الدرس : 098 - أسئلة واستفسارات من الحضور الكرام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 098 - أسئلة واستفسارات من الحضور الكرام.


2015-01-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الرّبا معصية عظيمة توعد الله مرتكبها بالحرب :

 أيها الأخوة الكرام؛ وردني سؤال: يقول السائل الأخ الكريم: في سورة البقرة يتوعد الله عز وجل بالحرب لمن لا يترك ما بقي من ربا الجاهلية، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[سورة البقرة: 278-279]

 والحقيقة أنه ما من معصية توعد الله مرتكبها بالحرب إلا الربا، ما تفسير ذلك؟ لأنه أنت حينما تؤذي امرأة واحدة، الأذى بقي محصوراً بها، وحينما تؤذي مخلوقاً الأذى محصور به، وحينما تتعامل بالربا الأذى يلحق الأمة بأكملها.
 هناك قانون دقيق جداً هو أن السعر كلما ارتفع ضاقت دائرة المنتفعين بهذه السلعة، لو تصورنا سنة المحاصيل نادرة جداً، الأمطار قليلة، ممكن أن يباع كيلو الكرز بخمسة دنانير، بأيام الخير بدينار واحد، إذا بيع بخمسة دنانير كان المنتفعون بهذا السعر قلة، كبار الأغنياء، أما إذا كان بدينار فيصبح المنتفعون خمسة أضعاف، السعر كلما ارتفع الشريحة التي تنتفع بهذا السعر تضيق، فالإنسان عندما يأخذ قرضاً ربوياً يجب أن يؤديه مع الفائدة، معنى هذا أن التكلفة ارتفعت، فلما ارتفعت التكلفة ارتفع السعر، والسعر عندما يرتفع تضيق دائرة المنتفعين، لذلك المشكلة إذا كان هناك ربا كل شيء موجود في البلد لكن سعره مرتفع جداً، السعر الغالي يتجاوز طاقة الأكثرية، أمام بائع الفواكه كل شيء موجود لكن السعر فوق طاقة المواطن العادي، فوق طاقة الذي عنده عشرة أولاد.

 

الالتفاف و الانفضاض :

 سيدنا عمر عندما كان يلتقي مع أحد الولاة، كان يسأله: كيف الأمطار عندكم وكيف الأسعار عندكم؟ فالرحيم كلما هبط السعر يفرح، أما كمؤمن إذا عنده سلعة وأصبحت نادرة أو هناك جفاف شديد وسعرها ارتفع أنا أعتبر المؤمن الصادق يفرح بهبوط الأسعار، وقلة ربحه، أكثر مما يربح بارتفاع الأسعار ومضاعفة ربحه، هذا المؤمن، بقلبه رحمة، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 هذه باء السبب، أي بسبب رحمة استقرت بقلبك يا محمد هذه الرحمة انعكست ليناً، هذا اللين جعل الناس يلتفون حولك، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 159 ]

 ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة، فانفضوا من حولك، فلذلك أنت بين الالتفاف والانفضاض، ترحم الناس يلتفون حولك، تقسو عليهم ينفضون من حولك، هذا قانون يحتاجه الأب والأم والداعية والخطيب والمدرس وأستاذ الجامعة وأي منصب في الأرض، قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

الدنيا دار عمل لا دار جزاء :

 الله عز وجل عندما توعد الذين يأكلون الربا هذا وعيد من الله، لكن الدنيا دار عمل لا دار جزاء، إلا أن الله يعاقب بعض المسيئين لا يعاقبهم جميعاً، هذه دار عمل، والجزاء بالآخرة، من باب الرحمة يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ولكن الحساب الختامي يوم القيامة، الإنسان ممكن أن يكون مرتكباً كل أنواع الكبائر، صحته جيدة، ضغطه منتظم، دخله كبير، بيته واسع، أولاده كثر، فهذا كلما تأخر عقابه للآخرة معنى هذا أن عمله كبير، وكلما كان الإنسان قابلاً للإصلاح يأتيه العقاب في الدنيا، فإذا أحبّ الله عبده عجل له بالعقوبة، إذاً يحبه، إذا تركه يكون أمامه إعدام فقط، لو فرضنا إنساناً معه مرض عضال، وموته بعد أسبوعين، سأل الطبيب: ماذا آكل؟ قال له: كُل ما شئت، أما الذي معه التهاب معدة حاد، فالطبيب يضعه أمام حمية قاسية جداً، ويقيم عليه النكير إذا خالف، حسب المرض، إذا مرض خبيث كُل ما شئت، لذلك قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 أنا أفضل أن يكون مع الإنسان التهاب معدة حاد ويخضع لحمية قاسية جداً من أن يكون معه ورم خبيث يقول له الطبيب: كُل ما شئت، فهذه الآية دقيقة جداً، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 كنت مرة بلوس أنجلوس لفت نظري صدقاً ولا أبالغ أني ما لمحت طفلاً، يوم بكامله، فعلمت أن هذه عاصمة الشذوذ بالعالم، من أين يأتي الطفل؟ عاصمة الشذوذ بالعالم، البيت في أي مكان بأمريكا ثمنه خمسمئة ألف دولار بلوس أنجلوس ثمنه خمسة ملايين، عشرة أضعاف، بلدة جميلة جداً، مطلة على البحر، فيها تقنية عالية جداً، خدمات غير معقولة، ولكنهم شاذون كلهم، فلذلك قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 هذه الدنيا دار عمل وليس دار جزاء، لكن الله عز وجل يتفضل علينا يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، هذا الذي حكم إسبانيا خمساً وأربعين سنة، كان بصحة تفوق حدّ الخيال، ليس من السهل أن تكون خمساً وأربعين سنة وأنت بصحتك التامة، هناك عناية فائقة، هذه الدنيا لها أسباب، إذا الإنسان أخذ بأسباب الصحة يتمتع بالصحة.

