الدرس : 133 - القرآن الكريم شفاء للصدور. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 133 - القرآن الكريم شفاء للصدور.


2015-03-07

السلوك علامة الإصغاء للحق :

 القرآن الكريم شفاء للصدور، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 62]

 في الأرض أديان سماوية ثلاثة، إسلام، مسيحية، يهودية، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 62]

 وهناك علماني ملحد، الشيء الذي يلفت النظر أن هؤلاء جميعاً إن اكتفوا بالانتماء الشكلي لهذه الأديان هم عند الله سواء، محل عليه لافتة كهربائة ملونة صارخة أجواخ، المحل لا يوجد به أي نوع من القماش، كله فارغ لكن اللافتة صارخة، المحل الثاني حرير، لا يوجد سنتمتر واحد من الحرير، محل فارغ لا يوجد به شيء لكن اللافتة صارخة، ملونة، رائعة ، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 62]

 الصابئون غير المؤمنين بأي دين، هؤلاء الأربعة مادام انتماؤهم للدين شكلاً لا مضموناً هم عند الله سواء، محل اثنان ثلاثة أربعة، المحلات لا يوجد بها شيء من البضاعة ولا سنتمتر من القماش، لكن هناك لافتات صارخة متباينة ملونة، هم عند الله سواء، قال تعالى:

﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة البقرة: 62]

 الإيمان الذي يحمله على طاعة الله، هناك آية من أندر الآيات قال تعالى:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

[ سورة التحريم: 4]

 علامة الإصغاء للحق السلوك، مثلاً لو قال أحدهم لإنسان: على كتفك عقربُ شائلة، وبقي هادئاً، مبتسماً، مرتاحاً، ثم التفت نحوه وقال له: جزاك الله خيراً على هذه الملاحظة، وأسأل الله أن أردّ لك هذا الجميل، هل تعتقدون أنه فهم ما قيل له؟ لو فهم ما قيل له لقفز وخلع معطفه، إذا ما تحرك، ولا اضطرب، ولا سلك سلوكاً معيناً لم يفهم شيئاً، أنا أقول لكم هذه الكلمة لعلها قاسية: إذا ما استجبت، ما غيرت نمط حياتك، ما انعكست مقاييسك، ما اتصلت بربك، ما ضبطت بيتك، ما ضبطت عملك، ما ضبطت دخلك، إنفاقك، بناتك، أنت لم تصغ إلى الحق، قال تعالى:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

[ سورة التحريم: 4]

القانون الذي يحكم البشر هو إدراك انفعال فسلوك :

 علامة الإصغاء التوبة، يقولون: إن هناك قانوناً يحكم البشر جميعاً، هذا القانون إدراك انفعال سلوك، أمشي في بستان وجدت أفعى، طبعاً هذه الصورة انطبعت على شبكية عيني إحساساً، ثم انتقلت عبر العصب البصري للدماغ، بالدماغ يوجد مركز الرؤية، هذا المركز مزود بملفات، أحد هذه الملفات ملف الأفاعي والثعابين، هذا كيف تبرمج؟ سمعت قصة من جدتي، كان عندنا بيت عربي خرج ثعبان كبير، دخلت إلى المدرسة في كتاب العلوم درس عن الأفعى، دخلت إلى معرض فيه أفاع مصبرة بقطرميزات مع محلول معين، مجموع المشاهدات والخبرات والدراسات شكلت في دماغي ملف الثعابين، فلما نظرت إلى حية أو ثعبان في بستان هذه الصورة انطبعت على شبكية عيني إحساساً، فلما انتقلت إلى الدماغ، وعرضت على ملف الثعابين والأفاعي نبهت أن هناك شيئاً خطيراً، هناك لدغة قاتلة، فالدماغ عنده ملكة اسمها الغدة النخامية، كما أن الدماغ ملك الجهاز العصبي، الغدة النخامية ملكة الجهاز الهرموني، هذه الغدة تفرز تسعة هرمونات، كل هرمون لو تعطل لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق.
 الغدة النخامية ترسل رسالة ليست كهربائية كالدماغ، الرسالة هرمونية، ترسل رسالة هرمونية إلى الكظر، فوق الكلية عندنا كظران، فوق كل كلية غدة اسمها الكظر، هذا الكظر مثل وزير الداخلية، وهي ملكة ترسل إلى وزير الداخلية أن هناك اضطرابات في المملكة تصرف، الكظر يعطي أمراً إلى القلب، يرتفع النبض إلى مئة و ثمانين نبضة، الخائف لو قاس نبضه لوجده فوق المئة والثلاثين، بحاجة إلى دم، يريد أن يركض، أو يضرب يريد أن يبذل جهداً عضلياً بحاجة إلى دم، يرتفع النبض إلى مئة و ستين أو مئة و ثمانين، لذلك عند أطباء القلب شريط يتحرك، عندك سرعة وعندك ارتفاع، يرتفع الشريط هكذا الجهد صار أصعب، أو السرعة تزداد الجهد يصبح أصعب، يرفع السرعة ويرفع الميلان تشاهد نبض القلب، مربوط الجهاز بنبض القلب يصبح مئة وثمانين.
 أول أمر للقلب يرفع النبض، ثاني أمر إلى الرئتين يرتفع وجيبهما، الخائف يلهث، يريد أن يرفع وجيب الرئتين حتى يتناسب مع ضربات القلب العالية، ثم يصدر أمراً ثالثاً إلى الأوعية الدموية المحيطة بالجلد تضيق لمعتها، ليتوافر الدم إلى العضلات، بدل الجلد، فالخائف لا يحتاج إلى لون وردي يحتاج إلى أن ينجو بريشه، فالخائف يصفر لونه. أمر رابع يفرز هرمون التجلط، لعل هذا الإنسان أصيب بسكينة حتى لا يصفى دمه كله ويموت، تزداد كثافة الدم يصبح متجلطاً، أحياناً بالخوف تأتي جلطة تتجمد بالوعاء فلا يفقد دمه كله، هذا هرمون التجلط، وتعطي أمراً إلى الكبد يطلق كمية سكر إضافية، الخائف نبضه مرتفع، وجيب رئتيه يزداد، الأوعية تضيق لونه يصفر، لو فحصنا الدم لوجدنا فيه كمية سكر إضافية، وهناك هرمون التجلط، خمسة أشياء تتم بثانية.

