الدرس : 107 - اعتماد القرآن الكريم على القصة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 107 - اعتماد القرآن الكريم على القصة.


2015-01-18

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

القصة أحد أكبر الوسائل البلاغية التي اعتمدها القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام؛ القصة في القرآن الكريم لها أثر بليغ، ذلك أن القصة في الأصل حقيقة مع البرهان عليها، ممكن أن تتكلم بكلام مجرد، مثلاً تقول: الأمانة هي فكرة أما حينما تأتي هذه الفكرة مستنبطة من حوادث وأشخاص وبيئة زمانية ومكانية وتفاعلات ومواقف، حينما تأتي هذه الفكرة من خلال قصة فالأثر أبلغ بكثير، وأنا أتمنى من الآباء والمعلمين والمدرسين والموجهين والمشايخ أن يعتمدوا القصة لأن الإنسان أحياناً يكون عنده خطوط دفاع.
 مثلاً ابن يقود مركبة والده، ويسرع، حيث يرى أن السرعة بطولة، مهما ألقيت عليه نصائح كلامية لا تؤثر، لكن حينما يرى حادثاً مروعاً، هذا الحادث المروع أبلغ من مليون محاضرة.
 فالإنسان من خلال القصة تتسلل أفكارك إليه دون أن يشعر، وهذه الأفكار في القصة تتجاوز خطوط دفاعه.
 لذلك القرآن اعتمد القصة، وأطول قصة في القرآن قصة سيدنا يوسف، أي مغزى القصة كلها عشر صفحات أو عشرون صفحة:

﴿ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمرِهِ وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ﴾

[ سورة يوسف: ٢١]

 فالقصة فيها حوادث، فيها حبكة، فيها شخصيات، فيها بيئة مكانية، بيئة زمانية، فيها بداية وعقدة ونهاية، هذه خصائص القصة الفنية، وهي منطبقة في القرآن مئة بالمئة، فدائماً وأبداً كموجه، كأب، كمعلم، اعتمد القصة، وأحياناً القصة تترك أثراً كبيراً جداً، والدليل اصحب ابنك إلى خطبة جمعة، والخطبة ساعة، اسأله بعد نهاية الخطبة: ماذا تذكرت من الخطبة؟ إذا فيها قصة يتذكرها فقط، الأفكار لا يتذكرها أبداً أما القصة فيتذكرها.
 إذاً القصة أحد أكبر الوسائل البلاغية والقرآن اعتمدها، وقال:

﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ﴾

[ سورة يوسف: ١١١]

قصة تبين حرص النبي على أموال أصحابه :

 الحقيقة أنه يوجد رجل اسمه الحجاج بن علاط كان في عهد النبي الكريم، فعن أنس بن مالك قال:

(( لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالاً وإن لي بها أهلاً))

[أبو يعلى والطبراني في المعجم الكبير والبزار في مسنده والإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه ]

 وزوجته هناك بمكة، زوجته وأمواله:

(( وإني أريد أن آتيهم فأنا في حلّ إن نلت منك؟))

 هل تسمح لي أن أنال منك؟ أي يتكلم كلاماً غير صحيح عن رسول الله، من يقبل الآن من القادة الكبار المستبدين أن يتحدث عنه بالسوء؟ يقطع رأسه فوراً:

(( فأنا في حلّ إن نلت منك، أو قلت شيئاً، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم))

 قال له: تكلم، أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما يشاء، الآن القصة بدأت، فلما وصل إلى مكة:

(( فأتى إلى امرأته حين قدم ))

 امرأته فقط سمعت من زوجها أن سيدنا محمداً حارب اليهود فانهزم .

(( فقال: اجمعي لي ما كان عندك فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم))

 أنت إذا كنت تريد أن تنتشر القصة قل لزوجتك ولا تتكلم إلى أي شخص كان، إذا أنت رغبت أن تنتشر القصة قل لزوجتك، فلما أتى لمكة تكلم لزوجته.

(( فأتى إلى امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندك فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، قال وفشا ذلك بمكة فأوجع المسلمين))

 المسلمون لم يهاجروا بعد، جاءتهم كآبة كبيرة جداً:

(( وأظهر المشركون فرحاً وسروراً))

 هذا الخبر امتحان، المؤمن تألم والكافر فرح، والدليل:

﴿إِن تَمسَسكُم حَسَنَةٌ تَسُؤهُم ﴾

[ سورة آل عمران: ١٢٠]

 أخواننا الكرام؛ لا أبالغ تعرف أخاً مؤمناً تزوج زواجاً ناجحاً، إذا تألمت عدّ نفسك مع المنافقين قطعاً، أخوك أخذ دكتوراه انزعجت عدّ نفسك مع المنافقين، هذا نوع من النفاق، والدليل قوله تعالى:

﴿إِن تَمسَسكُم حَسَنَةٌ تَسُؤهُم وَإِن تُصِبكُم سَيِّئَةٌ يَفرَحوا بِها ﴾

[ سورة آل عمران: ١٢٠]

