الدرس : 095 - قال تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ....﴾ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 095 - قال تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ....﴾


2014-12-29

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

بطولة الإنسان أن يعرف الحقائق المتعلقة بحياته قبل فوات الأوان :

 أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ اشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم وَأَموالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّهِ فَيَقتُلونَ وَيُقتَلونَ وَعدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوراةِ وَالإِنجيلِ وَالقُرآنِ ﴾

[ سورة التوبة: ١١١]

 وقال تعالى:

﴿ وَمَن أَوفى بِعَهدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاستَبشِروا بِبَيعِكُمُ الَّذي بايَعتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظيمُ﴾

[ سورة التوبة: ١١١]

 أولاً: حينما يأتي العيد وتزور أخاك، ويستقبلك ابن أخيك الصغير، ويقول لك: أنا معي مبلغ عظيم، هذا الطفل الصغير إذا قال كلمة مبلغ عظيم كم تقدر هذا المبلغ؟ أنا أعتقد أقصى شيء مئة دينار، فإذا قال مسؤول كبير في البنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً أنا أقدر هذا المبلغ بمئتي مليار، نفس الكلمة قالها طفل قدرت كلمة عظيم بمئة دينار وقالها مسؤول في البنتاغون فقدرت كلمته بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك، إذا قال خالق السموات والأرض:

﴿ وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا﴾

[ سورة النساء: ١١٣]

 قرآن، إذا عرفت الله عرفت كل شيء، لذلك قال تعالى:

﴿المالُ وَالبَنونَ ﴾

[ سورة الكهف: ٤٦]

 دقق في هذه الثنائية، المال بدون بنين حرقة في القلب، بنون بدون مال أصعب:

﴿المالُ وَالبَنونَ زينَةُ الحَياةِ الدُّنيا ﴾

[ سورة الكهف: ٤٦]

 والآن قال:

﴿ وَالباقِياتُ ﴾

[ سورة الكهف: ٤٦]

 لما قال الباقيات وصف ما قبلها وصفاً سلبياً، مثلاً تقول: فلان، اسمه فلان، لكن فلان مجتهد عندما قلت لكن استدراك، معنى هذا أن الأول غير مجتهد:

﴿المالُ وَالبَنونَ زينَةُ الحَياةِ الدُّنيا وَالباقِياتُ ﴾

[ سورة الكهف: ٤٦]

 المشكلة أخواننا الكرام أن الذي تبنيه في حياتك الدنيا بتسعين عاماً الموت يأخذه منك بثانية واحدة، بناء من ثمانين طابقاً، شخص سوري اشترى فندقاً بباريس، دائماً ممتلئ لا يوجد فيه مكان فارغ إطلاقاً، والفندق من ثمانين طابقاً عندما يموت لم يعد ملكه، كل شيء تملكه، الأشياء المادية، معك ملايين مملينة، معك أموال منقولة وغير منقولة، مادام القلب ينبض فالأملاك لك، وقف القلب لم يعد لديك شيء، بثانية الذي جمعته في عمر مديد تخسره في ثانية واحدة، ما هذه الدنيا؟ وأنت لا تعلم متى الموت، إنسان يبقى طريح الفراش ثلاثين سنة، زرنا أخاً بحمص من سبع و عشرين سنة طريح الفراش، وممكن أن ينام ولا يستيقظ، بجانبه زوجته، كان نائماً لمست يدها يده فكانت يده باردة، مات.
 فأنت بثانية تغادر الدنيا، بثانية تكون شخصاً لك مكانتك، لك هيمنتك، مدير عام، تاجر كبير عندك مئة موظف، بثانية واحدة تصبح خبراً على الجدران، الله ماذا قال؟

﴿ فَجَعَلناهُم أَحاديثَ ﴾

[ سورة سبأ: ١٩]

 كان شخصاً له مكانة أصبح الآن خبراً، أخواننا الكرام؛ البطولة أن هذه الحقائق الكبرى المتعلقة بحياتك عليك أن تعرفها قبل فوات الأوان.

