الدرس : 087 - القدوة قبل الدعوة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 087 - القدوة قبل الدعوة.


2014-12-21

ضرورة الاستفادة من التقنيات الحديثة لصالح الإسلام :

 العالم كان خمس قارات، صار قارة، صار بلداً، صار مدينة، صار قرية، صار بيتاً، صار غرفة، صار مكتباً، الآن العالم كله سطح مكتب، هذا الهاتف الصغير، ابني مقيم في فلوريدا بأمريكا، يتابع الدروس يومياً من هذا، ما هذه التقنية الحديثة؟ القطعة هذه تسجل الدرس، يوضع في الأنترنت، تفتح على موقعي فتحصل على الدرس صوتاً وصورة ونصاً.
 لذلك التواصل الذي حصل بين أطراف الأرض دعا النبي الكريم إلى أن يقول:

(( يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

[أحمد وغيره عن تميم الداري]

 أنا دعيت إلى مالبورن في أستراليا، مالبورن آخر مدينة في العالم، سيدني في الثلث الثاني من أستراليا، مالبورن في الأسفل، لا يوجد بعدها إلا القطب الجنوبي، توجد إذاعة إسلامية، ويوجد دروس.

(( يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

[أحمد وغيره عن تميم الداري]

 هذه من نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام. أي لم يعد يوجد عندكم عذر يا أخواني، الحق يصل إلى أي مكان، بأي جهاز يمكن أن تطلب سؤالاً يأتيك ألف جواب، أو عشرة آلاف، فالأمور بين أيدي المسلمين، فالبطولة أن ننتفع بهذه التقنية الحديثة لصالح المسلمين، أنا من أنصار أن نجعل هذه المواقع إسلامية، العبد الفقير لي موقع في الأنترنت زواره في اليوم مليون زائر، ينسحب منه في اليوم مليونان ومئتا ألف ملف يومياً، فالآن العالم كله أصبح سطح مكتب، فينبغي أن ننتفع من هذه التقنية الحديثة جداً وأن نؤسلمها.
 توجد تقنية لغير المؤمنين لنشر الفساد، يوجد ثلاثة وعشرون مليون موقع إباحي في الأنترنت، فالحد الأدنى هذه التقنية الحديثة جداً التي جعلت العالم كله سطح مكتب ينبغي أن ننتفع بها، وأن نوظفها، أو أن نؤسلمها.

 

إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة :

 يوجد فكرة سأبينها بمثل، طبيب تزوج ولم ينجب عشر سنوات، ثم أنجب طفلاً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الطبيب الأب أن ابنه مصاب بالتهاب في الزائدة الدودية، فسمح أن يفتح بطنه، وأن تستأصل الزائدة وإلا قد يموت.
 فكل شيء وقع، أي حدث، في الخمس قارات من آدم إلى يوم القيامة أراده الله، لا تعني أراده أنه أمر به، ولا تعني أراده أنه رضيه، سمح أي أراد لكن لم يأمر ولم يرض، عندما يكتشف الطبيب أن ابنه معه التهاب زائدة، هل الأب هو الذي جعل هذه الزائدة تلتهب؟ لا، لكن اكتشف هذه الحقيقة، فلا بد من المعالجة.
 أحياناً الذي وقع أراده الله، سمح به فقط، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، وكان الله ملوماً يوم القيامة، الدليل:

﴿وَلَولا أَن تُصيبَهُم مُصيبَةٌ بِما قَدَّمَت أَيديهِم فَيَقولوا رَبَّنا لَولا أَرسَلتَ إِلَينا رَسولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكونَ مِنَ المُؤمِنينَ﴾

[سورة القصص: ٤٧]

 فالذي وقع أراده الله أي سمح به، لم يأمر به، ولم يرضه، لكن سمح به، كالطبيب الأب الذي يسمح بفتح بطن ابنه لاستئصال الزائدة الدودية، لكنه لم يأمر بذلك ولم يرض، فالإرادة لا تعني أن الله رضي بما وقع، ولا تعني بأن الله أمر بما وقع، هذه من مسلمات العقيدة.
 فكل شيء وقع في العالم كله في الخمس قارات من آدم إلى يوم القيامة أراده الله، أي سمح به فقط، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، فالذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوما، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، والإرادة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، أي بالكون لا يوجد شر مطلق، لأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، و لكن يوجد شر موظف للخير، الدليل:

﴿إِنَّ فِرعَونَ عَلا فِي الأَرضِ وَجَعَلَ أَهلَها شِيَعًا يَستَضعِفُ طائِفَةً مِنهُم يُذَبِّحُ أَبناءَهُم وَيَستَحيي نِساءَهُم إِنَّهُ كانَ مِنَ المُفسِدينَ وَنُريدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ استُضعِفوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوارِثينَ وَنُمَكِّنَ لَهُم فِي الأَرضِ وَنُرِيَ فِرعَونَ وَهامانَ وَجُنودَهُما مِنهُم ما كانوا يَحذَرونَ﴾

[سورة القصص: ٦]

  فدائما الشر المطلق لا يمكن أن يوجد في الكون لأنه يتناقض مع وجود الله، يوجد عندنا شر نسبي، يوجد عندنا شر موظف للخير.
الأب الحنون الرحيم يرى ابنه مقصراً في دراسته فيعاقبه، هذا العقاب جعله في مرتبة عالية في الأرض، دخل جامعة، وأخذ شهادات عليا، وتزوج، واشترى بيتاً.
 فلذلك كنت أضرب مثلاً للتوضيح، لو أن ابناً قال لأبيه: لا أريد أن أدرس، قال له: كما تريد، وافق من أول كلمة، هذا نام إلى الظهر، استيقظ عمل أكل لوحده، ذهب إلى السينما، أمضى حياته بين السينما ورفقاء السوء والطرقات والملاهي والمعاصي والآثام، كبر لا يوجد عنده بيت، وليس متزوجاً، ولا مركبة، أما أصدقاؤه فأصبحوا مهندسين وأطباء، قال لأبيه: عندما قلت لك لا أريد أن أدرس لمَ لم تضربني؟ لم لم تعنفني؟

 

المصائب رسائل من الله عز وجل :

 ثم قال تعالى:

﴿وَلَولا أَن تُصيبَهُم مُصيبَةٌ بِما قَدَّمَت أَيديهِم فَيَقولوا رَبَّنا لَولا أَرسَلتَ إِلَينا رَسولًا ﴾

[سورة القصص: ٤٧]

 ما معنى رسولاً؟ حسب السياق المصيبة، المصيبة رسالة من الله، يقول لك: صار عرض عسكري وكان هذا العرض العسكري رسالة للدولة المجاورة مثلاً، ويقال في الأخبار الآن: رسالة، ما كل رسالة كلام، أحياناً عرض عسكري، وعرض أسلحة فتاكة في العرض العسكري هو رسالة لدول الجوار:

﴿ لَولا أَرسَلتَ إِلَينا رَسولًا ﴾

[سورة القصص: ٤٧]

 أي مصيبة:

﴿ فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكونَ مِنَ المُؤمِنينَ﴾

[سورة القصص: ٤٧]

 فالإنسان عندما يفهم على الله يكون قد قطع أربعة أخماس الطريق إلى الله، لذلك ورد في الأثر النبوي:
 ما من عثرة- شخص يمشي فوقه- ولا اختلاج عرق- سيارة مسرعة كادت أن تدهسه لكن لم يحدث أي شيء ولكن اضطرب- ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود- مسمار بطاولة لم ينتبه له يده على المسمار انخدشت-:

 

(( ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يغفر الله أكثر ))

 

[ ابن عساكر عن البراء تصحيح السيوطي ضعيف‏ ]

 لا تصدق أن تأتي مصيبة بلا سبب:

﴿ما أَصابَ مِن مُصيبَةٍ إِلّا بِإِذنِ اللَّهِ وَمَن يُؤمِن بِاللَّهِ يَهدِ قَلبَهُ ﴾

[سورة التغابن: ١١]

 فالبطولة أن تفهم حكمة الله من المصيبة، ابحث، اسأل، الله عز وجل قال:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَليمًا﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 أي مستحيل وألف مستحيل وألف ألف مستحيل أن يسوق الله لعباده شيئاً سلبياً، مصيبة بلا سبب. لذلك:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم ﴾

  الآية نفسها:

﴿ إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

 والله توجد آية أدق قال:

﴿ أَتُريدونَ أَن تَجعَلوا لِلَّهِ عَلَيكُم سُلطانًا مُبينًا﴾

[سورة النساء: ١٤٤]

 أي إذا كان هناك محل تجاري في عمان، وكل بضاعته نظامية، ومرّ ضابط جمرك لا تتحرك شعرة، كل شيء معه نظامي، ومعه فواتير، أما لو كان عنده بضائع مهربة مثلاً ومرّ ضابط جمرك ينخلع قلبه من الخوف.

