الدرس : 120 - الفرق بين لو و لولا. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 120 - الفرق بين لو و لولا.


2015-02-07

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الله عز وجل أراد أن تكون علاقتنا به علاقة حبّ لا إكراه :

 أيها الأخوة الكرام؛ في اللغة العربية أداتان لو ولولا، لو حرف امتناع لامتناع، ولولا حرف امتناع لوجود، فلو قلت: لو جئتني لأكرمتك، امتنع الإكرام لامتناع الزيارة، أنا لم أكرمك لأنك لم تزرني، حرف امتناع لامتناع، أما لولا فحرف امتناع لوجود، لولا المطر لهلك الزرع، امتنع هلاك الزرع لوجود المطر، هذه تمهيد. الآية تقول:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن: 16-17 ]

 انعدم وجود المياه الكثيرة الماء الغدق لامتناع استقامتهم، قال تعالى:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[ سورة الجن: 16]

 امتنع المطر الغدق لامتناع استقامتهم، أما لولا فقد قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾

[ سورة طه: 129]

 ما الذي يمنع أن يهلك الله الكفار؟ هم أقوياء وأغنياء وأذكياء وكأنهم يبسطون هيمنتهم على العالم كله، وأي جهة تقول: لا تعاقب فوراً، هذا الواقع، ولو أن هناك أشياء ظاهرة لا تقدم ولا تؤخر، أمرهم نافذ، ما سرّ قوتهم؟ لأن الإنسان مخير، معنى مخير أي بإمكانه أن يفعل ما يشاء إلى حين، لو أن إنساناً نظر إلى امرأة لا تحل له ففقد بصره الكل يستقيمون، هذه الاستقامة لا قيمة لها إطلاقاً، استقامة قسرية، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ ﴾

[سورة السجدة: 13]

 أي إنسان ارتكب معصية يموت فوراً الكل يستقيمون، وأساساً الأقوياء يطاعون بهذه الطريقة، الأقوياء أمرهم نافذ، أما لو كان هناك معصية تدمر الإنسان فوراً لاستقام الجميع، لكن الله عز وجل ما أراد أن تكون علاقتنا به علاقة قسر وإكراه، قال تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

 أرادنا أن نأتيه عن حبّ طائعين، أراد أن تكون علاقتنا به علاقة حب، قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

 الإله العظيم حياتنا بيده، أهلنا بيده، رزقنا بيده، صحتنا بيده، من حولنا بيده، من فوقنا بيده، من تحتنا بيده، كل شيء بيده ومع كل ذلك ما أراد أن نعبده إكراهاً، قال تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

 أراد أن نأتيه عن محبة، قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

 لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾

[ سورة طه: 129]

 أنه ما أراد أن نعبده إكراهاً، وما أراد أن نأتيه عن خوف، أراد أن نأتيه عن حب، قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

 الله عز وجل أراد أن تكون علاقتنا به علاقة حب، وأجل مسمى، هذا الكلام ماذا يعني؟ يعني أنت مخير.
 أريد أن أقول كلمة دقيقة: إذا توهمت لثانية واحدة أنك مسير بكل شيء، التغى الدين، التغى الثواب، التغى العقاب، التغى الوعد، التغى الوعيد، التغت الجنة، التغت النار.
 أحدهم سأل سيدنا علي قال له: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ قال له: ويحك يا هذا لو كان قضاء لازماً وقدراً حاسماً إذاً لبطل الثواب والعقاب، ولبطل الوعد والوعيد، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً.

إلغاء الاختيار إلغاء للدين كلّه :

 أريد أن أؤكد أن في الحظة التي تتوهم فيها أنك مسير بكل حياتك التغى الدين، التغى الثواب، التغى العقاب، التغت الجنة، التغت النار، أنت مخير لكن أنت مسير لما اخترت، من باب ضرب الأمثلة لو أن شخصاً يسكن بألاسكا- هذا أقصى مكان في الأرض والثلوج خمسة أمتار - نظر إلى الشمس وقال: يا رب، أو قال: هل هناك إله؟ سؤال، هو بلا عمل وجد بجريدة فرصة عمل في واشنطن، سافر وقبل بعد ذلك فرز لفرع في الخليج، بالخليج سكن في بناء فيه إنسان مسلم، صار زيارة بينه وبين هذا المسلم ثم حوار حول الدين، أقنعه بالدين، الخاطر الذي خطر في باله وهو في ألالسكا اقتضى أن ينتقل إلى واشنطن، ومن واشنطن إلى الخليج، ثم التقى بالبناء الذي يسكن به بإنسان صار بينهما زيارة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل:12 ]

