الدرس : 161 - قال تعالى - وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 161 - قال تعالى - وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ .


2015-06-03

معية العلم :

 أيها الأخوة الكرام؛ في قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 علماء التفسير قالوا: هذه معية العلم. هو معكم يعلم أقوالكم، وأفعالكم، ودخائل نفوسكم، وما تعلمون، وما لا تعلمون، قال الإمام علي رضي الله عنه: " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون".
 علم ما كان الذي وقع، وما يكون الذي يقع الآن، وعلم ما سيكون في المستقبل، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أي أنت لك وضع اجتماعي ونفسي ومادي، العمر والصحة، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لذلك قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 هذه معية العلم، أي حركاتك وسكناتك ونواياك وتطلعاتك كل هذا بعلم الله، علم معية، أي الإنسان إذا كان يوقن يقيناً قطعياً أن الله معه لا يمكن أن يعصيه، لأن هناك حالة اسمها: علم الله يطوله، وقدرته تطوله.
 مثل من واقع حياتنا اليومية، أنت مواطن عادي راكب سيارتك، والإشارة حمراء، والشرطي واقف، ومعه دفتر ضبط، فإذا تجاوزتها، كتب لك مخالفة، والمبلغ كبير، وأنت لا تقوى على ردّ هذه المخالفة، قد تسحب الإجازة، وقد تمنع من القيادة لسنة، فمادمت أنت موقن أن علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي، وأن قدرته تطولك في حجز المركبة لا يمكن أن تعصيه، ما قولك في قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 نقطتان:

﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 ذكر الله عز وجل اثنين فقط؛ العلم والقدرة، لأن علمه يطولك، وقدرته تطولك، إذاً لا يمكن أن تعصيه، فالإنسان إذا فكر لا يمكن لمعصية ما إلا ولها آثار سلبية في حياته، فالإله علمه مطلق، وأفعاله مطلقة، بهذا المعنى الإنسان صعب أن يعصي الله عز وجل.

 

الله مع المؤمن بالنصر و التأييد :

 لكن النقطة الدقيقة أن الله عز وجل وجوده لطيف، إذا إنسان مشى معك يوماً لا تتحمله، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 معية لطف، ممكن لا تحس أنه معك لكن بالعقل تدرك أنه معك:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

 هذه معية علم. لكن النقطة الدقيقة الثانية، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 19 ]

 قال: هذه معية نصر، وتأييد، وحفظ، وتوفيق، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟

كن مـع الله ترّ الله معك  واتـرك الكل وحاذر طمعــــك
وإذا أعطـاك من يمنعـــه ثم  من يعطـي إذا ما منعك؟
* * *

 أيها الأخوة الكرام؛ أن تشعر أن الله معك هذا ملخص ملخص الملخص.

 

نعم الله عز وجل ظاهرة و باطنة :

 لذلك قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾

[ سورة الشعراء:88]

 ماذا قال الله عز وجل؟

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الكهف:46]

 أنت تصور إنساناً عنده أموال طائلة، ولكن لا يوجد عنده أولاد، عنده خلل في حياته خطير جداً، وإنسان آخر عنده عشرة أولاد لكن دخله محدود جداً، عنده خلل أكبر، قال تعالى:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الكهف:46]

 دقق، قال تعالى:

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

[ سورة الكهف:46]

 في قول بعض المفسرين إنهن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أي إذا سبحت سبحان الله، أي مجدته، عظمته، عرفت قدره، والحمد لله حمدته على نعمه الظاهرة والباطنة. قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 1]

 كنت لا شيء، افتح أي كتاب وابحث في المقدمة يوم طبع، فإذا طبع هذا الكتاب قبل أن تولد معنى ذلك في أثناء تنضيد حروف هذا الكتاب لم تكن شيئاً مذكوراً، فأنت طارئ، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 1]

 الله عز وجل من لا شيء سمح لك بنعمة الإيجاد، أنت موجود، يوجد بالسجلات الرسمية فلان الفلاني ابن فلان وفلانة، ولد عام ستة وثلاثين، أنت موجود، الآن أعطاك نعمة الإيجاد، أعطاك نعمة الإمداد، أمدك بأم وأب، محبتهم لك تمثلت بأمك وأبيك، المعنى الدقيق قال تعالى:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

[سورة طه:39]

 هذه النعمة الثانية، الثالثة منحك نعمة الهدى والرشاد، لذلك أيها الأخوة الكرام؛ هذه النعم ظاهرة وباطنة.