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 فهذه آلية الخوف، فالإنسان يرى هنا، يدرك هنا أن هناك ملكة هي الغدة النخامية تتلقى التماساً من الدماغ، الدماغ ملك وهي ملكة، لا يوجد أمر بين متناظرين بل التماس، الأمر من أعلى إلى أدنى، والدعاء من أدنى إلى أعلى، والالتماس بين الندين، فالدماغ يلتمس من الغدة النخامية أن تواجه الخطر، الغدة النخامية عندها أوامر هرمونية، تبعث هرموننً إلى الكظر يرفع النبض، يرفع وجيب الرئتين، يضيق الأوعية، يطرح كمية سكر إضافية، يطرح هرمون التجلط، وهذا كله يتم بثانية.

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

التفكر في عظمة خلق الإنسان :

 والله لو أمضينا الحياة كلها، في التفكر في عظمة خلق الإنسان تنقضي الحياة ولا تنقضي عظمة خلق الإنسان، قال تعالى:

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 21 ]

 أنا أقول مثلاً: لماذا الشعر لا يوجد به أعصاب حس؟ لو كان هناك أعصاب حس تقول لأحدهم: أين ذاهب؟ يقول لك: ذاهب إلى المستشفى، خير إن شاء الله، والله ذاهب لأجري عملية حلاقة، تدخل للتخدير العام من أجل أن تحلق، أما الإله العظيم فما وضع لك في الشعر أعصاب حس، ولا وضع في الأظافر أعصاب حس، والله يا أخوان عندما يفكر الإنسان بنفسه، مثلاً الكبد فيه خمسة آلاف وظيفة، الذي يلفت النظر أن كل خلية من خلايا الكبد تقوم بكل هذه الوظائف، في الكبد لا يوجد تخصص، أي إن صار تشمع كبد وجاء الجراح قطع أربعة أخماس الكبد، الكبد خلال ستة عشر أسبوعاً يعيد بناء نفسه، أسرع خلية في النمو والتعويض خلايا الكبد.
 صدقوا ولا أبالغ يمكن أن تمضي الحياة كلها في التفكر في خلق الإنسان ولا تنتهي.

