ومضات قرآنية - الحلقة : 20 - كل التكاليف متناسبة مع خلق الانسان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠16برنامج ومضات قرآنية - قناة بغداد
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات قرآنية - الحلقة : 20 - كل التكاليف متناسبة مع خلق الانسان.


2014-07-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

تناسب التكاليف مع إمكانات الإنسان :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ الآية اليوم:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 أيها الأخوة الكرام؛ في هذه الآية ملامح دقيقة، من أبرز هذه الملامح أن كل التكاليف التي كلفنا الله بها هي تكاليف متناسبة مع إمكاناتنا، مع وسعنا، مع طاقاتنا، مع خصائصنا، لأنها من عند الخالق، من عند الخبير، من عند الحكيم، من عند العليم، فأي إنسان يقول: أحكام الدين فوق طاقتي إنسان جاهل، إنسان غير واقعي، هذه التكاليف من عند الخالق، والخالق هو الخبير، والدليل قال تعالى:

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾

[ سورة الملك : 14 ]

 لا بد من أن نعتقد جازمين أن كل هذه التكاليف ضمن وسعنا، لذلك قال بعض علماء النفس: الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله.
 فالإنسان يجب أن يوقن أن كل هذه التكاليف ضمن وسعه، هذه التكاليف تسلم الإنسان وتسعده، الأرض فيها سبعة مليارات إنسان، ما منهم واحد على الإطلاق إلا وهو حريص على سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، وسلامة الوجود وكمال الوجود واستمرار الوجود في طاعة الواحد الديان، لذلك التكاليف متوازنة يستطيعها كل إنسان، قال تعالى:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

الفرق بين كسبت و اكتسبت :

 هناك شيء اسمه كسب، الله عز وجل خلق الإنسان، خلقه في بلد معين، من أم وأب معينين، ذكر أو أنثى، بإمكانات منوعة، هذا كله ليس اختياراً منه، لكن الشيء الثابت والأساسي هو أن الله كلفك أن تعبده، وهذا التكليف ضمن وسع الإنسان، قال تعالى:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 معنى كسبت أي اختارت عملاً معيناً، فكرت به، واتخذت قراراً بفعله، ثم فعلته، هذا كسب، فالإنسان قد يأتيه شيء من دون كسب، هذا لا يحاسب عليه، أما حينما يختار شيئاً بمحض إرادته، ويتخذ قراراً بفعله ويتحرك نحو فعله، هذا صار من كسبه، هذا الكسب محاسب عليه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

﴿لَهَا﴾

 الفرق كبير بين لها وعليها، تقول: هذا البيت لي أي أملكه، وهذا المبلغ عليّ أي دين عليّ، ينبغي أن أدفعه، فرق كبير بين لها وعليها، قال تعالى:

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 لكن علماء اللغة وقفوا عند هذا الملمح اللغوي، لها ما كسبت، كسب فعل ثلاثي، أما اكتسبت فهو فعل فوق الثلاثي، فيه معاني إضافية عن كسب بمعنى أنه بمجرد أن تعمل عملاً صالحاً سجل لك، لها ما كسبت، أما العمل الآخر غير الصالح فيحتاج إلى نية، يحتاج إلى عزم، يحتاج إلى إصرار، فقد يلغى العمل السيئ إن لم يكن هناك نوايا سيئة، أي رحمة الله بنا كبيرة جداً، فالعمل الصالح يكتب لك بمجرد فعله، لكن العمل الآخر يحتاج إلى نية ثابتة واضحة، وإلى إصرار، وإلى متابعة، قال تعالى:

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 هذه حقيقة ثابتة.

 

الإصرار على المعصية أخطر شيء في حياة الإنسان :

 لذلك جاء الدعاء القرآني:

﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 من هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))

[سنن ابن ماجه عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ]

 هذا من رحمة الله بنا، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 أي أخطر شيء في حياة الإنسان الإصرار على المعصية، لذلك ورد في بعض أقوال النبي الكريم:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 أنت تمشي في طريق عريض، عرضه ستون متراً، تقود مركبة، فإذا حرفت المقود سنتمتراً واحداً، وثبت هذا الانحراف لا بد من أن تقع في الوادي، الثبات على انحراف بسيط يؤدي بالإنسان إلى الوادي، لكن بإمكانك أنك إذا حرفت المقود تسعين درجة أن تعيد المقود إلى وضعه الآخر، إذاً الكبيرة مع الاستغفار تغدو صغيرة، والصغيرة مع الإصرار تغدو كبيرة، لذلك قال تعالى:

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018