 أينما قرأت كلمة على مع لفظ الجلالة معنى ذلك أن الله تولى بذاته العلية هداية خلقه، الآية الثانية:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 23]

 أنا لي عمل تجاري في الشام، استقبلنا مندوب شركة هولندية، دعوته إلى بيتي ثم حدثته عن الدين، قال لي: هذه الموضوعات لا تعنيني أصلاً، ولا ألقي لها بالاً، ولا أهتم بها، أنا لا يعنيني من الحياة إلا امرأة جميلة، ومنزل واسع، ومال وفير، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 23]

 ولو أسمعهم وليس فيهم الخير لتولوا وهم معرضون.
 أول حقيقة في الدين حينما تلغي الاختيار ألغيت الدين كله، ألغيت الثواب، ألغيت العقاب، ألغيت النار، ألغيت عدالة الله عز وجل.

 

على الإنسان أن يفهم القضاء و القدر فهماً دقيقاً جداً :

 أنت يجب أن تفهم القضاء والقدر فهماً عميقاً جداً، القضاء والقدر - والله أعلم- مريض مرّ الطبيب وجد ضغطه منخفضاً جداً، هذا قضاء، عندما رأى أن ضغطه منخفض أعطى أمراً أن ارفعوا الصوديوم في الطعام، زار مريضاً آخر وجد ضغطه مرتفعاً فقضى أن ضغطه مرتفع، والضغط المرتفع هو القاتل الصامت، بالمناسبة هذا الضغط ليس له أعراض ظاهرة، قد يكون ضغطك 22/28، ليس له أية أعراض، هذا قاتل صامت، أنا أقول من باب الأخذ بالأسباب: ممكن أن يكون في كل بيت جهاز ضغط، تقيس ضغطك، هذا ليس صعباً ما دام ضغطك 8/12 الحمد لله، الأمور تمام، هذا القاتل الصامت أنت يجب أن تأخذ بالأسباب، ليس من المعقول كلما أردت أن تقيس ضغطك تذهب إلى الطبيب، اعمل دورة لمدة يومين عند طبيب أو عند صديق لك تقيس ضغطك، 8/12 تمام، أما 10/16 هذا حدي، فوق 10/16 خطر، صار أحد أسباب الموت المفاجئ، ماذا يحدث عندما يرتفع الضغط؟ ممكن أن تتشكل خثرة، هذه الخثرة تأتي بمكان في الدماغ فيصاب الإنسان بالشلل، في مكان آخر يفقد بصره، في مكان ثالث يفقد ذاكرته، من باب الأخذ بالأسباب الإنسان يجب أن يعتني بصحته لأن صحته قوام حياته، وقوام نشاطه، وقوام عمله.

ما كلّ ذكي بعاقل :

