الدرس : 145 - قصة ماشطة شعر بنت فرعون وأولادها. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 145 - قصة ماشطة شعر بنت فرعون وأولادها.


2015-04-08

قصة ماشطة شعر بنت فرعون وأولادها :

 أيها الأخوة الكرام؛ ورد في صحيح البخاري هذه القصة، النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء عروجه إلى السماء شمّ في أثناء عروجه رائحة طيبة، فقال: ما هذه الرائحة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها، ماشطة تمشط شعر ابنة فرعون، قال: وما شأنها؟ قال: بينما هي تمشط شعر ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: بسم الله، قالت لها ابنة فرعون: أبي، قالت: لا، قالت: الله ربك ورب أبيك وربي، قالت: سأخبر أبي، قالت: أخبريه، فلما أخبرته استدعاها فرعون، وقال لها: ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله عز وجل في السماء، فأمر ببقرة من نحاس، فأحميت طبعاً فيها زيت مغلي، ثم أمر بها لتلقى هي وأولادها بها، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع عظامي وعظام أولادي في ثوب واحد، وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، يبدو كانت وفية ومطيعة، فأمر بأولادها فألقوا في البقرة بين يدها واحداً واحداً إلى أن انتهى ذلك إلى صبي رضيع، وكأنها تضعضعت حينما سيلقيه في الزيت- وهذه القصة مشهورة جداً في البخاري- قال لأمه وهو صغير من الصغار الذين تكلموا، قال: يا أمة اثبتي فإنك على الحق، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، في النهاية ألقيت هي وأولادها فكان هؤلاء جميعاً، وكان هذا الصغير من الصغار الذين تكلموا وذكرت السنة هذا، وهذا جاء في حديث الإسراء والمعراج. من كتاب صحيح السيرة النبوية، المسماة السيرة الذهبية.
 الآن تفصيل هذه القصة في كتب الحديث، هذا موجزها، امرأة صالحة كانت تعيش مع زوجها في ظلّ الملك فرعون، و زوجها مقرب من فرعون، وهي خادمة ومربية لبنات فرعون، فمنّ الله عليهما بالإيمان، فلم يلبث زوجها أن علم فرعون بإيمانه فقتله، فلم تزل الزوجة تعمل في بيت فرعون تمشط شعر بنات فرعون، وتنفق من أجرتها على أولادها الخمسة، هذه اسمها في الكتب ماشطة بنت فرعون، تطعمهم كما تطعم الطير أفراخها، فبينما هي تمشط ابنة فرعون يوماً، إذ وقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله.. فقالت ابنة فرعون: الله.. أبي؟ فصاحت الماشطة بابنة فرعون: كلا.. بل الله.. ربي.. وربُّك.. وربُّ أبيك، فتعجبت البنت أن يُعبد غير أبيها، ثم أخبرت أباها بذلك، فعجب أن يوجد في قصره من يعبد غيره.. فدعا بها، وقال لها: من ربك؟ قالت: ربي وربك الله، فأمرها بالرجوع عن دينها، وحبسها، وضربها، فلم ترجع عن دينها، فأمر فرعون بقدر من نحاس فملئت بالزيت، ثم أحمي الزيت حتى بدأ يغلي، وأوقفها أمام القدر، فلما رأت العذاب، أيقنت أنما هي نفس واحدة تخرج مرة واحدة وتلقى الله عز وجل، فعلم فرعون أن أحب الناس أولادها الخمسة، الأيتام، لأنه قتل أبوهم، الذين تكدح لهم، وتطعمهم، فأراد أن يزيد في عذابها فأحضر الأطفال الخمسة، تدور أعينهم، ولا يدرون إلى أين يساقون، إلى الموت، فلما رأوا أمهم تعلقوا بها يبكون.. فانكبت عليهم تقبلهم وتشمهم وتبكي، وأخذت أصغرهم وضمته إلى صدرها، وألقمته ثديها، فلما رأى فرعون هذا المنظر أمر بأكبرهم، فجره الجنود ودفعوه إلى الزيت المغلي، والغلام يصيح بأمه ويستغيث، ويسترحم الجنود، ويتوسل إلى فرعون، ويحاول الفكاك والهرب، وينادي إخوته الصغار.. ويضرب الجنود بيديه الصغيرتين.. وهم يصفعونه ويدفعونه.. وأمه تنظر إليه.. وتودّعه..
 فما هي إلا لحظات، حتى ألقي الصغير في الزيت، والأم تبكي وتنظر، وإخوته يغطون أعينهم بأيديهم الصغيرة، حتى إذا ذاب لحمه من على جسمه النحيل، وطفحت عظامه بيضاء فوق الزيت، بقي العظم.
 نظر إليها فرعون وأمرها بالكفر بالله، فأبت عليه ذلك، فغضب فرعون، وأمر بولدها الثاني، فسحب من عند أمه وهو يبكي ويستغيث، فما هي إلا لحظات حتى ألقي في الزيت، وهي تنظر إليه، حتى طفحت عظامه بيضاء واختلطت بعظام أخيه، والأم ثابتة على دينها، موقنة بلقاء ربها، ثم أمر فرعون بالولد الثالث فسحب وقرب إلى القدر المغلي ثم حمل وغيب في الزيت، وفعل به ما فعل بأخويه، والأم ثابتة على دينها، فأمر فرعون أن يطرح الرابع في الزيت، فأقبل الجنود إليه، وكان صغيراً قد تعلق بثوب أمه، فلما جذبه الجنود، بكى وانطرح على قدمي أمه، ودموعه تجري على رجليها، وهي تحاول أن تحمله مع أخيه، تحاول أن تودعه وتقبله وتشمه قبل أن يفارقها، فحالوا بينه وبينها، وحملوه من يديه الصغيرتين، وهو يبكي ويستغيث، ويتوسل بكلمات غير مفهومة، وهم لا يرحمونه، وما هي إلا لحظات حتى غرق في الزيت المغلي، وغاب الجسد، وانقطع الصوت، وشمت الأم رائحة اللحم، وعلت عظامه الصغيرة بيضاء فوق الزيت يفور بها، تنظر الأم إلى عظامه، وقد رحل عنها إلى دار أخرى، وهي تبكي، وتتقطع لفراقه، طالما ضمته إلى صدرها، وأرضعته من ثديها، طالما سهرت لسهره، وبكت لبكائه.

