الدرس : 101 - ما حق التلاوة؟ قال الله عز وجل يصف الذين يتلون القرآن - ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 101 - ما حق التلاوة؟ قال الله عز وجل يصف الذين يتلون القرآن - ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾


2015-01-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تلاوة القرآن حق التلاوة :

 أيها الأخوة الكرام؛ حينما يقول الله جل جلاله يصف المؤمنين وعلاقتهم بالقرآن الكريم يقول:

﴿ يَتلونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة: ١٢١]

 فما هي التلاوة الحق؟ معظم المسلمين يتلون القرآن الكريم، لكن ما هي التلاوة الحق التي يقبلها الله عز وجل؟ بعض العلماء قالوا: أن تقرأه بلغة صحيحة؛ عندما تقول: إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء، الصلاة فاسدة، لأن المعنى أن الله هو الذي يخشى، لكن الآية هي:

﴿ إِنَّما يَخشَى اللَّهَ ﴾

[ سورة فاطر: ٢٨]

 مفعول به مقدم،

﴿ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾

 فأن تتلو القرآن تلاوة صحيحة وفق قواعد اللغة، لذلك قال سيدنا عمر: " تعلموا العربية فإنها من الدين" هذه لغة القرآن، لغة وحي السماء، هذه واحدة.
 أن تتلو القرآن تلاوة صحيحة وفق قواعد اللغة العربية، وبعضهم قال إن أمكن أن تتلوه وفق قواعد علم التجويد؛ إدغام إظهار إقلاب مدود، أي إذا الإنسان تمكّن أن يلم ببعض قواعد علم التجويد، و حاول أن يقرأ القرآن وفق قواعد علم التجويد، هذا من القراءة التي أرادها الله عز وجل،

﴿ يَتلونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾

 لكن في النهاية أنت زرت طبيباً لا سمح الله وصف لك هذه الوصفة، يمكن أن تكون لك ثقافة عالية في اللغة الأجنبية، فهمت الأدوية، فلما اشتريت الأدوية قرأت التعليمات، بل قرأت استطباب الدواء، آثار الدواء، فأنت باللغة الانكليزية تمكنت من معرفة الدواء واستطباباته، ثم احتفظت بهذه الوصفة ثم وضعتها في مكان آخر ....إلخ، مهما فعلت مع هذه الوصفة قراءة وفهماً وقراءة منغمة وحفظتها ما لم تستخدم الدواء لن تنتفع بهذه الوصفة.

 

استفت قلبك في كل أمر :

 الآن الحقيقة لا يوجد كتاب في الأرض خُدم كالقرآن الكريم، لأن الله عزوجل تولى حفظه، أعداء الدين بذلوا جهوداً جبارة، ترى الذي يطبع القرآن طبعات كثيرة صغيرة وكثيرة وملونة هذا كسب كبير جاء منه، فلم يوجد كتاب خُدم كالقرآن الكريم.
 لكن الكلام الدقيق والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، أنت دخلك وفق قواعد القرآن الكريم؟ إنفاق المال، علاقتك بأقاربك اختلاط أم نضباط؟ يا ترى في بيعك وشرائك هل يوجد مادة محرمة؟ والله قال لي شخص: لا يمكن أن نستورد من شركة عملاقة من ألمانيا مواد غذائية إلا مع الخمر، وهذا شيء إجباري، فماذا نفعل نحن اضطررنا لذلك؟ أي إذا كنت أنت في ضرورة معينة ترتكب حراماً فعندك مشكلة كبيرة، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر قال: " دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا".
 أنا أؤكد لكم ما من معصية على الإطلاق إلا فيها فتوى، فإذا كان يهمك أن تكون الفتوى مؤمنة أعلى منصب إفتاء في العالم الإسلامي أفتى بالعمل مع البنك الربوي، وتقاضي الفائدة الربوية - قصة مشهورة - أي إذا كان يهمك أن تكون الفتوى مؤمنة، أنا أقول من باب التعليقات اللاذعة: لكل معصية مهما كبرت فتوى، لكن البطولة في التقوى لا بالفتوى، أنت بفطرتك تشعر أن الفتوى مرفوضة، لأن هناك ملمحاً دقيقاً بنص نبوي:

(( استفتِ قلبك وإنْ أفتاكَ الناسُ وأفتَوْكَ ))

[رواه أحمد والدارميُّ عن وابصةَ الأسديِّ]

 والله مرة قال لي شخص يصنع ألبسة نسائية فاضحة، قال لي: هذه الموضة ماذا أفعل؟ ثم قال: والله يا أستاذ معي تسع فتاوى من علماء أن عملي سليم، عندما أرى فتاة تلبس هذه الملابس الفاضحة التي صممتها أنا أحسّ نفسي مذنباً، وعندي تسع فتاوى من علماء:

(( استفتِ قلبك وإنْ أفتاكَ الناسُ وأفتَوْكَ ))

[رواه أحمد والدارميُّ عن وابصةَ الأسديِّ]

 أي قلب المؤمن قلب ورع، قلب المؤمن الورع لا يرتاح.

 

التكذيب العملي أخطر شيء بالحياة :

 لذلك الحقيقة الدقيقة يوجد بالقرآن الكريم مجموعة آيات ليست بالقليلة تصف المؤمنين، أنا جمعتها كلها بصفحة تقريباً، فإذا شخص قرأ الآيات والسؤال دقيق: هل تنطبق عليه هذه الآيات أم لا تنطبق؟ أنا أقول مرة أخرى: الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، يوجد بالدين شكليات، لا يوجد مانع أن بيتك مزين بشكل إسلامي، ممكن أن تضع مصحفاً بالسيارة، شيء جميل جداً، لكن يا ترى أنت تتحرك وفق هذا المصحف أم بخلافه؟
 مرة كنت ماشياً بالطريق، شخص طلب مني أن أشرب فنجان قهوة عنده بأحد أسواق دمشق الكبرى، دخلت لعنده قال لي: يا أستاذ خطب ابنتي شاب ما شاء الله وسيم وغني، وعنده معمل وبيت بأرقى أحياء دمشق، وعنده سيارتان أو ثلاث، قلت: ما المانع؟ قال: لكن دينه رقيق، قلت له: أنت تقرأ القرآن؟ قال: بالتأكيد، قلت: بعدما تقرؤه ماذا تفعل؟ قال لي: أقول: صدق الله العظيم وأقبّله، قلت له: الله قال لك في هذا المصحف:

﴿ وَلَعَبدٌ مُؤمِنٌ خَيرٌ مِن مُشرِكٍ وَلَو أَعجَبَكُم ﴾

[ سورة البقرة: ٢٢١]

 فأنت إذا زوجت ابنتك لهذا الإنسان الفاسق الغني الموسر تكون لست مصدقاً الله عز وجل، لم يعد عندك صدق الله العظيم لأن عملك كذب قولك.
 أخواننا الكرام؛ أخطر شيء بالحياة التكذيب العملي وليس القولي، أي لا يجرؤ إنسان بالعالم الإسلامي أن يكذب القرآن، لا يفعل هذا لأن هذا الشيء عندنا مقدس، لكن الذي يعمل عملاً خلاف القرآن هو يكذب به عملياً، والتكذيب العملي أخطر من التكذيب القولي، أي احتفالاته، أفراحه، أتراحه كلها خلاف السنة، حتى كسب ماله، حتى إنفاق ماله، لا ترى انضباطاً إلا بالعبادات فقط.

الإسلام منهج تفصيلي :

 العبادة الشعائرية جزء بسيط جداً من العبادة التعاملية، العبادات الشعائرية خمس عبادات والحقيقة هي أعمدة، عندما يقول الحديث:

(( بني الإسلام على خمس ))

[البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر]