 هناك أشياء كثيرة أنا أرى الأخذ بها، عندنا عبادة الأديان، وأنت أحياناً تشاهد طبيباً يقول لك: أنت يجب أن توقف الملح، هذه قوانين الله عز وجل، أنت حينما تخضع لرأي الطبيب أنت تعبد الله عز وجل بطريقة أو بأخرى، احترمت قوانين الله عز وجل، أما طيار يلقي بنفسه من الطائرة فقوانين السقوط نافذة فيه، أعجبه أو لم يعجبه، أحبّ هذه القوانين أم لم يحبها، نافذة فيه، ينزل ميتاً، كنت أقول دائماً: المظلي مظلته موضوعة بطريقة مطوية لا يعرف شكل المظلة دائري أم مستطيل لا يعرف، لا يعرف من أي أنواع الخيوط صنعت المظلة، لا يعرف كم حبل، لا يعرف نوع الحبل، لا يعرف لون الحبل، أنا سوف أقول لك عشرين أو ثلاثين نقطة لا يعرفها لكن هناك معلومة واحدة إن لم يعرفها نزل ميتاً، طريقة فتحها، طريقة فتح المظلة سماه العلماء ما ينبغي أن يعلم من الدين بالضرورة، أخي أنا مهندس، خير إن شاء الله على العين والرأس، لكن هذه الشهادة للدنيا لكنك أنت أمي في الدين، أحياناً يأخذ إنسان دكتوراه أو هندسة أو ماجستير أو ليسانس يتوهم أنه صار عالماً، عالم باختصاصك، لذلك قالوا: ما كل ذكي بعاقل، إذا إنسان معه دكتوراه بالفيزياء النووية هذا أعلى اختصاص، و لكن هذا عند الله جاهل، جاهل بالدين، جاعل بعلة وجوده، جاهل بغاية وجوده، جاهل بما بعد الموت، جاهل بالجنة، جاهل بالنار، جاهل بمليون موضوع، مختص بالفيزياء النووية، أنا عندما أرى تخطيط قلب، أنا اختصاصي أدب عربي بالأساس لا أفهم منه شيئاً، يأتي الطبيب ينظر يقول لك: القلب عضلته ضعيفة، هنا يوجد خوارج انقباض، هنا يوجد تسرع، يفهم منه عشر حقائق، فأنا أمي حينما أقرأ تخطيط القلب، وقد يكون الطبيب الذي معه بورد أمياً في الدين، أنا أريد أن أؤكد حقيقة: لو معك شهادة عليا، معك اختصاص، اختصاصك لا يغني حاجتك للدين، يجب أن تعرف الله، يجب أن تعرفه معرفة دقيقة.

الإنسان مخير له أن يفعل ما يريد و لكن إلى حين :

 إذاً أنت مخير بآيات كثيرة، قال تعالى:

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 3]

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

[ سورة البقرة : 148 ]

 هذه آية ثانية، أما الآية الأصل في الموضوع فهي قوله قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 148]

 سوف أعيد مرة ثانية: لمجرد أن تتوهم أنك مسير في كل شيء فأنت وقعت في خطأ قاتل ماحق مدمر، أنت مخير، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

[ سورة السجدة: 13]

 الآية الكريمة:

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة السجدة: 13]

 إذا توهمت أن الله عز وجل ألغى اختيارك، ألغى الأمانة التي حملك إياها، ألغى التكليف، ألغى الجنة، ألغى النار، تصح الآية، ولكن أنت مخير، أعمالك من اختيارك، أعمالك أنت رسمتها، الإنسان عندما يتنصل، التنصل سهل في الدنيا، لكن المشكلة يوم القيامة، قال تعالى:

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 24]

 إذاً أريد أن أؤكد بهذا اللقاء الطيب أنت مخير، وإياك أن تستمع إلى كلام العامة، والله الذي لا إله إلا هو هناك كلمات يرددها العامة هي الكفر بعينه، الله لم يهده، الله هداه وانتهى الأمر، الكون هداية، والقرآن هداية، والأنبياء هداية، والمعالجة اليومية هداية، يمكن أن تدخل كلمة هداك بمئة باب، مثلاً إذا كان عندك راديو وفيه إذاعة تحبها كثيراً، والبث مستمر لكن أنت أطفأت الراديو البث لا يقف، أنت عطلت الاستقبال، إذا عندك استقبال الأمور واضحة تماماً، قال تعالى:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن : 16-17 ]

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾

[ سورة طه: 129]

 الدنيا فيها تأخير، ما معنى اختيار؟ لك ألا تصلي، ولك بيت، وسيارة، ومنصب رفيع، ومكانة اجتماعية، وصحة طيبة، وتخطيط القلب عندك جيد، وفحص الدم جيد، وأنت لا تصلي، ممكن، لأنك مخير، معنى مخير أي لك أن تفعل ما تشاء، لكن إلى حين.

 

كلّ إنسان مسؤول عن عمله يوم القيامة :

 ثم قال تعالى:

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 24]

 الذي أتمنى أن يكون واضحاً أن هناك كلمات يرددها العامة، أن الله كاتب عليه الشقاء، أقسم بالله هذا الكلام كفر بعينه، الدليل قال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾

[ سورة يس: 12]

 إنسان عندما يرتكب معصية، ويصر عليها، ولا يتوب منها، ويفتخر بها، عملت كذا وكذا ولا يتوب الآن تكتب، تكتب بعد العمل، وعدم الندم، وعدم التوبة، والإصرار، والتباهي ، قال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ ﴾

[ سورة يس: 12]

 نكتب فعل مضارع.