 

من استقام على أمر الله ملأ قلبه طمأنينة :

 الآن: إذا ما ارتكبنا معصية، ما أكلنا مالاً حراماً، ما اعتدينا على أحد، هذا الإله العظيم قال: لا يوجد عليكم سلطان:

﴿ أَتُريدونَ أَن تَجعَلوا لِلَّهِ عَلَيكُم سُلطانًا مُبينًا﴾

 فإذا شخص استقام على أمر الله عز وجل الله يملأ قلبه طمأنينة:

﴿إِنَّ الَّذينَ قالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلائِكَةُ أَلّا تَخافوا وَلا تَحزَنوا ﴾

[سورة فصلت: ٣٠]

 كلمة لا تخافوا ولا تحزنوا دقيقة جداً، لا تخافوا من المستقبل، ولا تحزنوا على الماضي، كلمة لا تخافوا ولا تحزنوا غطت الزمن كله:

﴿إِنَّ الَّذينَ قالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلائِكَةُ أَلّا تَخافوا وَلا تَحزَنوا وَأَبشِروا بِالجَنَّةِ الَّتي كُنتُم توعَدونَ نَحنُ أَولِياؤُكُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُم فيها ما تَشتَهي أَنفُسُكُم وَلَكُم فيها ما تَدَّعونَ نُزُلًا مِن غَفورٍ رَحيمٍ﴾

[سورة فصلت: ٣٢]

 هذه الدعاء إلى الله للمؤمنين، قال تعالى:

﴿وَمَن أَحسَنُ قَولًا مِمَّن دَعا إِلَى اللَّهِ ﴾

[سورة فصلت: ٣٣]

 الناس لا يتعلمون بآذانهم يتعلمون بعيونهم.

 

القدوة قبل الدعوة :

 لذلك القدوة قبل الدعوة، أعظم دعوة أن تكون قدوة، وأنا أؤكد لكم أن الأب الذي لم يوجه أولاده ولا بكلمة لكن الأولاد ما سمعوا منه كلمة بذيئة، ما رأوا منه موقفاً لا يليق، ما رأوا منه تعرياً لا يجوز، الأب منضبط بكلامه وأفعاله، انضباط الأب لوحده دعوة، أنا أقول لكم الآن: الصدق دعوة وأنت ساكت، أنا اخترعت الدعوة الصامتة، لو لم تتكلم مادام كلامك منضبطاً في البيت، لا توجد كلمة خاطئة، مادام عملك منضبطاً، يوجد تواضع لله، يوجد ستر عورات، لا يوجد تكشف، الأب المنضبط الذي لم يتكلم مع أولاده حرفاً واحداً هو قدوة لهم شاء أم أبى، لذلك قالوا: القدوة قبل الدعوة.
 لماذا صدق الناس الأنبياء؟ لأنهم فعلوا ما قالوا، لأن الأنبياء لا يجد الإنسان مسافة بين أقوالهم وأفعالهم.
 أنا زرت الشيخ الشعراوي رحمه الله، أنا زرته مرتين أو ثلاث مرات وألّفت عنه كتاباً، سألته مرة: بماذا تنصح الدعاة إلى الله؟ أنا توقعت أن يجيبني حوالي الساعة أو نص ساعة فإذا بها جملة واحدة:" أن يحذر الداعية أن يراه المدعو على خلاف ما يدعو"، فقط.
 أكثر شيء يحرك الدين المصداقية، أبداً، لا تجد مسافة بين أقواله وأفعاله، أنا سأقول كلمة لمن يدعو إلى الله: بيت الداعية جزء من الدعوة، لا يجب أن يتكلم شيئاً ويكون في بيته غير مطبق هذا الكلام، هذا ليس داعية، لا يجب أن يتكلم ويعطي أمراً ولا ينفذه، إذا كشف المدعو، عفواً أنت ممكن أن تنتفع من طبيب، ولا يهمك استقامته، معه بورد بالأمراض الهضمية، والمريض معه قرحة، فهذا الذي معه بورد بالأمراض اختصاصه من أعلى مستوى، فالمريض لا يهمه الطبيب مستقيم أم غير مستيقيم، يا ترى هل يصلي الطبيب؟ لا يهمك، ماذا تريد من صلاته؟ معه اختصاص عال جداً ودارس في أمريكا.
 فكل العلماء ممكن أن تنتفع منهم دون أن تعنى باستقامتهم، هذا خبير جيولوجيا - ميكانيك التربة- استلم الطريق أين يوجد تربة هشة يدعمها بتربة قاسية مثلاً، فأنت تنتفع بألف عالم ولا يعنيك أبداً استقامته، إلا عالم الدين لا يمكن أن تنتفع منه إذا اكتشفت أنه يوجد مسافة بين أقواله وأفعاله انتهى.