 

العناية بالصحة ليس لها علاقة بالأجل أبداً :

 أنا لي كلمة أقول: العناية بالصحة ليس لها علاقة بالأجل أبداً، لك عند الله أربع وثمانون سنة وثلاثة أشهر وثلاثة أسابيع وستة أيام وأربع ساعات وخمس دقائق وثلاث ثوان، لا يوجد غيرهم، إن أحببت أن تقضيهم هكذا إذاً تعتني بصحتك، تحب غير ذلك تبقى بالفراش ثلاثين سنة، يأكل ليشبع، لم يسأل عن الصحة إطلاقاً، صار معه خثرة بالدماغ شلته فوراً، فأنت لك أربع وثمانون سنة وثلاثة أشهر وثلاثة أسابيع وكذا لا ينقصون ولا ثانية، بين أن تقضي عمرك نشيطاً، كان عندنا عالم في الشام وصل للسابعة والتسعين، منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، حينما يُسأل: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 مرة كنت عند طبيب أسنان قلت له: هل مرّ معك مريض جميع أسنانه سليمة؟ قال لي: عمر أبي خمس وثمانون سنة أسنانه كلها في فمه، نحن نصف الناس يضعون سناً صناعياً، ممكن أن يتمتع الإنسان بصحة تامة، أنا رأيي الشخصي أنت مصمم ألا تمرض، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

[ سورة الشعراء: 78-80]

 ما قال: وإذا أمرضني، وإذا مرضت، الفعل أخذ وضع ثان، الآن معنى هذا أن المرض له سبب لأن هناك تقصيراً معيناً، قد يكون التقصير عاماً، أي كل طعامنا مثلاً يحفظ بمعلبات فيها بنزوات الصوديوم، هم يضعون اثنين بالمئة، أحياناً يضعون ثمانية بالمئة من أجل ألا تفسد العلبة ويبيعها يكون بهذا قد خرب بيت الناس.

 

العناية بالصحة جزء من الدين :