 

أغبى إنسان من لا يدخل الله في حساباته :

 والله هناك ما يجري مثل هذا، خمسة شباب، في البيت الضابط خيّر أمهم أيهما يقتل، الخيار صعب جداً، أم وخمسة أولاد أمامها، اختارت واحداً ثم قتلهم جميعاً، قبل أن يقتلهم كم حقد هذا الابن على أمه، لأنها اختارت واحداً، على كل هناك آخرة، أنا أقول: الحمد لله على وجود الله، وهناك جهنم للأبد، والدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
 بكل تواضع أقول لكم لي رأيي: أنا لا أجد على وجه الأرض أغبى من الطغاة، في تاريخ البشرية لا أرى أغبى وأحمق من الطغاة، لماذا؟ لأنهم لا يدخلون الله في حساباتهم، قال تعالى:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة المؤمنون: 115-116]

 تعالى الله جل جلاله أن يخلق الكون عبثاً، هناك قول لأحد العلماء أعتقد ابن تيمية: ما من قطرة دم تراق على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا وسوف ويتحملها إنسان يوم القيامة، إلا دم المقتول في حدّ يتحمله الله عز وجل. دم المقتول بحدّ شرعي الله أمر فيه القاتل يقتل، فحينما يقتل القاتل يسيل دمه، هذا الدم وحده يتحمله الله عز وجل. يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، تأتي مصيبة تنصرف هذه المصيبة، تعيش بضائقة مالية تنفرج بعد حين، يصاب بمرض يشفى بعد حين، كله سهل أما أن تسفك دماً.
 قال لي إنسان قصة بالثمانينات، قال له رئيسه: اقتل هذا فقتله، قال لي: تحرك ثم همد، هذه الصورة ثلاث وعشرون سنة حرقتني، ما غابت عني ولا لحظة، ثلاث وعشرون سنة، فإذا الإنسان الله عز وجل هيأ له عملاً ليس له علاقة بالقتل فهذا من نعم الله الكبرى.

 

العاقل من يعرف الله قبل فوات الأوان :

