ومضات قرآنية - الحلقة : 11 - أنواع الاختلاف عند الناس. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠16برنامج ومضات قرآنية - قناة بغداد
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات قرآنية - الحلقة : 11 - أنواع الاختلاف عند الناس.


2014-07-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.

أنواع الاختلاف عند الناس :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآية اليوم من برنامج:" ومضات قرآنية " هي قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾

[سورة البقرة: 176]

 الحقيقة التي يمكن أن نستنبطها من هذه الآية الكريمة أن الاختلاف حقيقة ثابتة في بني البشر، إلا أن الاختلاف على أنواع، هناك اختلاف مصدره نقص المعلومات، فإذا سمعنا صوت مدفع في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، نتساءل: هذا مدفع رمضان؟ لقد ثبت أول الشهر غداً أم ماذا؟ هنا اختلاف يعزى إلى نقص المعلومات، وهذا اختلاف طبيعي لا يمدح ولا يذم، عندما تكون المعلومات غير كافية، حينما نفتقر إلى معلومات صحيحة نختلف في التفسير، لكن الاختلاف الذي ذمه القرآن الكريم هو الاختلاف الذي يصدر عن اختلاف الأهواء والمصالح، وقد تؤكده آية كريمة:

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾

[سورة سورة آل عمران: 19]

 الحقيقة قد يختلف الناس من أجل مصالحهم، من أجل طموحاتهم، من أجل أهوائهم، من أجل مكاسبهم الأرضية، هذا الاختلاف ذمه الله عز وجل، ووصف هذا الاختلاف بأنه بسبب اختلاف الأهواء، ونعوذ بالله من أن يكون المسلمون من هذا النوع إذا اختلفوا، هذا نوع لا يرضاه الله عز وجل، الإله واحد، والنبي واحد، والكتاب واحد، الأصل ألا نختلف، الأصل أن نتعاون فيما اتفقنا، وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، قد نختلف في وجهات النظر، قد نختلف في الجزئيات، والاختلاف المحمود هو أن نختلف من أجل التسابق، مثلاً هناك من يرى أن الدعوة إلى الله أعظم عمل على الإطلاق، هناك من يرى ذلك في تأليف الكتب، هناك من يرى ذلك في تأليف القلوب، هناك من يدعو إلى تأليف القلوب، تأليف الكتب هناك من يدعو إليه، وقد قيل: تأليف الكتب أطول أمداً وأقل أثراً، تأليف القلوب أعمق أثراً وأقل أمداً، على كل قد نختلف في الأعمال الصالحة، قد نختلف اختلافاً تنافسياً، هذا الاختلاف التنافسي محمود، قد يرى بعضنا أنه لا بد من عمل صالح، هذا العمل الصالح يراه في الدعوة إلى الله، هذا يراه في إطعام المساكين، هذا يراه في التأليف بين القلوب، قد تتنوع الأعمال الصالحة، وقد قيل: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، يمكن أن تصل إلى أعلى درجة عند الله عز وجل دون أن تنافس أحداً، لأن الدين واسع جداً، والنشاطات واسعة جداً، وفضل الله يسع كل خلقه.
 إذاً نحن نريد من موضوع الاختلاف أي يكون اختلافنا تنافسياً، نختلف كي نتنافس على العمل الصالح.

 

البشر على اختلاف مللهم و نحلهم صنفان لا ثالث لهما :

 لذلك لحكمة بالغة كل جهة أرضية، وكل إنسان له وجهة نظر خاصة به، تدفعه لعمل معين، هذه الأعمال متكاملة وليست متناقضة، الناس جميعاً يتحركون، هذا يتحرك لتأليف كتاب، هذا يتحرك لفتح مشروع تجاري، هذا يتحرك لزواجه، الله عز وجل يقول:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل1-4]

 السعي مختلف، على وجه الأرض الآن سبعة مليارات إنسان، كل إنسان يتحرك ضمن رؤيته، وفق أهدافه، وفق مصالحه، لكن الله عز وجل أنزل كل هذه الحركات التي لا تنتهي أانزل حركة البشر في حقلين فقط لا ثالث لهما، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل :5-6]

 صدق أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، أعطى واتقى وصدق بالحسنى، الرد الإلهي:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[سورة الليل: 7]

 والصنف الثاني، قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل8-10]

 كذب بهذا الدين، كذب بالآخرة، كذب بالمعاني السامية التي نتعرف بها إلى الله عز وجل، هو كذب، فلما كذب استغنى عن طاعة الله، فلما استغنى عن طاعة الله جعل همه أن يأخذ لا أن يعطي، لذلك ليسأل الإنسان نفسه هو من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ إذا كان همه أن يأخذ هو من أهل الدنيا، أما إذا كان همه أن يعطي فهو من أهل الآخرة، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل:5-7]

 كلام دقيق، صدق أنه مخلوق للجنة، لذلك بنى حياته على العطاء، و اتقى أن يعصي الله، وأما الذي أراد الدنيا صدق أنه مخلوق للدنيا، وكذب بالآخرة فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا.
 مرة أحد المؤلفين ألّف كتاباً عن رسول الله، خاطبه فقال: يا من جئت الحياة فأعطيت و لم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع.
 إذاً الاختلاف الطبيعي اختلاف نقص المعلومات، حينما تتضح المعلومات يزول هذا الاختلاف، أما الاختلاف المذموم فاختلاف المصالح والأهواء والمكتسبات، هذا الاختلاف القذر، أما الاختلاف المحمود فهو الاختلاف التنافسي نتنافس لفعل العمل الصالح، في الخير، في محبة الناس، والله سبحانه وتعالى من وراء القصد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018