 الخمس ليست هي الإسلام، هي أعمدة تحمل الإسلام، الإسلام منهج تفصيلي يبدأ من أخصّ خصوصيات الإنسان من فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية، وقفة متأنية مع الذات، وقفة فيها مصارحة مع الذات، كل شخص منا له نشاط، له حركة، له حرفة، يا ترى بحرفته هل يوجد مادة محرمة؟ كثير من الحالات تجد مادة محرمة، لكن يقول لك: ماذا أفعل؟ أنا مضطر، لا يوجد مضطر، مضطر أي فقد الحياة أو المال كله، تقول: ضرورة شرعية أي فقد المال كله، أو فقد الحياة، أو ممكن أن تستغني عن المصلحة هذه، أو المادة هذه، الشاهد الله عز وجل يقول:

﴿قُمِ اللَّيلَ إِلّا قَليلًا﴾

[ سورة المزمل: ٢]

 ومن صلى الفجر في جماعة فهذا نوع من قيام الليل، وإذا كان قد صلى قبل الفجر ركعتين يكون هذا قيام الليل، قال الله تعالى:

﴿قُمِ اللَّيلَ إِلّا قَليلًا﴾

 قال الله تعالى:

﴿الَّذينَ يُنفِقونَ أَموالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ﴾

[ سورة البقرة: ٢٧٤]

 يوجد إنفاق، قال الله تعالى:

﴿ وَيَدرَءونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾

[ سورة الرعد: ٢٢]

 أي شخص زلت قدمه، قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

[ سورة هود: ١١٤]

 اعتبر أن هذا الدين لن أقول لك مرن، غلطت، هناك توبة مرة أخرى، وتوبة مرة أخرى، لا يوجد حلّ يجب أن تتوب، قال الله تعالى:

﴿الَّذينَ هُم في صَلاتِهِم خاشِعونَ﴾

[ سورة المؤمنون: ٢]

 الخشوع في الصلاة- قال العلماء- ليس من فضائلها بل من فرائضها، هناك فرق بين الفضيلة والفرض، ليس الخشوع في الصلاة من فضائلها بل من فرائضها:

﴿الَّذينَ هُم في صَلاتِهِم خاشِعونَ﴾

 قال الله تعالى:

﴿وَالَّذينَ هُم عَنِ اللَّغوِ مُعرِضونَ﴾

[ سورة المؤمنون: ٣]

 اجلس جلسة، تسعة أعشار الكلام الذي قيل فيها لغو لا يقدم ولا يؤخر، أي هناك كلام مفيد يرقى بك، جلسة ترقى بك، لقاء يرقى بك، أما لقاء كله غيبة ونميمة أو هناك لقاءات أنا أسميها: جلد الذات، نظل نتحدث عن تخلفنا، وعن الفساد في حياتنا، هذا موقف غير موضوعي، نحن بخير، مازال يوجد عندنا أسر إسلامية فيها بقية حياء، بقية دين، بقية خجل.

 

إيجابيات المسلمين لا تقدر بثمن :

 مرة كنت بأستراليا ودعني رئيس الجالية، قال لي: بلّغ أخواننا بالشام أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا، قلت له: اشرح؟ قال لي: الابن في أستراليا خمسون بالمئة ملحداً، شاذاً، يوجد فرق بين شاذ و زان، قال لي: تحب اسأل، نحن في مئة بيت لا يوجد خيانة زوجية واحد بالمئة، يوجد انضباط شرعي، هذه زوجته، هؤلاء أولاده، هؤلاء بناته.
 فلذلك شخص بأمريكا أحبّ أن يتزوج فاقترح على أبيه بنت الجيران، فقال له: لا يا بني، قال: لم؟ قال: إنها أختك وأمك لاتدري، أعجبته فتاة ثانية قال له: أيضاً هذه أختك، الثالثة أخته، فاشتكى لأمه، قالت: خذ أياً شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري، هذه المجتمعات الفاسدة، نحن عندنا مليون فضيلة، أي لا تقسُ على الأمة الإسلامية، عندنا مليون فضيلة لكن ليست ظاهرة، هناك بيوت فيها انضباط، فيها شيء اسمه حرام، هناك لا يوجد شيء اسمه حرام، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون 2-4]

 كلها آيات قرآنية:

﴿وَالَّذينَ هُم لِأَماناتِهِم وَعَهدِهِم راعونَ﴾

[ سورة المؤمنون 8]