 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ لا يمكن أن تستقيم الحياة من دون إيمان، مثلاً شخص معه وباء كبدي خطير جداً، ودخل إلى الحمام، و لم يغسل يديه جيداً، عجن العجينات، ينقل مرضه لثلاثمئة شخص من خلال الخبز، أما إذا أردت أن تدخل بالتفاصيل يجب ألا يكون أحد عنده مرض، بالخبز الجرثوم لا يموت، ولو دخل إلى بيت النار ممكن أن يصيب ثلاثمئة شخص بالوباء الكبدي القاتل، فالإنسان عندما يستقيم يشعر براحة كبيرة، يا رب أنا لم أكن سبباً بإيذاء إنسان، عندما يكتشف أنه كان هو السبب بإيذاء إنسان يرفع السعر، أحياناً يتفق التجار الكبار- هذه القصة قديمة بالخمسينات- كان أغلى كيلو حلو بخمس ليرات، والسمن درجة أولى، والفستق غالب، بعد ذلك صار الكيلو بألفي ليرة، يقول لك: لا يوجد فستق، يكون الفستق قد صار بيد تاجر واحد، هو فقط يستورده فيرفع السعر، مرة ارتفع السعر كان الإنسان يجلب لأولاده خمسة كيلو حلو على العيد، لم يستطع أن يحضر غير كيلو واحد، هو حرم الناس اللقمة، عد للمليار قبل أن تؤذي الناس، الله عنده سرطان، تشمع كبد، فشل كلوي.
 مرة شخص يحمل دكتوراه من فرنسا، تزوج إنسانة فرنسية، وأخذ بيتاً بأرقى أحياء دمشق، وكان له سيارتان أو ثلاث، كان معاون وزير الصناعة، هو صديق صديقي، فقد بصره، زاره صديقي قال له: والله أتمنى أن أجلس على الرصيف أتسول ولا يوجد على كتفي إلا هذا الرداء، فقط أتمنى أن يرد الله لي بصري، سهلة أن يفقد الإنسان بصره، أنت في قبضة الله، غلطة واحدة بجسمك تدفع الملايين، فشل كلوي كل أسبوع تحتاج إلى غسيل كلية، قال لي أحدهم: والله تثقب بدني يا أستاذ، وكل مرة ثماني ساعات، حتى ينظفوا الكلية، ويبقى عشرة بالمئة من حمض البول، مرة شاهدت بنفسي جهاز غسيل الكلية، طوله متر مكعب، الله وضع بظهرك قطعتين بحجم البيضة، الواحدة كم طاقتها؟ عشرة أضعاف حاجتك، الاثنان عشرون ضعفاً، عندك طاقة للتصفية عشرون ضعفاً عن حاجتك، الآن إن استأصلوا كلية الثانية تعمل، يعيش عمراً بكامله على كلية واحدة، ما هذه الحكمة الإلهية؟؟
أنا أقول: العناية بالصحة جزء من الدين، بين أن تقضي عمرك مستلقياً وبين أن تكون واقفاً، ليس من الصعب تتبع السنة النبوية بالطعام والشراب.

 

العاقل يحكمه النص دائماً :

 هناك نقطة ثانية؛ لو أن الله يبعث العقاب فور المعصية لالتغى الاختيار، ممكن أن تعصي الله إلى أمد طويل ولا يصبح معك شيء، وممكن أن تطيعه لعشرين سنة وأنت دخلك محدود، هذه دار ابتلاء لا دار جزاء، لو كانت الدنيا دار جزاء رأساً المستقيم يصبح غنياً، والمنحرف يصبح فقيراً، الله أعطى الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب.
 إذاً لا تتوقع إذا إنسان أكل ربا أن يعلن إفلاسه في اليوم الثاني، يمكن أن يفلس بعد عشرين سنة، الله عز وجل له حكمة بالغة، مثلاً إذا هيأت نفسك أن تذهب للعقبة عشرة أيام إجازة في الصيف، خرجت من عمان وجدت لوحة مكتوب عليها: الطريق إلى العقبة مغلق بسبب انهيار هل تتابع؟ ما الذي أرجعك؟ سيارتك وزنها ثلاثة أطنان، وآخذ معك كل حاجاتك، الذي أرجعك أربع كلمات، فالإنسان ماذا يحكمه؟ النص، إذا دابة تمشي أين تقف؟ عند المنع، عند الانهيار، دائماً الدابة يحكمها الواقع، والعاقل يحكمه النص، أنت إذا قرأت بحثاً عن الدخان وأنا عضو بجمعية بالشام لمكافحة التدخين، أنا أتكلم كلاماً علمياً، ثلاثة آلاف مادة سامة يوجد بالدخان، إذا أنت قرأت بحثاً عن الدخان وكنت تحب سلامتك وسعادتك يجب بعد البحث أن تترك الدخان، لكن أكثر المدخنين متى يتركون الدخان؟ عند السرطان، هذا ليس ذكاء، بعدما أصبت بالسرطان تركت الدخان!! لي قريب يدخن في اليوم ثلاث علب أي ستون سيجارة، صار معه سرطان، زاره صديقي قال له: والله أريد أن أعاقب الدخان لذلك سأتركه، متى أراد أن يتركه؟ بعد السرطان، أما بطولتك إذا قرأت عنه بحثاً وقنعت بالبحث أن تتركه.

﴿ َذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة البقرة: 278]

 ممكن أن يعيش الإنسان ثلاثين سنة ويأكل ربا، لا يوجد مشكلة، هذه دار ابتلاء لا دار جزاء، يقول أخ: يوجد بنوك ربوية حتى في بلاد الحرمين، وأرباحها بالبلايين، مما يدل على تعامل معظم الناس معها إلا من رحم ربي.

