والموت يخطف الناس خطفاً، فالموضوع خطير، خطير، أنا كيف ألقى الله عز وجل؟ تلقاه على طاعة، تلقاه على نوايا طيبة، تلقاه بأسرة ملتزمة، تلقاه ببنات محجبات، تلقاه ببيت متماسك، تلقاه بحرفة لا يوجد بها كذب.

 

الابتعاد عن الغش و قول الزور :

 لا أحد يصدق هذا الغش ألا وقول الزور والعمل به، ما قول الزور؟ هو الغش، هناك كثير من بائعي الأقمشة يشترون شريطاً ذهبياً يضعونه على طرف القماش بالمكواة – يكويه – ليوهم الزبون أن هذا القماش مصنوع في بريطانيا، يأخذ أربعة أمثال السعر، وهذه اللصاقة مزورة، سيدي إذا بحثت في أنواع الغش شيء لا يصدق، أنا سألني إنسان يبيع قطع مرسيدس، قال لي: يأتينا من الصين قطع تبديل مكتوب عليها: صنعت في ألمانيا، والشاري لا يعرف إلا أنها أصلية يدفع أربعة أمثال ثمنها الحقيقي، يأتي بها من الصين مكتوب عليها: صنعت في ألمانيا، هذا قول الزور، كل شهادات المنشأ إذا غيرتها، قماش محلي تكتب: تايوان، تعمل بوليصة مزورة أنها من تايوان، تبيعها بسعر أغلى، فعندما تكون حياتنا كلها غش، سيدي ليس فقط هذه لا أحد يصدق، بائع العصير يقسم البرتقالة أمامك يضعها و يضيف لها ثلاثة أرباع الكأس ماء، سمعت عن إنسان يقول لك: أنا أخذت زيتوناً عصروه أمامي، عنده برميل زيت نباتي على السقيفة موصول لقعر مستودع الزيت المعصور أمامه، يفتحه فتحة صغيرة فيكون نصف الزيت نباتياً، هو وضع الزيتون في المعصرة واقف أمامه يقول لك: أمام عيني وهو واقف يكون قد عبأ نصف الزيت نباتياً، هو لا يتابع عصرهم، يقول له: هذه هي الكمية، شيء يتناسب مع الكمية، يأخذهم يبقى يتكلم سنة، أنا الزيت الذي عندي كله أصلي، عصرته بيدي، وهو نصفه نباتي، هناك أساليب للغش تفوق حدّ الخيال، إذا كان في حياتنا غش كيف ننتصر؟ قال تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

الانتماء للمجموع و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :

 ما علة هذه الخيرية؟

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 فإذا ما أمرنا بالمعروف، وما نهينا عن المنكر، سقطنا من عين الله، إذا أمرنا بالمنكر ونهينا عن المعروف كنا أشد سقوطاً، فإذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟! من يصدق أن شاعراً هو الحطيئة بعهد سيدنا عمر دخل السجن لبيت شعر قاله، ماذا قال؟

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 هذا البيت يعد عند علماء النقد أهجى بيت قالته العرب:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها
***

 الآن الناس كلهم هكذا، مادام بيتك ملكك، كبيراً، ودخلك كبيراً، وتملك سيارتين، الأولى للسفر، مريحة ثلاثة طن، و الثانية للمدينة، عندك بيت بالمصيف، وعندك دخل جيد، وعندك كل يومين سهرة ووليمة ونزهة، وسفرة إلى أوربا كل سنة، ولا يوجد عندك مشكلة، أنت تظن نفسك بالقمة في النجاح:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 هذا شعار كل إنسان، وهذا سبب ضعف الأمة، حينما ألغيت الانتماء للمجموع، كان هناك انتماء للمجموع، الآن الانتماء فردي، كل واحد أهم شيء بيته ودخله وأولاده، لا تهمه الأمة، فلما أهملنا جانب الأمة ضعفنا، وحينما نضعف، عندما تقع البقرة تكثر سكاكينها، الآن أينما ذهبت تجد كلمة عربي والله كأنها وصمة عار، كلمة مسلم نفس الشيء، يوجد حرب عالمية ثالثة ضد الإسلام، كانت تحت الطاولة اليوم فوق الطاولة، عضو الكونغرس يقول: بما أن الغرب مهيمن على الشرق لن نسمح بقيام حكم إسلامي.
 من الأخير شاهدتم الانتخابات في الجزائر أفرزت إسلاميين فألغيت، قصة قديمة، والانتخابات في فلسطين أفرزت إسلاميين فألغيت، والانتخابات في مصر ألغيت، مادامت الانتخابات تفرز أناساً مخلصين تلغى، إلا إذا أفرزت للغرب عملاء، تكون الانتخابات صحيحة ومقبولة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نشهد التغير الذي نطمح إليه.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018