الدرس : 112 - أسئلة واستفسارات من الحضور الكرام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 112 - أسئلة واستفسارات من الحضور الكرام.


2015-01-23

الموضوعية قيمة أخلاقيّة و علميّة :

 أيها الأخوة الكرام؛ قبل أن نبدأ بسماع أسئلتكم هناك ملحوظة دقيقة جداً أضعها بين أيديكم، هذه الملحوظة أن الإمام أحمد بن حنبل جاءه وفد من الأندلس، وقطع آلاف الكيلومترات أعتقد بقي شهراً أو شهرين في الطريق، وصلوا إليه أعطوه ثلاثين سؤالاً من مشكلات العقيدة والفقه وما إلى ذلك، فأجاب على سبعة عشر سؤالاً، فقالوا: والبقية؟ قال: لا أعلم، فقالوا: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم؟ فقال لهم: قولوا لهم إن الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم. ونصف العلم لا أدري، لكن نحن تعودنا الدعاة إلى الله يعطون هالة كبيرة حول أنفسهم، لدرجة أنهم يوهمون من حولهم أن أي سؤال له جواب، والحقيقة هناك سؤال قد لا يدري المسؤول الجواب، ويبقى عاجزاً لأن نصف العلم لا أدري، فأنت وطن نفسك مع أي عالم أن يقول لك: لا أدري، وهذا وسام شرف له، فالذي يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً، والذي يتقن كل شيء لا يتقن شيئاً، هذه مقدمة.
 أنت قد أجيبك جواباً تتفاجأ به والله لا أدري، لو إنسان سألك وأنت على ساحل البحر المتوسط في بيروت: هذا البحر كم لتراً؟ أي جواب معنى ذلك أنت جاهل، الجواب الذي يليق بك كإنسان أن تقول: لا أدري، العجز عن إدراك الإدراك إدراك، لذلك قالوا فيما يتعلق بالذات الإلهية: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به، السؤال المتعلق بمخلوقات الله نجتهد ونجيب، أما المتعلق بذات الله فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

[ورد في الأثر]

 إذا اقترب السؤال من ذات الله، الله كيف يعلم؟ يعلم كل شيء بل يعلم خائنة الأعين، كيف؟ أنت طبيب وسمح لك الشرع أن تنظر إلى مكان ألم في المرأة، جاءتك امرأة واختلست النظر إلى مكان آخر لا تشكو منه من يعلم في الأرض كلها أنك خنت النظر؟ قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر : 19 ]

 أنت تتعامل مع خالق يعلم السر وأخفى، يعلم ما أعلنته وجهرت به، ويعلم ما أخفيته، ويعلم ما خفي عنك، فلذلك علم ما كان في الماضي، وعلم ما يكون في الحاضر، وعلم ما سيكون في المستقبل، أما أدق واحدة فعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كيف هذه؟ تجد إنساناً من رواد المساجد، بيته منضبط، رائع جداً، لكن لو جاءه مئة مليون فجأة ماذا سيفعل؟ لا أحد يعلم لكن الله يعلم، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
 وطن نفسك على الموضوعية، الموضوعية قيمة أخلاقية وقيمة علمية، إذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي، وإذا كنت موضوعياً فأنت عالم، وتجتمع قيم العلم مع قيم الأخلاق بالموضوعية، والموضوعية منهج في البحث، فلذلك نفتتح باب الأسئلة وأنا بانتظار سماع أسئلتكم.

 

الشدائد التي يسوقها الله لعباده يحملهم بها على التوبة :

 س: ما فائدة الشدائد التي يصاب بها الإنسان قبل أن يتوب؟
 ج: الشدائد التي يسوقها الهص لعباده ليحملهم بها على التوبة، أحياناً قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 بالمناسبة الإنسان عندما تأتيه بعض الشدائد، ويفهم على الله حكمته من هذه الشدائد، يكون قد نجح بالامتحان، أولاً: اعتقدوا يقيناً قطعياً لا يمكن للذات الإلهية أن تسوق للعباد شدة بلا سبب، أما العوام فعندهم كلمات لا معنى لها هي الكفر بعينها، الله خلقنا ليعذبنا، الحياة كلها عذاب، لا، خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليرحمنا، خلقنا لجنة في الدنيا وجنة في الآخرة، قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

 هذا الكلام مرفوض من أصله، مثلاً أب رحيم وعالم، عنده ابن علق عليه آمالاً كبيرة، أن يكون طبيباً مثلاً، والأب طبيب يكون خليفته في العيادة، كثير من الأطباء يعلمون أبناءهم اختصاصهم، والزبائن أنفسهم مادامت العيادة مفتوحة والابن في مستوى أن يتابع الرسالة بعد أبيه، فالله حينما يسوق لعباده المتاعب هذه إذا كشف لك الغطاء فيما منع عنك أصبح المنع عين العطاء، أحياناً يكون المنع من الله عين العطاء، لأن الله علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لو أن ابناً نشأ بأسرة غنية جداً، وهذا الغنى حمله على المعاصي والآثام، لعل الله لحكمة بالغة جعله من نسل أب دخله محدود، فهذا الذي يعلمه الله، إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، يجب أن تؤمن بحكمة الله عز وجل.