 

الضرورة القصوى تبيح المحظورات في حدود معينة :

 طبعاً هناك ملمح دقيق، مرة زارنا كلينتون، هناك بيت على طريق المطار عبارة عن غرفة متداعية، بيت لإنسان فقير جداً، رأساً جاؤوا و هدموا البيت، من أجل ألا يتضايق كلينتون من منظر بيته، بقي في الطريق، جاء سألني قال: أعطوني بيتاً بالتقسيط الربوي، قلت له: خذه لا يوجد مشكلة أنت مضطر، هذه حالة وحيدة، وضعوه في الطريق، جلب شاحنة وضع أغراضه، قلت له: أنت تستطيع أن تأخذ بيتاً من الدولة بتقسيط ربوي لقوله تعالى:

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة البقرة: 173]

 أما إن كنت تسكن في بيت أريد أن أكبره، آخذ قرضاً ربوياً، هنا يوجد مشكلة، موضوع الربا مثل الخمر إذا كان الإنسان سيموت وهناك لقمة علقت في حلقه و لا يوجد غير كأس من الخمر ممكن أن يأخذ القليل، قال تعالى:

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة البقرة: 173]

 ممكن أن تأكل قطعة لحم خنزير إذا كنت سوف تموت موتاً محققاً، وإذا كان هناك ضرورة قصوى من يقدرها؟ أنت تقدرها، يجوز الله يسامحك.

 

إنكار المعاصي باليد أو باللسان أو بالقلب :

 س: هل يمكن اعتبار القتل والدمار في العالم الإسلامي تحقيقاً لوعيد الله؟ وهل إذا تخلى المسلمون عن هذه المعصية يرفع الله عنهم البلاء؟
 ج: أريد أن أقول لكم كلمة دقيقة قال تعالى:

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

[ سورة الأنعام:164]

 ليس من المعقول أن يأتي البلاء عاماً إلا بحالة واحدة أن تكون راضياً به، أما إذا كنت لست راضياً أنت أنكرت هذا بلسانك إن كنت تملك علماً، أو بيدك إذا معك سلطة، وإذا ليس معك سلطة ولا علم فبقلبك، لا بد من أن يصيب الإنسان، أما الذي يسكت عن الخطأ من جراء هذا السكوت هذا الدمار.

 

الرد على من يأكل الربا أضعافاً مضاعفة :

س: ما الرد على شبهة: لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة؟
 ج: بسذاجة إنسان أكل ضعفين فقط وليس أضعافاً، أضعاف جمع، أو ثلاثة أضعاف، هذا باللغة له بحث لطيف جداً، هذا ليس وصفاً احترازياً، مثلاً أنت تقول: لا يدخل إلى هذا المسجد إلا متوضئ مثلاً، فالإنسان إن لم يكن متوضئاً لا يدخل إلى المسجد؟! لكن إذا قلت أنت: الإنسان الذي في المسجد من صفته أنه متوضئ، الصفة ملازمة له، هذه لا تعني استثناء، فمن شأن الربا أنه يضاعف أضعافاً مضاعفة، لأنه كلما قصر بالدفع تصبح فائدة مركبة، وهكذا شأن الربا.
 مثلاً قال تعالى:

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 مرة عام ألف وأربعمئة مات خمسمئة شخص بالحرم، ما تفسير هذه الآية؟ هذه الآية ليست خبرية بل إنشائية، أي اجعلوه آمناً، هذا أمر تكليفي من الله أن نحرص على الأمن بالحرم ليس أمراً خبرياً، هل تستطيع أي جهة أن تلغي قراراً إلهياً؟ لا تستطيع، الله ما جعل هذا الأمر إخباراً جعله إنشاء، أنت تقول لابنك أحياناً: لا يوجد عندي شاب يدخل إلى البيت بعد الساعة العاشرة، ما معنى الخبر؟ أي لا تدخل البيت بعد الساعة العاشرة، هو خبر لكن أنت أردت منه الإنشاء، مثلاً قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

[ سورة البقرة: 233]

 هذا خبر؟ لا، هنا إنشاء، أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، أحياناً تأتي الصيغة خبراً يقصد منها الإنشاء وهناك إنشاء يقصد به الخبر.