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾

[ سورة الطارق : 5-6]

 باللقاء الزوجي ينتقل إلى الزوجة ثلاثة ملايين حوين، تحتاج إلى حوين واحد، أقوى هذه الحوينات تدخل إلى البويضة، فإذا دخلت أغلق الباب، لا تأخذ إلا أقوى حوين.
 علم الجنين تطور تطوراً مذهلاً، بعد مئة عام من تطور هذا العلم تبين أن الذي يحدد نوع الجنين ذكراً أو أنثى ليس البويضة بل هو الحوين تفتح القرآن الكريم:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى*مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[ سورة النجم : 45-46]

الإيمان الذي يرتضيه الله هو الإيمان الذي يحملنا على طاعته :

 هنا أيها الأخوة، الآية الأولى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 62]

 سواء من آمن بالله من هؤلاء، الإيمان الذي يحمله على طاعة الله، و الإيمان باليوم الآخر، والإيمان الذي يمنعه من أن يؤذي مخلوقاً، ويعمل صالحاً، قال تعالى:

﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 62]

 الدين الذي يرتضيه الله لنا أن تؤمن بالله إيماناً يحملك على طاعته، وأن تؤمن باليوم الآخر إيماناً يمنعك أن تؤذي مخلوقاً، عندئذ لا خوف عليهم من المستقبل، ولا هم يحزنون على الماضي، هذه الآية.

 

معاناة الأمة الإسلامية من مصائب لا يعلمها إلا الله :

 آية ثانية:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

 قيسوا عليها المسلمين، فإذا قال المسلمون: نحن أبناء الله وأحباؤه، نحن الأمة المختارة، نحن أمة سيد الأنبياء وحبيب الحق، نحن الأمة المكلفة، الجواب البسيط قل: فلم يعذبكم بذنوبكم؟ والله في العالم الإسلامي مصائب لا يعلمها إلا الله، أفقر الأمم والشعوب، يملكون نصف ثروات الأرض، عندهم عوامل وحدة لا تملكها أمة أخرى، ومع ذلك بأسنا بيننا، الدماء بيننا، الغرب يتفرج علينا ويسعد بما بيننا، من سفك للدماء، بأسنا بيننا، قال تعالى:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 بماذا ردّ الله عليهم؟

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 فإذا قال المسلمون: نحن أمة الوحيين، نحن أمة سيد الخلق وحبيب الحق، الرد جاهز، قال تعالى:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

 مثل هذه الأمم ليس لها أية ميزة، مادام لا يوجد طاعة لله ليس لك أية ميزة، قال تعالى:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

 ليس لك أية ميزة، بالجامعة العربية بأجمل خطّ بقاعة الاجتماعات الكبرى مكتوب قوله تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 بمعنى أصبحتم، قال تعالى:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ ))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

 الصحابة صعقوا:

((... قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف، قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال : وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ ))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

 الشاعر الحطيئة هجا بعض أحد وجهاء العرب الزبرقان، قال له:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 هذا البيت نقاد الأدب قالوا أهجا بيت قالته العرب، هذا البيت شعار كل مسلم الآن، مادام دخله كبيراً، بيته جيداً، لا يوجد عنده مشكلة خاصة، يقول لك: من بعدي الطوفان، هذا البيت الذي يعد أهجا بيت قالته العرب شعار كل إنسان الآن، لم يعد هناك انتماء للجماعة، الانتماء الآن شخصي، دول غارقة في الأموال والإنفاق والترف، وشعب يموت، أربعمئة ألف قتيل، وأربعمئة ألف معاق، وأربعمئة ألف مفقود، وأربعمئة ألف مهجر، والعالم يتفرج وما من حركة ولا سكنة ولا تنديد، مع أنه سابقاً بالهاتف بكلام شفهي اخرجوا من لبنان خرجوا، ما يجري بموافقة العالم كله، هذه أمة هذه! لذلك قال تعالى:

 

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

 

[سورة المائدة : 18 ]

تطبيق المنهج الإسلامي يقرب الآخرين من الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾

[ سورة المائدة : 8 ]

 هنا الشاهد، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾

[ سورة المائدة : 8 ]

 أي ولا يحملنكم، إذا عندك إنسان ملحد يجب أن تعدل في التعامل معه، أي لا يحملنك بغض قوم على ألا تعدل معهم، قال تعالى:

﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة : 8 ]

 لا تستطيع أن تظلم مجوسياً إذا كنت تريد أن تطبق المنهج الإسلامي، الظلم ممنوع، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة : 8 ]

 إذا عدلت معه قربته من الله عز وجل، لذلك الشيء الذي لا يصدق آية قرآنية من أدق الآيات، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الممتحنة : 5 ]