 

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :

 أنا لي مقولة أقولها آلاف المرات: في الخمس قارات من آدم إلى يوم القيامة أي شيء وقع أراده الله، معنى أراده لا تعني أنه أمر به، ومعنى أراده لا تعني أنه رضيه. كطبيب تزوج ولم ينجب، بعد عشر سنوات أنجب طفلاً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الأب الطبيب أن ابنه يعاني من التهاب الزائدة، فيسمح الطبيب لطبيب جراح أن يخدر ابنه تخديراً شمولياً، وأن يفتح بطنه بمشرح الجراح، وأن يستأصل الزائدة، وأن يعيد خياطة الجرح، وبعدها عندما ينتهي مفعول المخدر تبدأ الآلام، معنى أراد لا تعني أبداً أنه أمر، ومعنى أراد لا تعني أبداً أنه رضي، وكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
 في الكون لا يوجد شر مطلق، معنى شر مطلق أن الشر للشر، هذا الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، إن آمنت أن لهذا الكون إلهاً يجب أن تنفي كلياً وجود شر مطلق، لكن هناك شراً، وحروباً، ونكبات، وزلازل، وبراكين، وفقراً، وورماً خبيثاً، هناك أمراض وبيلة، لذلك الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، إذاً ماذا يوجد؟ يوجد شر موظف للخير المطلق، والدليل قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 4-6]

ما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل :

 هذه الآية أصل بالمصائب التي يسوقها الله لعباده المؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 هذه الحقيقة صارخة ودقيقة، ما من مصيبة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، وكلامي دقيق أنا أذكر حكايتين، تؤكدان هذه الحقيقة، في مطار دمشق موظف مهمته تنظيف الطائرة، أثناء تنظيف الطائرة وجد غرفة كبيرة يمكن أن يجلس فيها، وينتقل إلى ليبيا دون أن يدفع ثمن التذكرة، ولا يحتاج فيزا، جلس في هذه الغرفة وعندما صعد الطيار إلى الطائرة، هذه أرضية غرفة العجلات أنزل هذه الأرضية ليرفع العجلات نزل هذا العامل ميتاً، ما الذي قتله؟ جهله، والجهل أعدى أعداء الإنسان.
 كنت مرة في أمريكا وأنا هناك انتشر خبر في الصحف عجيب جداً، إنسان من إيران معه فيزا لدخول أمريكا، لم تمنح زوجته هذه الفيزا، هي قطعتها صغيرة وضعها في حقيبة وفتح عدداً من الثقوب مع أغراضه، طبعاً الحرارة تقدر بخمسين تحت الصفر فماتت، ما الذي جعل هذه المرأة تموت؟ جهل زوجها، فالجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.

 

العلاقة بين التشريع ونتائجه علاقة علمية :

 لذلك احفظوا هذه المقولة: مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، و مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، إن عصيته وربحت يكون الدين ليس له أصل أساساً، وإن أطعته وخسرت هذا الدين ليس موجوداً، إله أنزل هذا التشريع، فلذلك العلاقة بين التشريع ونتائجه علاقة علمية، ما معنى هذا الكلام؟ أنت أب وللبيت بابان، أصدرت أمراً أن هذا الباب يجب ألا يستعمل، هناك باب للأولاد وذاك الباب للضيوف، فحينما يعصي ابن أباه ويستخدم الباب الذي نهى عن استخدامه قد يضرب، لا يوجد علاقة بين الضرب وبين فتح الباب، لكن هذا المنع وضعي، ليس منع علمي، أما عندما ينهى الأب ابنه أن يضع إصبعه على المدفأة المشتعلة، فإذا وضعها تحترق، هذه العلاقة بين احتراق اليد وبين الوضع علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، كي تطمئنوا المعاصي والآثام علاقتها مع النتائج علاقة سبب بنتيجة، أحياناً الإنسان يطلق بصره في الحرام، ينشأ شقاق في البيت الزوجي بسبب إطلاق البصر، لو غض بصره الله يخلق مودة بين الزوجين، هذا شيء ملموس تماماً.
 أنت عندما تفهم الشرع علاقة الشرع بالنتائج علاقة علمية، تنطلق بكل ما تملك من طاقة لتطبيق قوانين الله عز وجل، لأنك موقن أنك الرابح الأول، والإنسان عندما يفصل النتائج عن الأسباب يكون قد وقع بجهل كبير، لذلك ما من شيء أمر الله به إلا ويرتبط مع نتائجه ارتباطاً علمياً، وما من شيء نهى الله عنه إلا ويرتبط مع نتائجه ارتباطاً علمياً، إلا شيء وحيد هو الربا، على الآلة الحاسبة الربا مربح أقرضت مئة ألف جاؤوا مئة وعشرين ألفاً، قال تعالى:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