 

الإيمان بالله يقتضي أن نكفر بالغرب :

 كنت مرة في أمريكا اتخذ قرار بجواز شراء بيت بالتقسيط الربوي، بمؤتمر إسلامي بديترويت، أنا كنت حاضراً، شخص جالس معنا قام وضرب نفسه، ماذا الذي حدث؟ هذا جمع ستمئة مليون دولار كلما جاء شاب مسلم من بلاد الشرق الأوسط يعطيه ثمن بيت من الستمئة ألف ويدفعه للتقسيط قدر أجرته بالضبط، هذا بعد عشر سنوات ملك البيت، هذا المحسن جمع أموالاً طائلة، البيت ثمنه خمسة ملايين، كلما جاء شاب عوض أن يأخذ بيتاً بالتقسيط الربوي يعطيه هذا البيت يدفع أجرته وهذه الأجرة من ثمنه ينتهي الأجار بالتمليك، فلما جاء دكتور كبير وأفتى بالتقسيط الربوي فقام هذا المحسن وضرب نفسه أمامنا، فمشكلة الفتوى مشكلة كبيرة، أقول لكم كلمة دقيقة: حاجتك للدين كحاجتك للهواء، ممكن أن نتحايل عليه عن طريق الفتاوى والتأويلات، ونصطنع أشخاصاً هزيلين جداً ننهي الدين بهذه الطريقة، الغرب صار ذكياً جداً ماذا يفعل؟ يخلق منظمة مقاومة، تقطع الرؤوس، تمثل بالجثث، تريدون إسلاماً؟ هذا الإسلام، هذه مؤامرة عميقة جداً، لا تكن ساذجاً، هذا الذي يأتي يعمل شيئاً استفزازياً لا يحتمل، هذا مدفوع ثمنه من طرف أعداء المسلمين، تريدون إسلاماً؟ هذا هو الإسلام، أمام العالم كله تجد الخبر.
 أنا أذكر مرة أخاً من أخواني يقيم في باريس، مرة حرقت السيارات، الخبر: حرق السيارات من قبل المسلمين أحد الأخبار المثيرة، دخل كراجاً يوجد فيه ثلاثة وأربعون بولماناً، أحرقت جميعها، أقسم لي بالله وهو من أخواني يقيم في باريس أن الخبر أذيع سبعة أيام كل يوم وكل ساعة، ضربتُ أربعاً وعشرين ساعة بسبعة أيام، قال لي: ثم اعترف موظف عند صاحب الكراج أنه هو الذي أحرقهم – أي صاحب الكراج هو من أحرقهم - حتى يأخذ بدلاً عنهم بولمانات جديدة، أقسم بالله العظيم الخبر أذيع مرة واحدة، خبر إحراق المسلمين للباصات أذيع أربعاً وعشرين ضرب سبعة، كل ساعة، اعترف موظف عند صاحب الكراج أن الذي حرق الباصات هو صاحب الكراج نفسه حتى يأخذ من التأمين ثمنهم، أذاعوا الخبر مرة واحدة، لا يوجد إنصاف، والله لا يوجد إنصاف يا جماعة، ترى الخبر عن المسلمين يذاع بشكل غير معقول، وكل أخبارهم السيئة تعتيم إعلامي، فأنت طالما تضع الأمل فيهم أنت مخطئ جداً، هم أحقر من أن يحترموا، ولي كلمة أقسى من ذلك ما لم تكفر بهم لن تؤمن بالله، الدليل قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة البقرة : 256]

 إن لم تكفر بالغرب، الغرب ناعم، وحضاري، وعنده مظهر براق، حقوق الحيوان، وأنت تقتل الشعب الأفغاني بقصف على قلعة قتلوا اليوم خمسة آلاف إنسان بيوم واحد، تخاف أن يبعث الروس كلبة إلى الفضاء الخارجي، أوربا قامت ولم تقعد لأن الروس أرسلوا كلبة إلى الفضاء وخمسة آلاف أفغاني مسلم يجلسون في قلعة يعانون من الخوف، تقصف القلعة بالطيران حتى تقتلهم كلهم؟ لذلك:

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر  وقتل شعب مسلـم مسألة فيها نظر
***

 يقول لك: أزمة الشرق الأوسط، لماذا لم تقل: أزمة العدوان الإسرائيلي؟ يختارون كلمة لا توحي بشيء، أزمة الشرق الأوسط، يكون هناك يهود قد احتلوا الأرض، وهجروا من فيها من شعوب، تسمى هذه بالأخبار: أزمة الشرق الأوسط.
 أيها الأخوة الكرام؛ ملخص الملخص ما لم نكفر بهم لن نؤمن بالله، ليس معنى الكفر بهم ألا تنتفع بإنجازاتهم، لا أنا آخذ أدوية من عندهم، آخذ شيئاً أنتفع منه لكن لا آخذ انحطاطهم.
 سألوا مرة أديباً مصرياً: ألفت أنا عنه كتاباً مدرسياً ماذا نأخذ وماذا ندع من حضارة الغربيين؟ فقال: نأخذ ما في رؤوسهم، وندع ما في نفوسهم، كلام دقيق، الذي وقع نأخذ الآن ما في نفوسهم من انحراف وإباحية وندع ما في رؤوسهم من علم.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018