الدعوة إلى الله فرض عين :

 لذلك لماذا الدعوة ضعيفة؟ عندما لا يجد الإنسان المصداقية الكافية، الكلام ليس له قيمة، متى يكون له قيمة؟ عندما يوجد تطبيق، والتطبيق يقوي موقف الداعية، أنت داعية، أنت داعية لأولادك.
 الدعوة فرض عين، يمكن لن تصدقوا أن الدعوة فرض عين، لو سألت أخاً كريماً من أخواننا الحاضرين لماذا تصلي؟ يوجد جواب بسيط جداً هو لأن الصلاة فرض، فإذا أقنعتك أن الدعوة إلى الله فرض عين؟ لكن معنى فرض عين أي في حدود ما تعلم فقط ومع من تعرف، أما التبحر والتعمق والتفرغ ففرض كفاية، فرض الكفاية مغطى بقوله تعالى:

﴿وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعونَ إِلَى الخَيرِ ﴾

[سورة آل عمران: ١٠٤]

 ولتكن منكم أي بعضكم، هذه الدعوة كفرض كفاية إذا قام به البعض سقطت عن الكل، معه اختصاص شرعي، معه دكتوراه، متبحر، متعمق، عندك قدرة أن تجيب عن أي سؤال، أن ترد أي شبهة، هذه فرض كفاية، إذا قام به البعض، الأمة بحاجة إلى دعاة إلى الله متفرغين، واختصاصيين، ومتعمقين، ومتبحرين، هذا فرض كفاية.
 أما كل واحد من الأخوة الحاضرين، الدعوة إلى الله فرض عين، أنت سمعت تفسير آية تأثرت بها، يوجد بالبيت زوجتك قل لها إياها، لك أخ عندكم سهرة اسبوعية تكلم عن هذا الكلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( بلِّغُوا عني ولو آية ))

[البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 الأدلة القطيعة على أن الدعوة إلى الله فرض عين هي قوله تعالى:

﴿قُل هذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني ﴾

[سورة يوسف: ١٠٨]

 فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، قال الله تعالى:

﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبّونَ اللَّهَ ﴾

[سورة آل عمران: ٣١]

 علامة محبتك لله اتباع رسوله، فهذه الدعوة الآن أصبحت فرض عين، أنت سمعت تفسير آية واحدة، لست مكلفاً أن تبحر بالعلم، استمعت إلى آية أعجبك تفسيرها، جلست مع أهلك بسهرة، مع أخيك، مع شريكك في المحل، دخلت إلى المحل صباحاً، أحضر لك الصانع فنجاناً من القهوة، جلس أخوك بجانبك قل له: والله سمعنا هذا الآية تفسيرها كذا فقط:

(( بلِّغُوا عني ولو آية ))

[البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 فأول شاهد، قال الله تعالى:

﴿قُل هذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني﴾

 الشاهد الثاني قال الله تعالى:

﴿وَالعَصرِ إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ﴾

[سورة العصر: ٣]

 فالتواصي بالحق هو دعوة إلى الله وهو فرض عين، فأنت مع إخوانك بالحق، سمعت تفسير آية، حديثاً شريفاً، سمعت قصة مؤثرة جداً.
 شخص عنده محل بأحد أسواق دمشق، سمع إطلاق رصاص مدّ رأسه، تأتي رصاصة بالعمود الفقري يشل فوراً، كنت ماشياً في الطريق خرج شخص من محله التجاري واعترضني ، قال: أريد أن أشرب معك فنجان قهوة أستاذ تفضل، دخلت لعنده إلى المحل، قال أريد أن أفهم إذا شخص أتى ليعمل ما ذنبه؟ فتح محله التجاري هو يبيع أقمشة ثاني محل بمدحت باشا، قلت له: ما به؟ قال: عمله أليس عبادة؟ هذا الشخص البارحة سمع إطلاق رصاص مدّ رأسه فأتت رصاصة في عموده الفقري فشلّ فوراً، قال لي: ما ذنبه هذا؟ قلت له: الله أعلم، هناك شيء لا يمكن لعقلك أن يثبته، لأنك لا تملك علماً كعلم الله، لكن عدل الله تؤمن به من النصوص، الله قال:

﴿ وَلا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾

[سورة الكهف: ٤٩]

 أنا مؤمن بعدل الله ليس بعقلي.

