ومضات قرآنية - الحلقة : 29 - الابتلاء - الدنيا دار ابتلاء والآخرة دار استواء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠16برنامج ومضات قرآنية - قناة بغداد
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات قرآنية - الحلقة : 29 - الابتلاء - الدنيا دار ابتلاء والآخرة دار استواء.


2014-07-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الابتلاء علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ لا زلنا في برنامج:" ومضات قرآنية" والآية اليوم قال تعالى:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران:179]

 أيها الأخوة؛ هذه الآية دقيقة جداً لأن: "هذه الدنيا - كما ورد في بعض خطب النبي- دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي".
 نحن في دار ابتلاء ولا بد من الابتلاء، الإمام الشافعي رحمة الله تعالى سُئل ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فابتسم وقال: لن تمكن قبل أن تبتلى، والابتلاء واسع جداً، أي شيء نلته من الله هو امتحان لك، نلت مالاً، هل كسبته من طريق مشروع؟ هل أنفقته في طريق مشروع؟ نلت منصباً هل استعنت بهذا المنصب على إحقاق الحق وإبطال الباطل؟ تزوجت، هل رعيت هذه الزوجة؟ هل دللتها على الله؟ هل أخذت بيدها إلى الله؟ ما من حركة ولا سكنة، ما من حظ تناله من الله، المال حظ، والذكاء حظ، والوسامة حظ، والغنى حظ، والقوة حظ، ما من حظ نلته من الله إلا وأنت ممتحن به، هذا الامتحان إما أن يرقى بك إلى أعلى عليين، أو أن لا سمح الله يهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين، فنحن في دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرف حقيقة الدنيا لم يفرح لرخاء - لأنه مؤقت، ولأنك ممتحن بهذا الرخاء- ولم يحزن لشقاء - لأنه مؤقت، ولأنك ممتحن بهذا الشقاء- جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من ضير الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي، والآية الدقيقة أنكم مبتلين.

 

الإنسان ممتحن بكل شيء ناله من الله :

 إذاً ينبغي أن نؤكد ما في هذه الآية من دقائق، قال الله تعالى:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران:179]

 رجل يعمل في وظيفة دينية في بريطانيا، ركب مركبة ودفع للسائق ورقة نقدية كبيرة، فرد له التتمة، جلس في مكانه في السيارة، وعدّ هذه التتمة فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما يستحق، فدخل في صراع مع نفسه، أرد هذه الزيادة للسائق أم أنها شركة عملاقة والمبلغ يسير وأنا بحاجة إليه؟ لكن عندما أراد أن يغادر المركبة أعطى السائق العشرين بنساً، هذا السائق ابتسم وقال: ألست إمام هذا المسجد؟ وهو يعمل إماماً لمسجد في بريطانيا، قال: بلى، قال والله أردت أن أزورك في مسجدك لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك، هذا الرجل الذي ردّ التتمة للسائق وقع مغشياً عليه فلما استيقظ وقف وعاد إلى صوابه قال: يا رب كدت أن أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً.
 فالإنسان ممتحن، أنت في دار ابتلاء أي شيء نالك من الله ممتحن به، وأي شيء افتقرت إليه ممتحن به، أنت ممتحن فيما أعطيت، وممتحن فيما زوي عنك، لذلك ورد في بعض الأدعية:" اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب".
شيء دقيق جداً، إن كان الشيء الذي تريده نلته من الله فاجعله في طاعة الله، قال تعالى:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[سورة القصص:77]

 آتاك مالاً ابتغ فيه الدار الآخرة، آتاك صحة ابتغ بها الدار الآخرة، آتاك علماً ابتغ الدار الآخرة، آتاك أولاداً ابتغ بتربيتهم الدار الآخرة:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[سورة القصص:77]

نصيب الإنسان من الدنيا طاعة الله عز وجل :

 بعض العلماء قال: نصيبك من الدنيا طاعة الله عز وجل، أنت في دار ابتلاء، هذا النصيب أن تعرف الله في الدنيا، أن تستقيم على أمره في الدنيا، أن تعبده في الدنيا، أن تتقرب إليه في الدنيا:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[سورة القصص:77]

 إذاً الله عز وجل قال:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران:179]

 ونحن في دار ابتلاء، في دار امتحان، ممتحنون فيما أوتينا، ممتحنون فيما زوي عنا، ممتحنون بالزوجة، ممتحنون بالأولاد، ممتحنون بالمنصب، ممتحنون بالصحة، ممتحنون بالقوة، ممتحنون بالمال، ممتحنون بكل شيء، فنحن في دار ابتلاء، دار امتحان، والدليل قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾

[سورة الملك:2]

 أيها الأخوة الكرام؛ هذه الآية ينبغي أن نفهمها فهماً عميقاً، وينبغي أن ننطلق منها من أجل أن تصح سلامتنا في الدنيا وفي الآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018