 بفعل لا يتناسب مع قوانين الكون، أنت أقرضت مئة ألف قرضاً ربوياً جاؤوك مئة وعشرين ألفاً، هكذا الحسابات، لكن الله عز وجل بفعل منه قد يخرج هذا الفعل عن قوانين الكون، يمحق الله الربا ويربي الصدقات.

 

كيفية الدفاع عن الأحاديث النبوية الواردة في صحيحي البخاري ومسلم :

 س: في ظل الهجمة الشرسة على السنة النبوية المطهرة كيف ندافع عن الأحاديث النبوية الواردة في صحيحي البخاري ومسلم؟ كيف جاءت أحاديث تتعارض مع النص، وكيف جاءت إلى كتابي الشيخين وهم بذلوا جهوداً كبيرة لجمع الأحاديث؟
 ج: هل تعتقد أن كتاب البخاري على عظيم شأنه، وعلى عظيم علم جامعه، وعلى عظيم مكانة هذا الكتاب هل تعتقد أنه قرآن؟ لا، وصلنا القرآن قال تعالى:

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

[ سورة فصلت: 42]

 ما دام الذي جمع هذه الأحاديث إنسان، الإنسان غير معصوم، وطن نفسك قد تجد في هذا الكتاب الجليل العظيم الذي يعد أصح كتاب بعد كتاب الله، ولكن لا يعد كتاب الله، يعد أصح كتاب بعد كتاب الله، أن تجد حديثاً في البخاري فيه إشكال، أنا سياستي في هذا الموضوع بالذات وأنا أدرس أحاديث أجد حديثاً لا أستطيع أن أشرحه عندي رف أضعه على الرف، لا أرفضه ولا أشرحه، هذه الحالات سماها العلماء: مشكل الحديث، مئتا حديث أو ثلاثمئة بالأربعمئة ألف حديث ليس أكثر فيهم إشكال، أنا أعلم يقيناً أن هذا الحديث مشكل، فنحن هذه الأحاديث أنا أرى أن يوقف شرحها، وألا ترفض أيضاً، لأن عندنا منهج البخاري ومسلم الذي فعلاه في التاريخ الإسلامي لا يوجد أمة أخرى عندها علم رواة، ننفرد نحن بهذا العلم، لكن لأنه صنع بشر البشر غير معصومين، فأنت وطن نفسك أن هناك حديثاً قد لا ترتاح له في البخاري أنا لا أشرحه ولا أرفضه، وهكذا يفعل علماء الأحاديث، كان عندنا دكتور في الجامعة هو عميد كلية الشريعة وكان في الأردن يدرس فتحي الدريني، مرة دعوته إلى عقد قران ابنتي، أثناء حضوره في العقد ألقى هذه الكلمة قال: هناك حديث شريف صح سنده وأحياناً لا يصح متنه، النص نفسه يتناقض مع آيات القرآن الكريم، فقال: هناك حديث شريف صح سنده ولم يصح متنه، أنا لست من أنصار أن أشرحه على ظاهره وأستفز الناس، في الصحاح غنية، عندك حوالي أربعة آلاف حديث في البخاري، عندك أحاديث تغني عن هذا الحديث، فأنا لا أفضل هذه المتاهة، دائماً أعداء الدين ينتظرون، نحن اعتقدنا وسلمنا أن أصح كتابين بعد كتاب الله البخاري ومسلم، هذا لا يمنع أن نجد حديثاً في أحد هذين الكتابين لا ترتاح له، لأن الذي جمع الأحاديث بشر، والبشر غير معصوم، هكذا قال لنا الدكتور، قال: هناك أحاديث صح سندها ولم يصح متنها.

