ومضات قرآنية - الحلقة : 04 - الصبر عن الشهوة بعد الصِّلة بالله . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠16برنامج ومضات قرآنية - قناة بغداد
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات قرآنية - الحلقة : 04 - الصبر عن الشهوة بعد الصِّلة بالله .


2014-07-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.

المؤمن يتحرك حركتين؛ حركة فيما سمح له وحركة فيما نهي عنه :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ مع لقاء جديد حول الومضات القرآنية، والآية اليوم لازلنا في سورة البقرة وهي قوله تعالى:

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 45]

 الحقيقة أن الله عز وجل أودع فينا الشهوات، وهذه الشهوات يمكن أن نتحرك بسببها بالتعبير الرياضي مئة وثمانين درجة، لكن الله عز وجل في منهجه القويم، وشرعه الحكيم، سمح لنا بمئة درجة فقط، فكل شهوة أودعها الله فينا هناك حيز يمكن أن نتحرك فيه، لكن هناك حيزاً آخر منعنا من التحرك فيه، لأن الجنة تحتاج إلى التزام، تحتاج إلى طاعة، تحتاج إلى افعل أو لا تفعل، الله عز وجل يقول:

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة البقرة: 45]

 حركة الأخذ والمنع ترقى بالإنسان
فحينما تتوق النفس إلى شهوة أودعها الله فينا، ويأتي هذا المؤمن فيصبر، يصبر من أجل من؟ من أجل خالقه، من أجل الذي قومه، من أجل الذي أعطاه نعمة الإيجاد، نعمة الإمداد، نعمة الهدى والرشاد، من أجل أن يسعده، هذا الذي يُترك طاعة لله يرقى به الإنسان، لو أنه ليس هناك محرمات إطلاقاً، ليست هناك حدود، كيف نرقى إلى الله عز وجل؟ أودع فيك الشهوات، أنت إذا أنفقت المال ارتقيت إلى الله، المال محبب، المال تحل به مئات المشكلات، فأنت إذا آثرت طاعة الله، آثرت رضوانه، آثرت التقرب إليه، وأنفقت هذا المال وأنت تحب المال، ما أودع فينا حبّ المال إلا لنرقى بإنفاقه، وما أودع الله فينا حب الشهوات إلا لنرقى بترك ما حرم منها.
 إذاً المؤمن يتحرك حركتين، حركة فيما سمح له، وحركة فيما نهي عنه، إذا نهي عن شيء تركه، إذا سمح له بشيء أخذه، هذه الحركة الأخذ والمنع ترقى بالإنسان، لذلك قال الله عز وجل:

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة البقرة: 45]

من عرف الله وصل إلى الجمال و الكمال و النوال :

 لكن هناك ملمحاً في الآية دقيقاً جداً، أنت أيها المؤمن حينما تتصل بالله، تذوق طعم القرب، تذوق طعم الحب، تذوق طعم الطاعة، تذوق طعم الإقبال، هذه المشاعر الإيمانية التي تنتاب الإنسان تسعده، لذلك من أجل الحفاظ عليها، مستعد أن يضحي بالغالي والرخيص والنفس والنفيس، فلذلك الإنسان إذا صبر عن شيء طمعاً في شيء آخر، وترك الدنيا يقابله رضوان الله عز وجل، من هنا ورد في بعض خطب النبي صلى الله عليه وسلم:

سعادة الإنسان بالقرب من الله عز وجل

((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء))

[ كنز العمال عن ابن عمر]

 لحكمة بالغة بالغة بالغة جعلت هذه الدنيا بأوضاع مختلفة، قد يحسن الإنسان كسب المال، وعنده مشكلة في البيت، بيته جيد جداً عنده مشكلة في العمل، هذه المشكلات هي تقويم لهذا الإنسان، وترقية له، لذلك الشهوات التي أودعها الله فينا من أجل أن نرقى بها إلى رب الأرض والسموات، ولكن الجانب الذي حرم علينا تركه يرقى بنا إلى الله، الإنسان يدخل إلى بيته في رمضان وهو في أعلى درجات العطش، لا يستطيع أن يضع في فمه قطرة ماء، من أجل من؟ من أجل الخالق، فهذه العبادة لله عز وجل، ترك المحرمات، ترك المنهيات، ترقى به، المقدم شيء، فالإنسان إذا قدم شيئاً لله عز وجل سعد بقربه، الله عز وجل مصدر الكمال.
 الحقيقة الإنسان يحب أشياء ثلاثة، يحب الكمال، يحب الجمال، يحب النوال، فأنت إذا عرفت الله وصلت إلى الجمال، وإلى الكمال، وإلى النوال، هذه المعرفة لها ثمن، ثمنها الطاعة.

ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه :

 أقول مرة ثانية: ما من شهوة على الإطلاق أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، حرمان لا يوجد، لكن هذه القناة النظيفة تسعد بها وأنت في طاعة الله، وأنت في رضوان الله، فلذلك أحياناً هناك قوانين من صنع البشر، أو قوانين مستنبطة من حركة الحياة ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه
لو أن هناك قانوناً من حركة الحياة يتناقض مع منهج الله عز وجل، أي يمكن أن تقوم بعمل يأتيك منه أموال طائلة، لكن هذا الشيء لا يرضي الله، النظام الأرضي يسمح لك بهذا المكسب الكبير، لكن طاعة الله لا تسمح لك بذلك، فأنت إذا دفعت الثمن في ترك شيء بإمكانك أن تأخذه في الدنيا، لكن آثرت طاعة الله على هذا الشيء، الآن أنت تخضع لقانون آخر أنا أسميه: قانون العناية الإلهية، لذلك:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 أنا أقول هذه الكلمة: زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً لله ثم لا تعوض عنه أضعافاً مضاعفة:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 لذلك الآية الكريمة:

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾

[ سورة البقرة: 45]

 أما والصلاة فلها معنى آخر، أنت إذا اتصلت به شعرت بسعادة القرب منه، فكأن هذه السعادة بالقرب منه تعوضك عن الشيء الذي تركته خوفاً منه، فأنت بين طاعة وبين سعادة.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننطلق جميعاً من خلال هذه الآيات إلى الحرص على طاعة الله أولاً، وعلى التقرب إليه ثانياً، وعلى العمل الصالح ثالثاً، فإن الصلاة والعمل الصالح والطاعة لله هي سرّ وجودك وغاية وجودك، وإلى لقاء آخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018