 كنت في ألمانيا، والله أمامي قاعة كحجم هذا المسجد، ممتلئة عن آخرها، أول مرة بحياتي أقول لهم: والله لن أزوركم ثانية، كل هؤلاء قدموا تصريحات كاذبة أنهم لا يعملون، ليأخذ الواحد منهم تسعمئة يورو، وكل ابن ثلاثمئة، وهو يشتغل، وله عمل، و هو مكتف منه، فقط بهذا التصريح: أنا لا أعمل ليأخذ معاشاً عبارة عن تسعمئة يورو، وكل ابن ثلاثمئة، والغرب يعلم يقيناً أنهم كلهم كاذبون، ممكن أن تقنع ألمانياً بالإسلام؟ أبداً، كل هؤلاء قدموا تصريحات كاذبة، أنهم لا يعملون يتقاضون تسعمئة يورو كل شهر، وعن كل ابن ثلاثمئة، فيحصل على ألفي يورو، ثلاثة آلاف يورو، ويشتغل، هذا المسلم، هم يريدون مفرخاً، يريدون يداً عاملة، يعرفون أنهم كاذبون كلهم، يريدون مفرخاً، و يداً عاملة.
 أيها الأخوة الكرام؛ إذا لم يكن هناك التزام، الإسلام لا يقدم ولا يؤخر، كم بلا معنى، مليار وسبعمئة مليون مسلم، وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، هذا الواقع المر، وأنا لي رأي: ما لم تؤمن بالحقيقة المرة إذا معك شيك بمليون دينار لكنه مزور إن قدمته لأي مصرف يلقى القبض عليك فوراً، فإذا عرفته مزوراً أليس أفضل؟ لا تسخف بالأمة، الأمة بالحضيض، الآن بأسنا بيننا، دماء تسيل، دماء لا يعلمها إلا الله، الأخبار أقل من الواقع، ستة ملايين بيت مهدم، عشرة ملايين لاجئ ضمن القطر، وثلاثة في الخارج، البنية التحتية مهدمة كلياً، الأسعار عشرة أضعاف، لا يوجد رقم أقل من خمسة آلاف، كيلو سكر، كيلو رز، أين العالم؟ والعالم قادر باتصال هاتفي أن ينجح الثورة، لذلك نحن في أسوأ وضع بالعالم.

(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]

معركتنا الآن معركة نكون أو لا نكون :

 أيها الأخوة الكرام؛ الحديث ذو شجون، ما لم نكتشف الحقيقة المرة أهون ألف مرة من الوهم المريح، أنا هذه القصة قديمة في الشام، أجمع أخواني الأساسيين - الذين هم المعتمد عليهم، الذين حولي- باجتماع، أقول لهم: لا أسمح لواحد منكم أن يمدح، قل لي: أين الخطأ؟ الآن ليس وقت مديح إطلاقاً، إلغ المديح من حياتك، أين يوجد الخطأ نتلافاه، لأن معركتنا الآن معركة نكون أو لا نكون، معركة بقاء، هناك مؤامرة على هذه الأمة من العالم كله أبداً.
 تصور العالم يتفرج كيف ننتهي، تتدمر بلادنا، مرة بليبيا، ومرة بتونس، ومرة بمصر، ومرة بسوريا، ومرة بالعراق، ومرة باليمن، أبداً خطة واضحة جداً، لإلغاء الإسلام والعروبة كلياً، والله قبل عشر سنوات لي صديق له مكانة كبيرة في أمريكا، رئيس الجالية كلها في أمريكا يطل علينا من حين إلى آخر، قال لي: هل تدري ما هو الشرق الأوسط الجديد؟ قال لي: إنشاء دوليات صغيرة ذات طابع طائفي مذهبي حول الكيان الصهيوني متحاربة فيما بينها، والغرب نفسه طويل، هذا منذ عشر سنوات، والله لم أصدقه في ذلك الوقت، بنفسي كذبته، الآن أنا متفاجئ بالذي ذكره منذ عشر سنوات في الطريق إلى التطبيق، هناك بعض الأخبار أن خمس دول سوف تغدو أربع عشرة دولة، ليس بلدنا بلاد عديدة الأمر نكون أو لا نكون، الوضع لم يعد مقبولاً، أن تقول: لا دخل لي، أساساً أهل السنة في سوريا الأمر نكون أو لا نكون، الأمر مصيري، وهذا الكلام دقيق وحقيقي وخطير، والمعركة خطيرة جداً، وأرجو الله عز وجل أن نصحو قبل فوات الأوان، لأن فرعون آمن عندما أدركه الغرق، قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس : 90 ]

 فقال له الله عز وجل:

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

[ سورة يونس : 91 ]

 فنحن سوف نؤمن بعد فوات الأوان، لكن أين بطولتنا؟ أن نؤمن قبل فوات الأوان.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018