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 سوف أقول لك مرة أخرى: خيارك مع الإيمان خيار وقت، لكن خيارك مع مليون موضوع خيار قبول أو رفض، لا أقول مليوناً بل ملياراً هذا البيت لم يعجبك لا تشتريه انتهى، معك خيار رفض مع مليون موضوع تملك خيار رفض إلا مع الإيمان لا تملك إلا خيار الوقت، فإن لم تؤمن الآن لا بد من أن تؤمن بعد فوات الأوان، والله ما رأيت أعقل ممن يعد لهذه الساعة.
 أعرف إنساناً توفي، أقول لكم: البيت بالشام يساوي خمسة ملايين أو عشرة، أما إذا كان بعشرين مليوناً فهو راق جداً، بيته سعره يقدر بمئة و ثمانين مليوناً، بأرقى أحياء دمشق، فيه فرش أو أثاث أو تحف بنصف المبلغ، مات بأيام مطيرة، فتحوا القبر خرجت مياه سوداء، مياه المجاري وصلت إلى قبره، فسألوا ابنه - ابنه صديقي – قال: ماذا نفعل؟! شخص جالس ببيت، سعره مئة و ثمانون مليوناً بعد ساعة أو ساعتين أصبح في القبر.
 هل هناك شخص من الحاضرين وأنا منكم يمكن أن يقول: أنا كل يوم أستيقظ مثل اليوم السابق؟ مستحيل يوجد بوابة خروج، في يوم من الأيام يوجد طارئ صحي لم يكن من قبل، فإذا كان هذا الطارئ الصحي يؤدي للموت يتفاقم حتى يؤدي للموت، ثم تكتب النعوة، فهذه النعوة حينما تكتب، وحينما يأتي الأجل، ومن بيت إلى قبر، ثم حتى لا يتذكرون الميت يتبرعون بكل ألبسته، لا يبقون على شيء حتى لا يتذكرونه، ثم أول يوم كله سواد بسواد حزن وبكاء، بعد أسبوعين يضحكون ويأكلون ويذهبون إلى النزهة، انتهى كل شيء.
 فأنا سأقول كلمة: عندما تولد أنت تبكي وكل من حولك يضحك، عند الموت كل من حولك يبكي إذا كنت بطلاً تضحك وحدك، قال تعالى:

﴿قيلَ ادخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيتَ قَومي يَعلَمونَ*بِما غَفَرَ لي رَبّي ﴾

[ سورة يس: ٢٦-٢٧]

الذكي من يعمل لآخرته :

 والله يا أخوان أنا لا أرى على وجه الأرض إنساناً أذكى ممن يعمل لآخرته، والأمر بيدك، لا يوجد قوة بالأرض تمنعك من أن تستقيم، مهما كان الوضع صعباً، مهما كان هناك قهر، مهما كان هناك ظلم، مهما كانت هناك معلومات دقيقة لا يمكنك أن تتكلم شيئاً، مع كل هذه الشدائد لا أحد يستطيع أن يمنعك من أن تستقيم، كن صادقاً، أميناً، تربي أولادك، تؤدي الصلوات، تعمل عملاً صالحاً، تقرأ قرآناً كل يوم، لا أحد يمنعك، فهذا الشيء بين يديك: "والدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طماعة عودها القناعة"، فالله عز وجل يوجد صفقة تمت، الله اشترى، الشاري هو الله، والبائع هو أنت، موضوع الصفقة أنفسهم وأموالهم، الثمن بأن لهم الجنة، عندك شار وبائع وصفقة وثمن، الثمن بأن لهم الجنة، الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إلى متى؟ قال: إلى الأبد، ما الأبد؟ واحد وثلاثة أصفار ألف، وبجانبها ثلاثة أصفار مليون، ثلاثة أخرى ألف مليون، ثلاثة أخرى مليون مليون، ثلاثة أخرى ألف مليون مليون، تمتد للحائط، لآخر الجامع، ماهذا الرقم؟ إذا واحد بالأرض والأصفار للشمس، مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، كله أصفار، وكل ميلي صفر، ما هذا الرقم؟ واحد بالأرض والأصفار للشمس، وكل ميلي صفر، والطريق مئتان و ستة و خمسون مليون كيلومتر، هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية قيمته صفر، ضع هذا الرقم بصورة كسر عشري ضع تحتها ثمانية مسطحة هذا للانهاية قيمته صفر.
 فكل هذه الحروب والمنازعات والسياسات والقهر والظلم والاستعمار والحقد والديكتاتورية ودول الغرب مع الظالم، ودول الشرق مع الظالم، هذا الوضع كله سوف ينتهي:

﴿ وَآخِرُ دَعواهُم أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ﴾

[ سورة يونس: ١٠]

 أنا أقول: بطولتك وذكاؤك وعقلك والتوفيق أن تعد لهذه الساعة عدتها، عندك بيت، وعندك زوجة، وعندك أولاد، وتأكل وتشرب، وتسهر سهرات إيمانية طيبة، وتأخذ أهلك نزهة، وتعمل وليمة، كله طبيعي، لكن لا تنسى أن هناك موتاً، هذه لحظة الموت، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، فالبطولة كما يقال في البرمجة العصبية اللغوية: "ابدأ من النهاية"، أما الناس كلهم تقريباً فيحدثونك عن واقعهم، وعن ماضيهم، وينسون المستقبل، والمستقبل فيه أخطر حدث في حياتنا مغادرة الدنيا.
 مرة كنت بالمغرب أمشي في أحد الطرقات الضيقة من أجل أن أصل إلى أشهر جامع في مراكش، وجدت بائع كتب، عنده لوحة وراء البلور: صلِّ قبل أن يصلى عليك، تدخل إلى الجامع مئات المرات تدخل قائماً، عمودياً، مرة تدخل بشكل أفقي، أين بطولتك في هذه المرة الأخيرة؟ دخل إلى المسجد ليصلى عليه يا ترى أكل مالاً حراماً؟ قبض رشوة؟ له علاقة مع غير زوجته؟ عنده دخل حرام؟ عنده علاقات ربوية؟ هنا المشكلة، المشكلة التي ليس لها حل.

 

على الإنسان أن يحاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً :

 أيها الأخوة؛ علينا أن نهيئ أنفسنا للمحاسبة الدقيقة، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً، كيف؟ يقول لك: لا تدقق، ضع رأسك بين الرؤوس وقل: يا قطاع الرؤوس، والله يوجد كلمات للعوام هي الكفر بعينه، ما هذا الكلام؟ أعطاك الله عقلاً، وأعطاك منهجاً، ولم يحرمك من شيء، تأكل وتشرب ومتزوج عندك أولاد وعندك كنائن وعندك أصهار وعندك دخل ما الذي ينقصك؟ ينقصك أن تعرف الله، ينقصك أن تطلب العلم، ينقصك أن تشحن هذا الهاتف الخاص بك، هاتفك إذا لم تشحنه أصبح قطعة بلاستيك، تحتاج إلى شحن نفسي، وشحن عملي، تحتاج إلى درس علم، وإلى قرب من الله عز وجل، مادام هناك شحن علمي ونفسي فأنت أسعد الناس.

بطولة الإنسان أن يقف من المصيبة الموقف الكامل :

 أخواننا الكرام؛ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، الشاري هو الله، وإذا كنت مؤمناً فأنت البائع، الصفقة أنفسهم وأموالهم، الآن إذا أنت بعت بيتاً، وأخذت ثمنه بالتمام والكمال نقداً، صاحب البيت الذي اشتراه ألغى جداراً بين غرفتين، رأى الغرف صغيرة أراد أن يكون لديه غرفة كبيرة، هل لك حق الدعوى؟ أنت ما علاقتك ألم تبع البيت؟ أنا حر أريد أن أنقل الحمام من هنا إلى هنا، أريد أن ألغي الحائط لكي يصبح الصالون كبيراً، أنت ما علاقتك؟ فأنت إذا بعت لا يحق لك أن تتدخل، أنت من أصحاب الدخل المحدود اسع ليكون دخلك أكبر، لكن سعيت سعيت ولم تقدر، بقي دخلك محدوداً فأنت مصنف أن دخلك محدود، وشخص آخر مصنف من أصحاب الأموال الطائلة، هو بعث لك زوجة كما تتمنى، لكن عندك أولاداً سيئين أي هذه زوجتك إما أن تصبر عليها، وإما أن تصبر عليك ولا يوجد شيء دائم، الشعراوي رحمه الله كان بليغاً فالتقى مع حسني مبارك فقال له: نحن قدرك وأنت قدرنا، فإما أن نصبر عليك وإما أن تصبر علينا، كلام مختصر مفيد، أحياناً شخص تعذبه زوجته كثيراً قلت له: طلقها؟ قال لي: ماذا؟ لا، سأصبر عليها.
 أمك قدرك، أولادك قدرك، هذا خيار الله لك، فأنت اقبل القدر وكن كاملاً، فالبطولة ليست ألا تصاب بمصيبة لكن البطولة أن تقف منها الموقف الكامل.
 في الصفقة الشاري هو الله، وأنت البائع، وموضوع الصفقة النفس والمال، والثمن الجنة:

﴿ يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّهِ فَيَقتُلونَ وَيُقتَلونَ وَعدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوراةِ وَالإِنجيلِ وَالقُرآنِ وَمَن أَوفى بِعَهدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

الإنسان مخير :

 أنا أقول كلمة: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعده للمؤمنين، وعدك، أنا أقول للشباب: وعدك بحياة طيبة، قال تعالى:

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: ٩٧]

 لك عنده حياة طيبة، لك عنده:

﴿ وَأَصلَحنا لَهُ زَوجَهُ ﴾

[ سورة الأنبياء: ٩٠]

 أخذتها بوقت أنت لم تكن فيه ملتزً، اخترت الجمال فقط، مع الجمال يوجد مليون مشكلة، الآن أنت تبت إلى الله انتظر الله يصلح لك زوجتك، الآن الآية الآخرى:

﴿وَلِكُلٍّ وِجهَةٌ هُوَ مُوَلّيها ﴾

[ سورة البقرة: ١٤٨]

أنت مخير.
 أخواننا الكرام؛ في اللحظة التي تتوهم أنك مسير ألغيت الدين، ألغيت الثواب، ألغيت العقاب، ألغيت الجنة، ألغيت النار، أنت لست مسيراً أنت مخير، لكنك مسير لما اخترت.
 الإنسان أحياناً يتمنى أن ينفق الأموال في سبيل الله، مادام تمنى ذلك فالله سيرزقه مالاً لينفقه قال:

﴿وَآتاكُم مِن كُلِّ ما سَأَلتُموهُ ﴾

[ سورة إبراهيم: ٣٤]

 البطولة أن تحسن السؤال، اسأل ربك الجنة وما يقرب إليها من قول أو عمل، واستعذ بالله من النار وما قرب إليها من قول أوعمل.
 من أقوال بعض العارفين بالله، رابعة العدوية قال:

لو قال تيهاً قف على جمر  الغضى لوقفت ممتثلاً ولم أتوقـــــف
أو كان من يرضى بخدي  موطئـــــــاً لوضعته أرضاً ولم أستنكف
***

من عرف الله فاز في الدنيا و الآخرة :

 المؤمن عندما يعرف الله عز وجل شيء لا يصدق، حتى لو كان بوضع سيئ جداً راض عن الله.
 شخص يطوف حول الكعبة قال: ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل، أي لن تغفر لي، كان يمشي خلفه رجل من أهل العلم قال: يا هذا ما أشدّ يأسك من رحمة الله! قال له: ذنبي عظيم، قال له: ما ذنبك؟ قال: كنت جندياً في قمع فتنة في العراق، فلما قمعت أبيحت لنا المدينة، دخلت أحد البيوت رأيت رجلاً وامرأة وولدين فقتلت الرجل وقلت لامرأته: أعطني كل ما عندك، أعطتني كل ما عندها فقتلت ولدها الأول، فلما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة هذا أغلى شيء عندها، أي أعطتني درعاً مطلية بالذهب، أعجبتني أمسكت الدرع تأملها وإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ، البيتان:

إذا جار الأمير وحاجباه  وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويــــــــل ثم ويل ثم ويل  لقاضي الأرض من قاضي السماء
***

 يمكن أن يعيش الإنسان أربعين عاماً طريح الفراش حتى أقرب الناس له يتمنى موته.
 أنا أعرف قريبة من قريباتي، عندها مال كثير جداً، أصيبت بالشلل، أول أسبوع الخدمة خمس نجوم، كل أسبوع تنقص نجمة حتى أسمعوها كلاماً لا يحتمل، خفف الله عنك، هذه الأم، قال تعالى:

﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكرِمٍ ﴾

[ سورة الحج: ١٨]

إيجابياتنا لا تقدر بثمن :