 طالما ضمته إلى صدرها، وأرضعته من ثديها، طالما سهرت لسهره، وبكت لبكائه، كم ليلة بات في حجرها، ولعب بشعرها، كم قربت منه ألعابه، وألبسته ثيابه، فجاهدت نفسها أن تتجلد وتتماسك، فالتفتوا إليها، وتدافعوا عليها- آخر شيء عندها طفل رضيع - وانتزعوا الخامس الرضيع من بين يديها، وكان قد التقم ثديها، فلما انتزع منها، صرخ الصغير، وبكت المسكينة، انهارت، فلما رأى الله تعالى ذلها وانكسارها وفجيعتها بولدها، أنطق الصبي في مهده وقال لها: يا أماه اصبري فإنت على الحق، هذه من القصص النادرة في صحيح البخاري.
 يا أماه اصبري فإنت على الحق، ثم انقطع صوته عنها، وغيِّب في القدر مع إخوته، ألقي في الزيت، وفي فمه بقايا من حليبها، وفي يده شعرة من شعرها، وعلى أثوابه بقية من دمعها، وذهب الأولاد الخمسة، وهاهي عظامهم تلوح في القدر، ولحمهم يفور به الزيت، تنظر المسكينة، إلى هذه العظام الصغيرة، عظام من؟ إنهم أولادها، الذين طالما ملؤوا عليها البيت ضحكاً وسروراً، إنهم فلذات كبدها، وعصارة قلبها، الذين لما فارقوها كأن قلبها خرج من صدرها، طالما ركضوا إليها، وارتموا بين يديها، وضمتهم إلى صدرها، وألبستهم ثيابهم بيدها، ومسحت دموعهم بأصابعها، هاهم ينتزعون من بين يديها، ويقتلون أمام ناظريها، وتركوها وحيدة وتولوا عنها، وعن قريب ستكون معهم..
 كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين هذا العذاب، بكلمة كفر تسمعها لفرعون، لكنها علمت أن ما عند الله خير وأبقى، ثم لما لم يبق إلا هي أقبلوا إليها كالكلاب الضارية، ودفعوها إلى القدر، فلما حملوها ليقذفوها في الزيت، نظرت إلى عظام أولادها، تذكرت اجتماعها معهم في الحياة، فالتفتت إلى فرعون وقالت: لي إليك حاجة، فصاح بها وقال: ما حاجتك؟ فقالت: أن تجمع عظامي وعظام أولادي فتدفنها في قبر واحد، ثم أغمضت عينيها، وألقيت في القدر، واحترق جسدها و عظامها، فلله درها، ما أعظم ثباتها، وأكثر ثوابها..
 الشاهد، ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء شيئاً من نعيمها، فحدّث به أصحابه وقال لهم فيما رواه البيهقي: لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة؟ فقيل لي: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادُها .
 أيها الأخوة الكرام؛ الموت حق سوف نموت جميعاً، تكون مليارديراً، تكون قوياً صحيحاً، بمنصب رفيع، بغنى وفير، بأولاد نجباء، هناك موت، والبطولة أن تنجح في الامتحان، أنا أقول: الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا يعد الغني غنياً في الدنيا ولا الفقير فقيراً، الحياة مبادئ، الحياة قيم، الحياة امتحانات، ودققوا في هذا الخطاب الديني من رسول الله: هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
 وأنا أقول: هنيئاً لمن عرف الله في الوقت المناسب، فرعون عرف الله لكن متى؟ بعد فوات الأوان، قال تعالى:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

 فرعون، عند الغرق، قال تعالى:

﴿ قالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذي آمَنَت بِهِ بَنو إِسرائيلَ ﴾

[سورة يونس: ٩٠]

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 ماذا نستنبط؟ أنت تملك مليار خيار، تملك مليار خيار رفض، هذا البيت لم يعجبك لا تشتريه، هذه الفتاة أخلاقها لا تعجبك لا تتزوجها، تملك مليار رفض إلا مع الإيمان معك خيار وقت، إما أن تؤمن بالوقت المناسب أو لا بد من أن تؤمن بعد فوات الأوان، مع الإيمان خيار وقت، مع مليون موضوع آخر خيار رفض، فهذا الإيمان هو طريق نجاتنا وسلامتنا، وأنا أقول: هنيئاً لمن عرف الله في وقت مبكر.
 يقول لي إنسان في الشام: أنا لا أعرف الله عرفته في الخامسة والسبعين، بناتي كلهن سافرات، يلبسن ثياباً قصيرة وضيقة وليس لي عليهم سلطة الآن، علمتني هذه القصة درساً، بطولتك أن تعرف الله في وقت مبكر، إن عرفته في وقت مبكر شكلت حياتك وفق الدين، تزوجت امرأة مؤمنة، محجبة، ربيت بناتك تربية صالحة، لم يعد يكفي فقط أن تؤمن، يجب أن تؤمن بوقت مبكر، إذا آمنت في وقت مبكر شكلت حياتك وفق منهج الله عز وجل.
 مرة زرت أحد قراء القرآن الكريم، عالماً جليلاً هو جار لي في دمشق، قال لي: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، معظمهم من حفاظ القرآن الكريم، وأطباء، أنا خرجت من عنده قلت: هذا الإنسان تزوج امرأة أنجب أولاداً، والأولاد جلبوا له الكنائن، والبنات جلبوا له الأصهار،الصف الأول هو وزوجته، الصف الثاني أولاده وكنائنه وبناته وأصهاره، الصف الثالث ثمانية وثلاثون حفيداً، معظمهم من حفاظ القرآن الكريم، وأطباء، هذا الهرم المبارك ما سببه؟ علاقة بيولوجية، هذه الشهوة، فالشهوة قد ترقى بها إلى أعلى عليين، إنسان تزوج إنسانة، ثمانية وثلاثون حافظاً لكتاب الله وعالماً، وطبيباً، كلما عرفت الله في وقت مبكر شكلت حياتك تشكيلاً إسلامياً، اخترت امرأة مؤمنة، أنجبت بنات طاهرات عفيفات، ربيتهم وحجبتهم، أنجبت أولاداً علمتهم، فالحياة جميلة بطاعة الله، والله الحياة جنة، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، يوجد شاهد قرآني قال تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 ذاقوا نعيمها في الدنيا هي جنة القرب من الله عز وجل، إذا لم تقل ولا أبالغ: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، عندك بالإيمان مشكلة، إله موجود كل شيء بين يديه، رحيم، غني، قوي، عليم، لطيف، إذا أنت عرفت الله عرفت كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018