 أنت تقيم نفسك كمؤمن، أخبار المؤمنين إن كانت إيجابية تفرح، إن كانت سلبية تتألم، جالس بعمان وهناك خبر بالبوسنة، خبر طيب إيجابي تفرح، وخبر سلبي تتألم، هذا الانتماء إلى الأمة، هذا الانتماء من أبسط دلائل الانتماء، أن تتألم بالسيئات وأن تفرح بالخيرات:

(( وأظهر المشركون فرحاً وسروراً))

 والمؤمنون تألموا ألماً شديداً:

(( فبلغ العباس بن عبد المطلب فعقر في مجلسه وجعل لا يستطيع أن يقوم))

 والله أحياناً تجلس في جلسة يصير فيها جلد للذات، يتكلم عن تخلف المسلمين، عن ضعف المسلمين، عن فساد الحكم في المسلمين، بعد ذلك لا تستطيع أن تقف، يا أخي تكلم خبراً إيجابياً، هذا خطأ كبير أن تتكلم دائماً بالسلبيات، يسمون هذا المرض الذي يسري بين المسلمين: جلد الذات، تتكلم عن التخلف، وعندنا مليون ميزة:

(( فبلغ العباس بن عبد المطلب فعقر في مجلسه، وجعل لا يستطيع أن يقوم))

 لكن هناك ملمحاً قبل أن أتابع القصة؛ العباس عم رسول الله يقيم في مكة، فكانت معركة بدر النبي يعطي توجيهاً يقول: لا تقتلوا عمي العباس، يوجد صحابي لم يتحمل قال: أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه؟ لم يقتنع بهذه النبوة، ومقام النبوة كبير جداً، أحدنا يقتل في المعركة أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه؟ قال: لا تقتلوا عمي العباس.
 الحقيقة لو دققت في الموضوع لو أخبر الصحابة أنه قد أسلم انتهى دوره في مكة، ودوره في مكة كان كبيراً جداً، لو لم يشارك العباس في معركة بدر لاتهم أنه أسلم وانتهى دوره، إذا لم يشارك في المعركة انتهى دوره، وإن أخبر النبي عن إسلامه انتهى دوره.
 أريد أن أقول كلمة دقيقة: هناك قيادة ذكية جداً، أنت يجب أن تعرف كيف يفكر الطرف الآخر، أي قرار يتخذ أنت يصلك مباشرة، هذه نقطة مهمة جداً في القيادة، لذلك هذا الذي يقال عنه في المصطلحات الحديثة: الأمن الخارجي، يجب أن تعرف العدو كيف يفكر؟ ماذا يخطط؟
 فسيدنا العباس مسلم، لكنخ بقي في مكة عين النبي، وأي اتفاق في قريش يرسله له، فله دور كبير جداً، أي بالمصطلح القديم كان عين النبي في مكة، فالنبي لا يتفاجأ بأي قرار اتخذ، أي خطة وضعت يعلمها قبل أن تقع، يأخذ احتياطه، فقال النبي: لا تقتلوا عمي العباس ، إن قال: إنه مسلم أنهى له دوره، والعباس إذا لم يشارك في الحرب كشف نفسه، وإن لم يقل لا تقتلوه يقتلونه، فلما قال: لا تقتلوا عمي العباس هذا الصحابي انزعج كثيراً قال: أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه؟ لكن يقولون: لما عرف هذا الصحابي الذي اتهم رسول الله بنفسه الحقيقة يقول: ظللت أُكفّر عن سوء ظني برسول الله عشرة أعوام رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله، عشرة أعوام يكفر عن سوء ظنه برسول الله، الآن قال أنس:

(( ثم أرسل غلاماً له - إلى الحجاج بن علاط – فقال: ويلك ما جئت به؟))

 العباس عم النبي قال: ما هذا الكلام؟ هل هذا الكلام هو الحقيقة؟ لم يصدقه من إيمانه فقط، لكنه أرسل له غلاماً - إلى الحجاج - قال له: ماذا تقول؟

(( ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به))

 انظر إلى هذا الإيمان، وعد الله نبيه بالنصر أقوى من أي خبر؟

(( فما وعد الله خير مما جئت به، قال الحجاج لغلامه اقرئ أبا الفضل السلام- أي العباس- وقل له: فليخل لي بعض بيوته لآتيه فإن الخبر على ما يسره- حتى لا يتسرب الخبر يجب أن يكون البيت فارغاً لا يوجد فيه أحد- فإن الخبر على ما يسره، ثم جاء العباس فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي، فأخذها لنفسه، وخيرها بين أن يعتقها فتكون زوجته، أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته))

 الأخبار كانت طيبة جداً، مثل الآن إذا شخص عطس بأمريكا الفضائيات توصل الخبر بعد دقيقة، فالأخبار لم تكن هكذا، كانت الأخبار لا تنتقل بهذه البساطة:

(( فجاء غلامه فلما بلغ الباب قال: أبشر يا أبا الفضل فإن الخبر على ما يسرك فوثب العباس فرحاً حتى قبل بين عينيه))

 فأخبره بما قال الحجاج فأعتقه، عتق العبد ليست عملاً بسيطاً، ثمنه غال جداً، أعتقه فرحاً بالخبر:

(( ثم جاء العباس فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي، فأخذها لنفسه، وخيرها بين أن يعتقها فتكون زوجته أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال لي ها هنا، أردت أن أجمعه وأذهب، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي أن أقول ما شئت ))

 تكلم القصة بالتفصيل لسيدنا العباس:

(( فأخف عني ثلاثاً ثم اذكر ما بدا لك))

 الخبر اكتمه فقط ثلاثة أيام حتى أغادر، أخذ أمواله كلها، لأنهم فرحوا بهزيمة سيدنا محمد، والمدينة سقطت، وأمواله استبيحت، فرحوا كثيراً فأعطوه كل أمواله، فجمع أمواله كلها بهذه الطريقة، هناك معنى دقيق أن النبي اهتم بشأن أصحابه، أي الثمن كان أن يتكلم عنه، قال له: ائذن لي أن أقول فيك ما شئت، فأذن له مادام مالك غالياً عليك اذهب وأحضره، وقل عني ما شئت:

(( فأخف عني ثلاثاً ثم اذكر ما بدا لك، قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع، فجمعته فدفعته إليه))

 لم يتكلم الحقيقة لزوجته، تكلم أن محمداً هزم، وأمواله استبيحت، واجمعي لي كل شيء عندك من أموال حتى أذهب وأشتري من الغنائم:

(( فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه قد ذهب، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، وقد أخبرني الحجاج أن الله قد فتح خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرت سهام الله فيها، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقاً، قال: فإني صادق والأمر على ما أخبرتك، قال: ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله، قد أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها الله على رسوله، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثاً، وإنما جاء ليأخذ مالاً كان له، ثم يذهب، قال فردّ الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئباً حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر، فسرّ المسلمون، وردّ الله ما كان من كآبة أو غيظ أو خزي على المشركين))

 أصبح هناك كآبة كبيرة جداً في مكة، وصل الخبر المفرح لهم أنه انتهى محمد وأسر، وأمواله توزعت، لكن لم يكن هذا الكلام صحيحاً.

(( وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئباً حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر فسرّ المسلمون، وردّ الله ما كان من كآبة أو غيظ أو خزي على المشركين))

 أي ممكن أن تستنبط من هذه القصة حرص النبي على أموال أصحابه، له مال كثير في مكة، وزوجته في مكة، قال له: ائذن لي أن أذهب إلى مكة وأقول فيك؟ قال: قل: ما شئت، انظر مصلحة أخوانه غلبها على مصلحته:

﴿لَقَد جاءَكُم رَسولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم حَريصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنينَ رَءوفٌ رَحيمٌ﴾

[ سورة التوبة: ١٢٨]

العالِم ثلثه معلومات و ثلثه مواقف و ثلثه حسن تقييمه لمن حوله :

 إذا أنت لم يكن عندك رحمة بمن حولك هناك مشكلة كبيرة، المعلومات وحدها ليس لها قيمة، أحياناً الإنسان يكون متكلماً، طليق اللسان، عنده معلومات دقيقة، يتكلم ويحدث الناس، هذا موقف، أكاد أقول: العالِم ثلاثة أثلاث؛ ثلث معلومات، دقائق، نصوص، تحليل دقيق، فكر، إيديولوجيا، منطلقات نظرية، والثلث الآخر مواقفه، مواقفه مع الحق وليس مع الباطل، العالِم عندما يقف مع الظالم أو الباطل انتهى عند الناس رغم علمه ومؤلفاته ومكانته العلمية انتهى كله، ثلث العالم معلومات، وثلث العالم مواقف، والثلث الآخر حسن التقييم لمن حوله، أول ثلث معلوماته، أفكاره، نصوصه، منطلقاته الفكرية، الإيديولوجيا الخاصة به مثلاً هذا ثلث، والثلث الآخر مواقف، وقف مع الحق، وليس مع الباطل، وقف مع المظلوم وليس مع الظالم، والعلماء الذين وقفوا مع الظالم انتهوا كلياً، فالعالم ليس كله معلومات، المعلومات ثلثه، والثلث الآخر مواقفه، والثلث الثالث حسن تقييمه لمن حوله.

بطولة الإنسان أن يفهم الدين فهماً دقيقاً :

 البطولة أخواننا الكرام أن نفهم هذا الدين فهماً عميقاً، وأن نطبقه في حياتنا، لا نقطف ثماره إلا إذا طبقناه، وعندما تطبق الدين أقول لك كلاماً دقيقاً: يمكن لا يوجد إنسان أسعد من مؤمن اصطلح مع الله، أجمل شيء في الدين معاملة الله لك بعد أن اصطلحت معه، فإذا الشخص فتح مع الله صفحة جديدة، وضبط بيته، ضبط إنفاقه، ضبط دخله، ضبط علاقاته الاجتماعية، هل هناك سهرة مختلطة لا يوجد فيها غيبة أو نميمة؟ لا يوجد إطلاق بصر لمحاسن النساء؟ ضبط أموره والتزم الشرع، وأنا أعني ما أقول: ليس على وجه الأرض أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، عندك مشكلة بإيمانك إذا لم تقل: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018