 موضوع الأمانة لو إنسان له عندك مبلغ من المال، ولا يوجد أية وثيقة وأديته هذه الأمانة، أما أنت فموقع سنداً مصدقاً وإن لم تدفعه له يحجز على أموالك، هذا عمل سهل جداً، أما شخص له مبلغ عندك ولا يملك أية وثيقة لكن المبلغ ثابت وتوفي هذا الشخص فأنت أديت المال لأهله، هذه الأمانة.
أعرف شخصاً ترك شخص عنده مبلغاً من المال يقدر بعشرين مليوناً، ولم يأخذ منه إيصالاً وتوفي، بحث عن الورثة وأدى المبلغ بالتمام والكمال، أنا عندي قصص لأبطال، إنسان تراه عادياً لكن هناك حقاً عليه:

﴿وَالَّذينَ هُم لِأَماناتِهِم وَعَهدِهِم راعونَ﴾

[ سورة المؤمنون 8]

 قال الله تعالى:

﴿ الَّذينَ يَمشونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا ﴾

[ سورة الفرقان: ٦٣]

 فكّر غير المؤمن يعيش لحظته فقط، كنت بأمريكا وصفتهم بصفتين؛ يعيشون لحظتهم، وهدفهم المتعة فقط:

﴿ الَّذينَ يَمشونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا ﴾

[ سورة الفرقان: ٦٣]

العاقل من يدخل الآخرة في حساباته :

 يوجد موت وقبر وحساب وعذاب وجنة ونار، فإذا شخص لم يدخل الآخرة في حساباته، مثل بسيط، مطعم يبيع الخمر، غلته باليوم مليون، ومطعم آخر يبيع الحمص، صاحب المطعم فقير ويخاف من الله، ليس عنده مادة محرمة، ودخل هذا المطعم يغطي نفقاته، فالأول في مقياس الدنيا معه ملايين لكن بمقياس الآخرة الذي عنده مطعم بسيط ولا يبيع الخمر هو الناجي عند الله عز وجل، فالبطولة أن تربط أي عمل بالآخرة، هذا المقياس الدقيق، أضف الآخرة لمطعم فيه خمر وأضف الآخرة لمطعم لا يوجد فيه خمر، من الناجح؟ من الرابح؟ من الذكي؟ من العاقل؟ الذي لم يبع الخمر:

﴿ الَّذينَ يَمشونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا ﴾

[ سورة الفرقان: ٦٣]

﴿وَعِبادُ الرَّحمنِ الَّذينَ يَمشونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الجاهِلونَ قالوا سَلامًا﴾

[ سورة الفرقان: ٦٣]

 أي إذا كان الإنسان لا يوجد أمل منه اتركه، أما إذا كان هناك أمل فناقشه، الدليل:

﴿فَذَكِّر إِن نَفَعَتِ الذِّكرى﴾

[ سورة الأعلى: ٩]

 إذا كان لا يناقش أرح نفسك منه:

﴿وَالَّذينَ يَبيتونَ لِرَبِّهِم سُجَّدًا وَقِيامًا﴾

[ سورة الفرقان: ٦٤]

علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 هم تائبون، عابدون، حامدون، سائحون، راكعون، ساجدون، آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، أي أنتم بالأخبار إلا ما تابعتم مركز جامعة، ماذا كتب بأجمل خط على مستوى القبة كلها؟

﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: ١١٠]

 لو شخص سأل ما هذه الخيرية؟ الخيرية أتت بعد هذه الآية:

﴿ تَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: ١١٠]

 علة الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الآن اسمع كلام رسول الله:

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟- الصحابة صعقوا - قالوا : يا رسول الله ، وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟- صعقوا صعقة أشدّ- قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال : نعم وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

 هذه أخطر حالة تمر بها الأمة، أنا أسميها: تبدل القيم، الآن مثلاً إذا شخص أكل مالاً حراماً، وعمل مشروعاً تجارياً ضخماً، واشترى فيلا راقية جداً، وسيارتين أو ثلاث، معظم الناس يثنون على ذكائه، لكن هذا المال من قمار، فلم يعد الناس يهتمون للحلال والحرام، معه مال يثنى على ذكائه، لذلك:

﴿ الرّاكِعونَ السّاجِدونَ الآمِرونَ بِالمَعروفِ وَالنّاهونَ عَنِ المُنكَرِ ﴾

[ سورة التوبة: ١١٢]

 قال رسول الله:

((كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟))

 من هنا عندما قال شاعر في عهد سيدنا عمر بيت شعر:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 نقاد الأدب قالوا: إن هذا أهجى بيت قالته العرب، أهجى بيت قالته العرب شعار كل إنسان اليوم، مادام دخلك كبيراً، بيتك ملكك، أولادك أمامك، عندك سيارة، لا يوجد عندك ولا مشلكة مالية، من بعدي الطوفان، هذا اسمه: الانتماء الفردي، فقدنا الانتماء الجماعي، كل شخص ينتمي لمصالحه الشخصية، فإذا كانت محققة لا يهتم بالأمة:

﴿ الحامِدونَ السّائِحونَ الرّاكِعونَ السّاجِدونَ الآمِرونَ بِالمَعروفِ وَالنّاهونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحافِظونَ لِحُدودِ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة: ١١٢]

المؤمن لا يعنيه ما يقوله الناس يعنيه أن يرضي الله :

 وقال تعالى:

﴿ يُجاهِدونَ في سَبيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة المائدة: ٥٤]

 من لم يجاهد ومن لم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق، فهناك جهاد بالنفس، وجهاد دعوي، وجهاد بنائي، وجهاد قتالي، فإذا قلنا: جهاد، هناك أنواع من الجهاد كثيرة:

﴿ يُجاهِدونَ في سَبيلِ اللَّهِ وَلا يَخافونَ لَومَةَ لائِمٍ ﴾

[ سورة المائدة: ٥٤]

 لا يعنيه ما يقوله الناس، يعنيه أن يرضي الله عز وجل:

﴿الَّذينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَد جَمَعوا لَكُم فَاخشَوهُم ﴾

[ سورة آل عمران: ١٧٣]

 أحياناً يقولون لك: العالم كله ضد المسلمين، هذا صحيح، لكن الله معهم لا تقلق:

﴿ فَزادَهُم إيمانًا وَقالوا حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكيلُ﴾

[ سورة آل عمران: ١٧٣]

﴿ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبديلًا﴾

[ سورة الأحزاب: ٢٣]

﴿الَّذينَ يُبَلِّغونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخشَونَهُ وَلا يَخشَونَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: ٣٩]

﴿ وَيُؤثِرونَ عَلى أَنفُسِهِم وَلَو كانَ بِهِم خَصاصَةٌ ﴾

[ سورة الحشر: ٩]

﴿ الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قُلوبُهُم وَإِذا تُلِيَت عَلَيهِم آياتُهُ زادَتهُم إيمانًا وَعَلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلونَ﴾

[ سورة الأنفال: ٢]

﴿ فَما وَهَنوا لِما أَصابَهُم في سَبيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفوا وَمَا استَكانوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرينَ﴾

[ سورة آل عمران: ١٤٦]

﴿ كونوا قَوّامينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسطِ ﴾

[ سورة المائدة: ٨]

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكافِرينَ ﴾

[ سورة المائدة: ٥٤]

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ ﴾

[ سورة التوبة: ١٠٠]

 الآيات بالقرآن عن المؤمنين، أنا جمعتها كلها في مكان واحد، وهي متفرقة بالقرآن، فكلما وصلت إلى آية تصف المؤمنين، أي هذا من باب التدبر اسأل نفسك هذه السؤال المحرج: هل أنا كهذه الآية؟ هل تنطبق عليّ هذه الصفات؟ هذا التدبر، إذا لم تدخل نفسك بالقرآن كيف تعرف نفسك إن كنت على صحة أم على خطأ؟ هذا منهج فيه أمر أنت ائتمرت، فيه نهي أنت انتهيت، فيه وصف انطبق عليك.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018