الدرس : 124 - ذات الإنسان، الإنسان مؤلفٌ من نفسٍ وجسدٍ وروح. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 124 - ذات الإنسان، الإنسان مؤلفٌ من نفسٍ وجسدٍ وروح.


2015-02-11

الإنسان نفس و جسد و روح :

  أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان كما تعلمون نفس وجسد وروح، النفس هي ذات الإنسان هي التي تؤمن، هي التي تكفر، هي التي ترقى، هي التي تسقط، هي التي تعذب، الجسم وعاء أو ثياب تخلع عند الموت، والروح القوة المحركة، أي الإنسان يتحدث، يفكر، يبتسم، يبكي، يتحرك بالروح، فإذا انقطع الإمداد عنه مات، كهذا المصباح يتلقى تياراً كهربائياً فيتألق، الموت انقطاع التيار المصباح ينطفئ، أما القتل فالتيار موجود تأتي بمطرقة وتكسر هذا المصباح، تمنع استقباله للكهرباء، عندنا نهاية الحياة إما موت أو قتل، كل إنسان يغادر الدنيا بطريقة، هذا يسمونه بالمطارات: بوابة الخروج، هذا يغادر الدنيا موتاً، هذا قهراً، هذا مرضاً، هذا إلى آخره.
 الآن عندنا حالة نفسية خطيرة جداً، حالة الخسارة، أخ تاجر يملك رأس مال ضخم، اشترى محلات، استورد بضاعة، أخذ وكالات، روج بضاعته، عنده موظفون، بعد عمل دؤوب يعمل في الأربع والعشرين ساعة عشرين ساعة، في النهاية خسر، ذهب رأس المال، عليه ديون كبيرة جداً، الشعور بالخسارة لا يحتمل، حتى أنه ورد في بعض الآثار النبوي:" إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب".

بطولة الإنسان أن يصل للنهاية وهو ذو قلب سليم :

 الحقيقة أنتم في الدنيا، لو فرضنا معك شيك بمليون دينار، وهذا الشيك لا يعوض ولا يبدل ولا يجدد، وموضوع على ظهره، فأنت ظننته ورقة بيضاء كتبت عليه عدداً من الكلمات ومزقته، بعدما مزقته اكتشفت أنك أنت خسرت مليون دينار، لا يوجد حل ثان، ما الذي يحصل؟ قضية الخسارة نرجو الله أن يجنبنا إياها جميعاً، عند الموت شيء لا يحتمل حتى في بعض الآثار ورد: أن الإنسان إذا دنا أجله وكان مؤمناً يقول: رب لم أر شراً قط، لما لاحت له معالم الجنة، لاح له مقامه في الجنة، يقول: لم أر شراً قط، بينما الكافر يكون قد انغمس بالملذات والعز والجاه والرفاه والسفر والإقامة والرحلات والفنادق واللقاءات والوجاهة والشاشات حينما يدنو أجله يقول: يا رب لم أر خيراً قط، أنا أقول: الذكاء والتوفيق والبطولة والتفوق أن تصل إلى هذه الساعة وأنت ذو قلب سليم، دقق بالآية:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 أذكر أن إنساناً اعتنق المذهب الإلحادي – بيني و بينه قرابة بعيدة - هو عاش لمبدأ الإلحاد، على فراش الموت أو كان على نقالة إلى المستشفى قال لأولاده: كل شيء قلته لكم غير صحيح، الزموا جانب الدين، متى كشف الحقيقة؟ بعد فوات الأوان، قال تعالى:

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾

[ سورة الأنعام: 158 ]

 والله الذي لا إله إلا هو أنا أتصور أن الذي شرد عن الله، وأمضى حياته في معصية الله، ولم يتفكر في خلق السموات والأرض تأتيه ساعة لا أتصور أن هناك من يعذب كما يعذب هذا الإنسان.

 

بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل :

 الآن نحن أحياء القلب ينبض، وما دام القلب ينبض فنحن في بحبوحة، كأني مرة ذكرت قصة أن ثلاثة أشخاص عندهم مكتب عقاري في جدة، رجل أعرابي بدوي بسيط عنده أرض في شمال جدة، فلما توسعت جدة، صار قطرها تسعين كيلو متراً، قطرها من الشمال للجنوب، عمان قطرها يقدر بستين متراً، جدة بتسعين، فاقتربت من أرضه، فارتفع سعر الأرض، هناك مكتب عقاري خبيث اشترى الأرض بربع قيمتها، وأنشأ عليها بناء، أنا رأيته بعيني، ثلاثة شركاء، أول شريك سقط من أعلى طابق فنزل ميتاً، والثاني دهسته سيارة، انتبه الثالث، انتبه وكأنه ربط موت شريكيه بهذا الاحتيال على صاحب هذه الأرض، بحث عن صاحب الأرض ستة أشهر حتى عثر عليه، ونقده ثلاثة أمثال حصته، قال له البدوي : ترى أنت لحقت حالك.
 مادام القلب ينبض تستطيع أن تنقذ نفسك، مادام معك أيام إذاً تستطيع أن تتوب، أنا أتمنى على الإنسان أن يراجع نفسه، يراجع دخله، هناك دخل حرام، يراجع إنفاقه، يراجع عاداته الاجتماعية، هناك سهرات مختلطة يجلس مع عدة نساء أجنبيات لا يحل له أن يراهن أصلاً، وهي تلبس ثياباً فاضحة كل مفاتنها ظاهرة، سهرة وضحك ومزح وسرور وعشاء وسفريات لا ترضي الله عز وجل، الإنسان يفكر بالنهاية، البطولة أن تعيش المستقبل، نحن جميعاً دون أن نشعر نعيش الحاضر والماضي، الأخ ماذا يعمل؟ يقول لك: مهندس، أين درست؟ والله ببريطانيا، متزوج؟ نعم متزوج، ساكن في بيت، يعيش حاضره ويتكلم عن ماضيه، لكن لا يوجد واحد بالألف يعيش مستقبله، دعك من الماضي، ودعك من الحاضر، المستقبل فيه حدث خطير أخطر حدث بحياة الإنسان، هذا الحديث مغادرة الدنيا، تصور بيتاً بعمان، مساحته تقدر بمئة متر أو مئتين أو أربعمئة، والله شاهدت عمان بيوتها فخمة جداً، هناك ذوق عال، وهناك جبصين و تزيينات، و يوجد ثلاث غرف نوم، غرفة جلوس، ومطبخ مع غرفة الجلوس، هذه قضية أجنبية مطبقة هنا في عمان، شيء جميل، تصور من هذا المكان إلى قبر تحت الأرض، يستطيع شخص منا يقول: أنا لا أموت؟ يستطيع واحد منا أن يتجاوز القبر؟ عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.

 

قضية الموت قضية خطيرة جداً :

 أيها الأخوة الكرام؛ قضية الموت قضية خطيرة جداً، لا تستطيع أن تلغي الموت لكن تستطيع أن تتكيف معه، عندنا دكتور في الجامعة يدرس أهم مادة اسمها: علم النفس التربوي في جزئين كبيرين، أذكر أنه وصل لموضوع الذكاء، قال: هذا الموضوع بالكتاب عبارة عن ثمانين صفحة أتحبون أن أضغطه لكم بكلمة واحدة؟ قلنا: نعم، قال: الذكاء هو التكيف، تتكيف مع الموت، هناك موت، أكثر الناس لا يدخل الموت بحسابه، قوي نشيط ضغطه 8/12، صحته جيدة، لا يوجد عنده مشكلة كأنه لا يريد أن يموت، كأنه لا يرى الموت والموت قريب، ولحكمة بالغة بالغة الإنسان بثانية يصبح خبراً، كان هناك إمام بالشام أنا والله أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، صلى الظهر بجامع العثمان، العصر صلوا عليه بالجامع نفسه، بلحظة توقف القلب انتهى كل شيء، كل أملاكك ليست لك، المنقولة وغير المنقولة، فالقلب عندما يتوقف هذه الحياة كلها، وهذه المكانة، وهذه الثروات الطائلة، وهذه الهيمنة على من حولك، منصب رفيع، هذا كله مرتبط بنبض القلب توقف، انتهيت، لا تملك شيئاً بثانية واحدة خسرت كل شيء، لا يوجد واحد منا إلا له خزانة خاصة، صندوق خاص فيه مقتنياته الثمينة، وهذا لا أحد يستطيع أن يفتحه، مفتاحه معه، لكن عندما يموت يفتح، ويشاهدون ما فيه من وثائق وسندات، هذا كله سوف يكشف، أنا أرى أن الذكاء والعقل والفهم والتفوق والتوفيق والنجاح والفلاح أن تعد لهذا اليوم، تعد له استقامة، وتعد له عملاً صالحاً، هذان ينفعان الإنسان يوم القيامة؛ الإنسان هو حي، هو نشيط، يوجد بدخله شبهة، مادة محرمة يستوردها، سهرة لا ترضي الله عز وجل فيها اختلاط، وفيها نساء كاسيات عاريات أجنبيات، يا ترى هل هناك سفرة لا ترضي الله عز وجل؟ هل هناك مكان أنا أرتاده لا يرضي الله عز وجل؟ تحتاج إلى متابعة، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

[ سورة الزمر : 15 ]

العاقل من يتجنب الخسران في حياته :