 لا تعتمد على أولادك، اعتمد على الله عز وجل، يمكن أن تعيش عمراً مديداً بكامل صحتك.
 عندنا بالشام عالم وصل إلى السابعة و التسعين، منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، وزوجته عاشت معه العمر نفسه، فكان إذا سئل: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا بالكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 لي صديق أردت في أحد الأعياد أن أزوره، طرقت بابه، فتح لي والده سنه كبيرة جداً، قال لي: والله يا بني محمد ليس هنا، هل من الممكن أن تدخل خمس دقائق، قلت له: نعم، دخلت، ماذا قال لي؟ قال: عمري سبع و تسعون سنة، عملت البارحة فحوصاً كاملة كان كل شيء طبيعي، ثم قال لي: والله الحرام لا أعرفه لا حرام النساء ولا حرام المال، فمن عاش تقياً عاش قوياً، ومن تعلّم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، أنت حافظ لكتاب الله، تقرؤه كل يوم، أنا أعتقد لا أقول لك: ممنوع، لكن أعتقد أن احتمال الخرف ضئيل جداً. بشخصيتك ومكانتك والكل يهابك ولك مكانتك وعمرك فوق الثمانين.
 يوجد أناس بلغوا أرذل العمر أصبح يتلقى من أهله إهانات لا تحتمل، تقول له زوجة ابنه: مت و أرحنا، والله شيء صعب يا أخوان، أنت اشتريت البيت و أسسته و أدخلت أولادك الجامعات.
 مرة أحد الأخوة الكرام انتقل من جامعة لجامعة، يبدو أنهم أرجعوه سنة، كان بحلب أصبح بالشام، هو يدرس الحقوق فخسر سنة، فأنا عندي أخ ابنه رئيس الجامعة، وهو شخص محترم، أنيق جداً، قلت له: ممكن أن نزور ابنك، قال لي: على الرحب و السعة، دخلنا إلى رئيس جامعة دمشق وأنا أستاذ جامعة، عندما عرف أن عملي بالتربية رحبّ بي ترحيباً كبيراً، لكنه قال لوالده: اجلس هناك، ليس من المعقول أن تقول لوالدك: اجلس هنالك، وهو أنيق جداً أي لا يُستحى فيه، يظهر أنه لم يرغب أن يعرف أحد أن هذا والده، فأنا قلت لنفسي: لعله درس على حساب الدولة، قلت للوالد لاحقاً: أين درس ابنك؟ قال: بأمريكا، قلت له: من أنفق عليه؟ قال: أنا والله أنفقت عليه عشر سنوات، وكانت المبالغ طائلة وفلكية، ويقول لك: اجلس هناك، لم يرد أن يشعر الحاضرين أن هذا والده، وهو والله يفتخر به، هكذا سبحان الله هناك مواقف صعبة جداً.
 أعرف ضابطاً، والده مساعد في الجيش، ومن لوازم النظام العسكري الأب يقدم الصف لابنه، هذه معروفة بالنظام المنضم صباحاً، فهذا الأب يريد أن يقدم الصف لابنه، ابنه ضابط لكن الأب مساعد، فكلما قدم له الصف يأتي أمام ستمئة عنصر ويقبل يد أبيه.
 أنا سمعت من يومين قصة أبكتني، أم ابنها أخذ دكتوراه من جامعة هارفارد، يوم الاحتفال يلبسونهم هذه القبعة الخاصة بالعلم، وهي أساسها عربي على شكل كتاب مربع، هذه أخذوها عن المسلمين، فيوم تلقيه هذه الشهادة العليا باحتفال مهيب وجد أمه أمامه، أمام كل من حضر نزل إلى الأرض قبّل قدميها فترك صدمة نفسية، المسلمون أمة.
 بينما أعرف يقيناً ابني كان بأمريكا، عنده جارة عندها خمسة أولاد، تمضي السنة بكاملها لا يطلون عليها، فنحن نعيش بنعم لا يعرفها إلا الله، إذا لم يأت ابنك لعندك كل يوم إذاً عنده مشكلة، كل يوم يأتي لعندك، نحن عندنا تواصل أسري لا يقدر بثمن، لكن نحن عندنا عقدة النقص، نحن نسلك سلوك جلد الذات، نظل ننتقد وضعنا، خذ إيجابيات حياتنا، والله عندنا مليون إيجابية، عندنا أسرة، هذا أب له مكانته، وهذه أم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018