 

أنواع اليقين :

 أرى دولاً غربية قوية جداً، وفيها المعاصي كلها، ودول إسلامية، تعاني ما تعاني، أنا لا أقدر بعقلي أن أكتشف عدل الله، إلا أن الله أخبرني، أصبح يوجد عندنا يقين حسي، هذه ثريا متألقة، يوجد كهرباء في الجامع، الصوت عال، هذا يقين حسي، ويوجد يقين عقلي، أنا أستنبط وجود الكهرباء بعقلي، وأسمع الصوت العالي بأذني، ويوجد يقين إخباري، بين يقين حسي وعقلي وإخباري، الإخباري الله أخبرني، هل تستطيع أن تناقش شخصاً ملحداً بالملائكة؟ لا تستطيع، لأن الملائكة إخبار، هل تستطيع أن تناقشه بالجن؟ لا تستطيع أن تناقشه بالجن، إياك أن تناقش شخصاً ملحداً بالإخباريات، لا يوجد معك دليل إلا أن الله أخبرك بهم، هذا دليل إخباري، وهناك دليل عقلي، أي أنت ترى الدخان من وراء جدار، تقول: لا دخان من دون نار، هذا يقين عقلي، أنت دخلت إلى بيت صديقك، يوجد مكتبة مغلقة، سألته سؤالاً من باب الفضول: ماذا يوجد في هذه المكتبة؟ يقول لك: دفاتر محاسبة قديمة، وهو صادق عندك، فهذا يقين إخباري، فأنت بين اليقين الحسي الحواس الخمس أو استطالاتها، المكبر استطالة الأذن، والتليسكوب استطالة العين، يوجد عندك يقين حسي، أدوات اليقين بالمحسوسات الحواس الخمس واستطالاتها، يوجد عندك يقين عقلي أداته العقل، ويوجد عندك يقين إخباري الله أخبرك بهذا، قال تعالى:

﴿أَلَم تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصحابِ الفيلِ﴾

[سورة الفيل: ١]

 من منكم رأى هذا؟ ولا شخص منكم رآها و أنا أيضاً لم أرها، لكن العلماء قالوا: ينبغي أن تأخذ إخبار الله لك وكأنك تراه،

﴿أَلَم تَرَ﴾

 لم ير أحد هذا، صار عندنا يقين حسي أدواته الحواس الخمس واستطالاتها، ويقين عقلي أداته العقل، و يقين إخباري، إذا شخص أغلق بابه وذهب في نزهة إلى البحر الميت، أتى بعد يومين رأى الضوء يعمل، يقول لزوجته: من دخل إلى البيت، نحن أطفأنا الكهرباء من القاطع الأساسي والضوء يعمل أي هناك شخص دخل إلى البيت هذا بالعقل.
 يوجد عندك يقين عقلي، ويقين حسي، ويقين إخباري، فأنت عندما تعرف كيف تضع أي قضية في الدين بمحلها، هذا إخباريات لا أناقش فيها ملحداً أبداً، هذه عقليات، توجد أدلة، مبدأ السببية، الغائية، عدم التناقض، ويوجد يقين حسي أدواته الحواس الخمس واستطالاتها.

 

الدين مصيري :

 أخواننا الكرام؛ الدين شيء خطير جداً، الدين مصيري، الدين يعني سعادتك، الدين يعني سلامتك، الدين يعني آخرتك، الدين ليس قضية أوسمة نضعها على الصدر، نضعها أو لا نضعها، الدين هواء تستنشقه، فإن لم تستنشق الهواء مات الإنسان، حاجتك إلى الدين حاجة قطعية.
 فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفط لنا إيماننا، وأهلنا، وأولادنا، وذريتنا، وبلادنا من كل سوء.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018