 

الاختيار أحد أخطر بنود العقيدة :

 أنت إذا كنت مدير مدرسة، أول يوم في العام الدراسي جمعت الطلاب في الباحة جميعاً وقلت لهم: سأتلو عليكم أسماء الراسبين آخر العام، وأسماء الناجحين، اذهبوا وادرسوا، هذا الكلام مضحك، انتهت الدراسة كلها بهذه الطريقة، أنت عندما تعطي القضاء والقدر مفهوماً أن هذا مكتوب عليه الشقاء من عالم الأزل ألغيت الدين كله، ألغيت الاختيار، ألغيت التكليف، ألغيت الثواب، ألغيت العقاب، ألغيت الجنة، ألغيت النار، عندما تلغي الاختيار تلغي الدين كله، الدليل قال تعالى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف : 29 ]

 آية مثل الشمس، قال تعالى:

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان:3]

 أما الأدق من ذلك فقد قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

[ سورة الأنعام : 148 ]

 هذا ترتيب سيدك، يكون شارب خمر، سيدي الله قدر عليّ هذا، جيء لسيدنا عمر بشارب خمر فقال: أقيموا عليه الحد، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
 إذا الله أجبرك التغى الدين كله، يوجد نص للإمام الحسن بن علي: " لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً".
 أيها الأخوة الكرام؛ أحد أخطر بنود العقيدة أنك مخير والآيات واضحة، قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

[ سورة الأنعام : 148 ]

 هذا كلام المشرك، قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام : 148 ]

 أنت بالواقع جئت إلى صلاة الفجر، تستطيع ألا تأتي، أنت مخير، جاءت ابنتك لعندك تستطيع أن تقف معها ضد زوجها و هي المخطئة؟ وتقول له: لا تأت إلينا، وتطلقها منه كيداً، وممكن أن تستدعي زوجها ما القصة يا بني؟ ابنتي أزعتجك بشيء؟ هو ارتاح عندما وجد الأب منصفاً فأحبه، فتغاضى عن كل أخطائها، هناك حكمة، فأنت مخير مخير لكن حينما تختار تسير لتحقيق اختيارك، أنت مسير لما اخترت، أنت اخترت أن تكون مؤمناً الله يجمعك مع أهل الحق.

 

إلزام الله ذاته العلية بهداية خلقه :

 أنا من أجل التوضيح إنسان بألاسكا تساءل: هذا الكون له إله أم ليس له إله؟ يفتح الجريدة يجد وظيفة في واشنطن، يسافر يتعين يفرزونه للخليج، يسكن في بيت إلى جانبه داعية مسلم، يدله على الله، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 23]

 والله هذه الآية تريح، إذا علم الله أن هذا الإنسان طالب خير، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 23]

 هذه الآية الثانية أنا عندي عمل تجاري في الشام، وعملنا مع هولندا يأتينا مندوبي شركات، جاء مندوب شركة أكرمناه وغديته، أردت أن أتكلم معه عن الله كلمتين، فقال لي: قف، هذه المعلومات لا تعنيني أصلاً، ولا ألقي لها بالاً، ولا أهتم بها، قال لي: أنا لا يعنيني إلا امرأة جميلة وبيت واسع وسيارة فارهة، بحياتي ما تذوقت الآية الكريمة، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 23]

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 23]

 هذه الآية تكفينا كلنا، إذا الله علم أن الإنسان يطلب الحق واحد بالمليار لأسمعه الحق، لأن الله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل: 12 ]

 أية آية جاءت على مقترنة بلفظ الجلالة؟ قال تعالى:

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة النحل : 9]

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل: 12 ]

 الله عز وجل ألزم ذاته العلية بهداية خلقه، والله تولى هداية خلقه، فالإنسان يدعى إلى الدين عدة مرات، ثم حينما لا يستجيب انتهى عند الله عز وجل، وعندما تتوهم أنك مسير انتهى الدين، أنت مسير لما اخترت، اخترت الجامعة تدرس تجتهد زيادة تأخذ علامات تناسب الجامعة، فأنت عندما أصررت علامة الإصرار بالاختيار السعي، الدليل قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

[سورة الإسراء: 19]

 أخذ البكالوريا هنا اسمها توجيهي، علاماته قليلة، سعى لها سعيها، لها سعي خاص، قال تعالى:

﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾

[سورة الإسراء: 19]

 فلذلك أيها الأخوة الكرام؛ الله قال:

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾

[سورة الأنعام: 149]

 الحجة مع الله عز وجل يعطيك كل وسائل الهدى، فأنت لك أن تهتدي أو لا تهتدي، هذا اختيارك.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018