 

ما من مصيبة على وجه الأرض إلا وهدفها أن تعود إلى الله :

 من أجمل ما قال المفسرون في النعم الباطنة هي المصائب، النعم الظاهرة الصحة والمال والعمل والزوجة والأولاد، هذه نعم ظاهرة للجميع، لكن أحياناً مشكلة واحدة تدفعك إلى الله عز وجل بسرعة أكبر بكثير، ما من مصيبة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا وهدفها أن تعود إلى الله، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 ما من مصيبة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
 يوجد مادة للنبات مغذية مسموح أن تضع لتراً منها في البرميل، تسقي هذا النبات من ماء مذاب، فإذا الإنسان ضاعف الكمية يحترق النبات كله، بدقة بالغة، الإنسان حينما يتحرك، إذا تحرك وفق منهج الله، هذه الحركة مضبوطة النتائج، منهج الله عز وجل لا يوجد به حرمان، والدليل قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 المعنى المخالف عند علماء الأصول: الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه.
 الذي يتبع هواه - شهوته - وفق هدى الله لا شيء عليه، إذاً ما من شهوة أودعها الله بالإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.

 

الله عز وجل منح الإنسان نعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى و الرشاد :

 إذاً قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 1]

 منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، أمدك بأب وأم، محبة الله لك تجسدت في أمك وأبيك، أي يوجد جهة في الأرض ليست بحاجتك، لكن يسعدها أن تكون سعيداً، هي الأب والأم، والله عز وجل جعل نظام الأبوة والبنوة دليلاً عليه، قال تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل1-4]

 فالذكر والأنثى صمم الله لهما الزواج، هذا منهج الأسرة، المنهج الذي يرقى بالبشرية، وأي منهج الآن يطرح؟ مؤتمر السكان جعل الزواج علاقة تقليدية بين الذكر والأنثى، هناك العلاقة المثلية، مؤتمر طويل عريض أنشئ في أمريكا ووصلت فروعه إلى الصين، أنا كنت عضواً باللجنة التي أرسلت لهذا المؤتمر لتعريف الناس بسلبياته، شيء لا يصدق، يريدون لهذه الأمة ألا تنمو، لأن نمو الأمة الإسلامية عجيب جداً، نموها يقضي على أي تخطيط، هذا الذي أقلقهم، فاخترعوا هذا المؤتمر مؤتمر السكان، الزواج التقليدي شيء مرفوض في المؤتمر يريدون أن تقضى هذه الشهوة من دون زواج، هذا التخطيط الغربي للمسلمين، لكن سبحان الله لم ينجح ولا في بلد، بل كان مرفوضاً أشدّ الرفض، لذلك صرف النظر عنه.
 منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، سمح لك أن تكون، وأمدك بما تحتاج، ثم تفضل عليك بالهداية، هذه النعم قال تعالى:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان : 20 ]

حاجة الإنسان إلى الآخرين :

 النعم الباطنة المصائب، أولاً: ما من مصيبة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، و الجهل أعدى أعداء الإنسان، مثلاً مظلي قد يجهل هذا المظلي شكل المظلة يا ترى شكلها مربع؟ مستطيل؟ بيضوي؟ دائري؟ لا يعرف، وقد يجهل الخيوط التي صنعت منها، خيوط صناعية أم طبيعية لا يعرف، وقد يجهل عدد الحبال، وقد يجهل خيوط الحبال، وقد يجهل ألوان الحبال، لكن معلومة واحدة إذا جهلها نزل ميتاً طريقة فتحها، قد تجهل مئات المعلومات عن المظلة أما كيف تفتح فهذه معلومة العلماء قالوا عنها في الدين ما يجب أن يعلم بالضرورة، أنا مهندس الهندسة حرفة في الدنيا، أما معرفة الله فشيء آخر، لذلك تصور طبيباً أو طبيب قلب عنده مشكلة بسيارته، صوت بالمحرك جديد لم يكن من قبل، يذهب إلى المصلح يقف أمامه بأدب، هو معه دكتوراه بجراحة القلب، أما بهذا الموضوع فجاهل، الذي يصلح له سيارته قد يشعر بوخزة بقلبه فيأتي إليه، قال تعالى:

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾

[ سورة الزخرف : 32]

 أنت مسخر له، وهو مسخر لك، كل إنسان مكنه الله من شيء، وبهذا الشيء أستاذ، بمليون شيء حوله طالب، فأنت بحاجة إلى كل الناس، تحتاج إلى رغيف خبز، رغيف الخبز حتى صار خبزاً علم قائم بذاته، يبدأ من زراعة القمح، تسميد القمح، حصاد القمح، فرز القمح، طحن القمح، طريق طويل، أنت بحاجة إلى مليار حاجة، وسمح لك أن تتقن حاجة واحدة، هذا الاجتماع القسري لا يمكن أن نعيش إلا ضمن مجتمع، أنت لا تستطيع أن تعلم ابنه، يوجد إنسان مختص معه تربية، ومعه اختصاص علمي، ليسانس، علوم، دبلوم تربية، يعلم ابنك، و إنسان يخيط لك ثوبك، و إنسان يصنع السجاد، أنت بحاجة إلى مليار حاجة، وسمح الله لك أن تتقن حاجة واحدة، إذاً هذا الاجتماع الذي نحن في أمس الحاجة إليه.
 إذاً نقول كلمتين في النهاية، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 بعلمه، معية العلم، لكن الثانية أدق، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 19 ]

 هذه معية النصر، والتأييد، والحفظ ، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018