 والله أنا أدعو لنفسي ولكم جميعاً، أن نتجنب الخسران، الخسارة صعبة جداً، سيدي أنت خذها من ناحية تجارية، اشتغلت خمس سنوات بهذه الصفقة ما بيعت ثم صودرت، لا أخذت ثمنها ولا استطعت أن تستعيد رأس مالك، وبقيت بلا دخل، هناك كثير من الحالات في حياتنا من غنى كبير إلى صفر، أقسم لكم بالله التقيت مع إنسان أقسم لي بأيمان مغلظة أنه لا يدخل إلى بيته الفواكه إلا بكميات غير معقولة، ولا يدخل لبيته الحلويات إلا بكميات كبيرة، تكلم لي عن الحياة التي عاشها، رفاه كبير، إنفاق فلكي، هو نفسه أقسم بالله أنه الآن ينقب بالقمامة لعله يجد خسة تؤكل معه، الله إذا أعطى أدهش، وإذا أخذ أدهش، من حياة مترفة، بذخ، انغماس في الملذات إلى من ينقب في الحاوية، الله كبير، والله يا أخوان أقول: كبير لا أشبع منها، كبير، ممكن أن يسلب منك كل شيء بثانية، ممكن أن يمدك بشكل متناه، أنت الزم جانبه، الزم طاعته، الزم الإقبال عليه، تجنب الكبر، إنسانة يوجد قرابة بيني و بينها لها ضرة- الضرة لا تنجب أولاداً- قريبتي حملت، فكان عندها ولد في بطنها، وولد تحمله على يدها، وولد يلعب في الأرض فقالت لها شامتة: ولد ببطني وولد على يدي وولد يلعب، هذه المرأة أولادها الثلاثة ماتوا وضرتها أكرمها الله بخمسة أولاد، إياك أن تفتخر، أن تستعلي، أن تشمت، كن أديباً مع الله عز وجل، أدب الإنسان سبب بقاء النعمة، هذا من فضل ربي، والمؤمن لا يبرح هذه الكلمة: الله أكرمني وسهّل لي شراء هذا البيت، أكرمني بهذا الزواج، أكرمني بهؤلاء الأولاد، أكرمني بهذه الحرفة، أكرمني بهذه التجارة، دائماً اعزُ الفضل إلى الله عز وجل، ترقى عند الله، أن تعزو الفضل لله ترقى عند الله.

الإنسان بضعة أيام فعليه ألا يصاحب إلا من ينهض به إلى الله حاله :

 الحياة أيام معدودة، الإنسان بضعة أيام، والله ما قرأت بحياتي تعريفاً جامعاً مانعاً للإنسان كهذا التعريف تعريف الإمام الحسن البصري: الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 أنت يخطر في بالك أنك أنت زمن؟ بضعة أيام؟ لو فرضنا الواحد منا كتب الله له أن يعيش فرضاً ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر وستة أسابيع وأربعة أيام وخمس ساعات وثماني دقائق وسبع ثوان، كلما تحرك عقرب الثواني حركة النهاية ثابتة، فكل يوم يقربك من اليوم الأخير، فالبطولة أن يلحق الإنسان نفسه، إذا كان عنده مخالفات في بيته، أو شبهة بدخله، أو مادة محرمة في البضاعة.
 حدثني أخ قال لي: أنا وكيل مادة غذائية أرباحي باليوم فلكية، لكن هناك مادة محرمة يجب أن أستوردها، هذا الشرط، آثر أن يكون هناك مخالفة، إنسان شارب خمر من مدينة حلب، يبدو أن له أصدقاء مدمنون على الخمر، ذهب إلى الحج، وتاب إلى الله، رجع لكنه لم يترك أصدقاءه القدماء، فأجبروه أن يشرب الخمر مرة ثانية، قال لهم: أنا تبت يا جماعة، قال له أحدهم: كم كلفت حجتك؟ فأجابه أنها قد كلفت خمسين ألفاً، قال له: هذه خمسون ألفاً واشرب، شرب، بعد اثني عشر يوماً وافته المنية، مات شارب خمر، أهم شيء أن تعرف من حولك، الذي حوله أشخاص غير مؤمنين أنصحه أن ينسحب منهم بنعومة، ينسحب، غير المؤمن يدلك على المعصية، يهون لك المعصية، يغريك بالمعصية، قال تعالى:

﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الزخرف :67 ]

 لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله، أنت لك أصدقاء، لك أقارب، لك جيران، لك زملاء، هؤلاء هم كلهم، إما زملاء بالعمل، أو جيران جغرافياً، أو أقارب، يا أصحاب، هؤلاء إن شدوك إلى الله الزمهم، وإن كادوا يشدونك إلى الضلال ابتعد عنهم، قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

الخسارة الحقيقية خسارة الأهل و النفس :

 أيها الأخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

[ سورة الزمر : 15 ]

 هذه الخسارة الحقيقية أن تخسر نفسك وأهلك، ليست القضية سهلة، الذي عنده أولاد صالحون كل أعمالهم في الدنيا في صحيفته، فإذا الإنسان خسر نفسه وأهله، قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

[ سورة الزمر : 15 ]

 القضية خطيرة، القضية مصيرية، قضية سعادة أو شقاء، قضية هلاك أو حياة، والوقت مناسب للتوبة، ما دام القلب ينبض الأمل بالله كبير جداً.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018