ومضات قرآنية - الحلقة : 01 - الإيمان بالغيب . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠16برنامج ومضات قرآنية - قناة بغداد
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات قرآنية - الحلقة : 01 - الإيمان بالغيب .


2014-06-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

اليقين الحسي :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ مع برنامج ومضات قرآنية وآيات هذه الومضة هي فواتح سورة البقرة، لقوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم :

﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة البقرة1-5]

 الحقيقة أن الإيمان بالغيب ماذا يعني؟ أنت حينما ترى شيئاً أمامك تتيقن منه تيقناً حسياً، شيء له حجم، وله شكل، وله لون، وله حركة، وله رائحة، فمن خلال الحواس الخمس تتيقن من الأشياء المادية التي حولك، هذا اليقين سماه العلماء اليقين الحسي، أنت إذا رأيت الشمس ساطعةً، أو القمر منيراً، أو إنساناً أمامك، أو شجرةً أنت في ظلها، هذه الأشياء التي تشاهدها عينك، أو تلمسها يدك، أو تشم رائحتها، أو ترى حركتها، هذا هو اليقين الحسي، وهذا الشيء قاسم مشترك لجميع بني البشر، ولا خلاف عليه إطلاقاً، ولكن حينما ترى دخاناً وراء جدار أنت تقول: لا دخان دون نار، أنت لم تر النار لكن رأيت أثر النار، فإذا استبدلت وجود الشيء بآثاره هذا يقين من نوع آخر، هذا يقين عقلي، فهذا الكون يدل على المكون، وهذا التسيير يدل على المسير، وهذا النظام يدل على المنظم، وهذا الحكمة تدل على الحكيم، وهذه القوة تدل على القوي، فكأن هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، هذا الكون يشف عن أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى.

 

الإيمان بالله من خلال الكون :

 لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، فإذا كان وجودنا في الدنيا من أجل أن نؤمن الدليل قوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 فأعبد من؟ أعبد الذي أؤمن به، وكيف الطريق إلى الإيمان به؟ هذا الكون بسمواته، بأرضه، بمجراته، بكازاراته، هذه الأرض ببحارها، بيابستها، بسهولها، بجبالها، بأكماتها، ببحيرتها، بما فيها من مخلوقات، هذه كلها أمام العليم تدل على عظمة الله عز وجل، فلذلك أنا أؤمن بالله من خلال هذا الكون الذي هو الثابت الأول، لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران-191 ]

 يؤمنون بالغيب، الذات الإلهية غابت عن حواسنا لقوله تعالى:

﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَار ُ﴾

[ سورة الأنعام: 103 ]

التفكر في خلق السموات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله :

 ولكن هذا الكون بما فيه من آيات دالة على وجود الله، وعلى كماله، وعلى وحدانيته تكفي كي نؤمن بالله أعظم الإيمان، أو أن التفكر في خلق السموات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله عز وجل، أي بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلومتر، وهذه الشمش أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، هناك نجم في برج العقرب الله عز وجل يقول:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾

[ سورة البروج: 1 ]

 هناك نجم في قلب العقرب اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، لذلك كلما ازددت تفكراً في خلق السموات والأرض ازددت خشيةً لله، كلما تفكرت في خلق السموات والأرض ازددت معرفةً بالله، ازددت طاعةً له، فكأن الطريق إلى معرفة الله هو التفكر في خلق السموات والأرض، لذلك تجد في القرآن الكريم ألفاً وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، آية الأمر تقتضي أن تأتمر، آية النهي تقتضي أن تنتهي، آية قصص الأنبياء السابقين تقتضي أن نتعظ، كل آية لا بد من المنطق أن تقف عندها، فإذا قرأت ألفاً وثلاثمئة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الأكوان، وعن خلق السموات والأرض، وعن المجرات، وعن الفضاء، وعن الطعام والشراب، وعن الأطيار، وعن الأسماك، هذا كله ماذا يقتضي؟ أن نتفكر في خلق السموات والأرض من أجل أن نعرف الله، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾

[ سورة البقرة: 2]

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 حجمك عن الله بحجم عملك، أما إذا آمنت بالله، آمنت بأسمائه الحسنى، بصفاته الفضلى، آمنت بعظمته، آمنت بوحدانيته، آمنت بكماله، لا بد من أن تتجه إليه:

﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة البقرة: 2]

 آمنت بالله أولاً، ثم اتجهت إليه ثانياً، قال تعالى:

﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة البقرة: 2]

 وأنت حينما تعرفه، وحينما تتصل به، تشعر بحقيقة السعادة، إنك تتصل بالعليم، بالحكيم، بالرحيم، بالمقتدر، بالقادر، بالغني، أنت حينما تشعر بهذه السعادة لا يسعك والحالة هذه إلا ان تعبر عن شكرك لنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، لا يسعك إلا أن تعبر عن شكرك لوجودك، ولكمال وجودك، أن تعبر عن هذا بالعمل الصالح، لذلك المؤمن يتقرب إلى الله بعمل صالح يتجه نحو الخلق كلهم، هذه الحقيقة أيها الأخوة تأتي من قوله تعالى:

﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة البقرة: 2]

 إذاً حقيقة الإيمان أن تؤمن بالله خالقاً، ومربياً، ومسيراً من خلال الأكوان، ومن خلال القرآن.
 وكختام لهذا اللقاء الطيب هناك آيات كونية، وهناك آيات تكوينية، الآيات الكونية خلقه، والآيات التكوينية أفعاله، والآيات القرآنية كلامه، أرجو الله سبحانه أن نتابع هذه الحلقات، وإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018