﴿ مَا قَدَّمُوا ﴾

 الواو هي الفاعل، يسجل عليك ما فعلته، أما كاتب عليك الشقاء من الأزل.

ألقاه في اليم مكتوفاً و قال له  إيّاك إياك أن تبتل بالماء
***

 الإنسان يمكن يوم القيامة أن يتكلم يقول: يا ربي أنا ما ذنبي، أنت كتبت عليّ أن أكون كافراً، وأنا كفرت تنفيذاً لما كتبت عليّ، لا، لا يصح هذا، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.

 

على الإنسان ألا يتوهم أن الذي يفعله أجبره الله على فعله :

 لا أريد أن أدخل معكم في متاهات القضاء والقدر إلا أنه إياك ثم إياك ثم إياك أن تتوهم أن الذي تفعله قد أجبرك الله على فعله، التغى الدين كله، لو فرضنا مدير مدرسة أول يوم في العام الدراسي، جمع الطلاب في الباحة وقال: سأتلو عليكم أسماء الناجحين آخر العام، وأسماء الراسبين، اذهبوا وادرسوا، ما من داع للدراسة، ما دام مكتوب من أول يوم في العام الدراسي من هو الناجح ومن هو الراسب، ما من داع للدراسة عندما تفهم القضاء والقدر خطأ، تكون قد ارتكبت بالدين خطأ عقائدياً مدمراً، الله ما كتب له أن ينجح، إذا الطالب لم يدرس فلن نجح، يقول: الله ما كتب لي أن أنجح، هذه اسمها زعبرة، قل: أنا ما درست فما نجحت، لا تتهم القضاء والقدر، مثلاً قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 حديث الإفك حديث خطير جداً، أن تتهم السيدة عائشة بالزنا، هذه ليس عملاً سهلاً، إنه زنا، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 صعب أن تصدقوا، قال تعالى:

﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 يا رب كيف هو خير؟ الله امتحن الناس، الذي إيمانه قوي برأ السيدة عائشة، والذي إيمانه ضعيف ما قلنا لك: لا أحد معصوم، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 هذا القضاء والقدر كل شيء هو وقع خير.

 

الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي المسؤولية :

 بعد هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

 الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي المسؤولية، الذي تولى كبر هذا الموضوع

﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

.
 نحن أحياناً تتداخل معنا أمور القضاء والقدر بالمسؤولية، طبيب جالس مرتاح يدير حديثاً غير لائق مع ممرضة مثلاً، جاء إنسان حالته خطرة بسيارة الإسعاف، قال له: الآن انتظر قليلاً، بعد ربع ساعة أنهى حديثه الممتع مع الممرضة، فوجد أن المريض قد مات، يقول: سبحان الله! مات بأجله، لا، لا، مات بتقصير منك، إياك أن تستخدم القضاء والقدر لتبرير أخطائك إياك، لا تقل: مات بأجله، قل: أنا قصرت كان من الممكن أن أسعفه بإبرة في القلب إلى آخره، أكثر الناس عندما تفشل في الحياة تتهم القضاء والقدر، الله ما كتب لي أن أنجح، لا أنت لم تدرس، فقط قل: أنا ما درست فلن أنجح، أما نحن فمن السهل عندما نقع بمشكلة أن نعزوها للقضاء والقدر، هذا خطأ.
 أنا أردت بهذا اللقاء الطيب أن أؤكد أنك أنت مخير، وأنت مسؤول عن أعمالك، وإن كانت الظروف صعبة، قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 286]

 الله عز وجل هو الخبير لست أنت الخبير، هو لا يكلفك شيئاً فوق طاقتك، لذلك قال بعضهم: الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله، إياك أن تتهم القضاء والقدر، و هناك نص دقيق جداً وخطير، سيدنا عمر جيء له بشارب خمر، قال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، قال: أقيموا عليه الحدّ مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال : ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018