الدرس : 092 - القضاء والقدر لا يعفي من المسؤولية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 092 - القضاء والقدر لا يعفي من المسؤولية.


2014-12-26

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية.

الابتلاء علة وجود الإنسان في الدنيا :

أيها الأخوة الكرام؛ حالات كثيرة جداً لا تحصى ملخصها أن الإنسان أحياناً يغطي خطأه بالقضاء والقدر، أي يأتي مريض بحالة إسعاف إلى المستشفى، والطبيب يدير حديثاً مع جهة، ينتظر بعد ربع ساعة كان المريض ميتاً، يقول لك: مات بأجله، لا، لا يمكن أن يغطى التقصير بتبرير الأجل، مات في أجله وختم عمله، هذه ليس عملك، أما أنت فمكلف أن تعالج هذا المريض، تأخرت هناك مشكلة كان من الممكن أن تسعفه، وكان من الممكن أن يعيش، موضوع القضاء والقدر موضوع يجب ألا ندخله بحساباتنا اليومية، وإلا أي طالب لم ينجح يقول: الله لم يكتب لي أن أنجح، أنت لم تدرس أصلاً، فهذا الذي حصل ليس قضاء وقدراً كما تتوهم، هذا جزاء التقصير، فأنا أكثر شيء يؤلمني المتاجرة بالدين، أن تستخدم حقائق الدين لتبرير الأخطاء، فلا يوجد عمل أشدّ عند الله من أن تتهم نبياً مرسلاً هو سيد الخلق وحبيب الحق، وحديث الإفك اتهام للنبي الكريم، والآية تقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

الله عز وجل امتحن الصحابة، المتفوقون بإيمانهم ظنوا بنبيهم و أهله خيراً، والمنافق وجد فرصة مناسبة جداً لينال من النبي صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم فرزوا إلى إنسان يحسن الظن برسول الله وبأهله، وإلى إنسان يصطاد بالماء العكر، فهذا الحديث حديث الإفك فرز من حول النبي صلى الله عليه وسلم، والآية تقول:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 30]

أي علة وجودنا في الدنيا الابتلاء، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

هذه الآية دقيقة جداً، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

بعد هذه الآية مباشرةً قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

الآية حينما تأتي بعدها مباشرة لئلا يقول من تولى كبر هذا الحديث، هكذا الله أراد، هذا قضاء وقدر، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

قصص تبين أن الله كبير يحاسب كل إنسان على عمله :

أنا كنت في أمريكا زرت طبيباً في العيادة، لفت نظري أن عيادته كبيرة جداً، وفيها عدد من الرفوف على الحائط، و على الرفوف ألف إضبارة، قلت له: ما هذا؟ قال لي: هذه أضابير المرضى الذي ماتوا وأنا عالجتهم، لماذا محتفظ بها؟ قال لي: قبل خمس سنوات بيوم يستطيع ابن المريض الذي مات والده أن يقيم دعوى على الطبيب بالتقصير، والدعوى أحياناً تصل الغرامة إلى ثمانين مليون دولار ومئة مليون، إنسان مات من تقصير الطبيب، لم يقل له: هل تعاني من الحساسية، فأخذ الدواء ومات فوراً، هذا تقصير، مستعجل، أنا عندي من هذه الأخطاء بالمئات، بالألوف، لكن في الشرق الأوسط يوجد سذاجة وحسن ظن وقليل من الإيمان بالقضاء والقدر، يقول لك: مات بأجله، والله إنسان يجري عملية استئصال كلية متعطلة فاستأصل الطبيب الصحيحة، بقي المريض بلا كلى، أنا عملي بالدعوة أكثر أخواني كانوا أطباء، أعمل لهم درساً يوم الأحد الساعة العاشرة مساءً، عندما ينتهي الدرس أسمع قصصاً أنا لا أصدق ما أسمع، أخطاء من أطباء، لكن الطبيب إن أخطأ لا أحد يحاسبه على هذا الخطأ أنا أعد هذا سذاجة، والدليل: " من طبب ولم يُعلم منه طبٌ فهو ضامن".
هذا ليس اختصاصك، أعطاه دواء تسبب موته، أذكر قصة لا أنساها أبداً أن أباً أخذ ابنه إلى طبيب، الطبيب وصف دواء نسي فأعطاه عياراً ثقيلاً، وعيار الكبير يقتل الصغير، هذا الطبيب من حرصه على سلامة هذا الطفل توجه إلى التلفزيون مباشرة وعمل رسالة بالتلفزيون أنني أنا الطبيب الفلاني قبل ساعة زارني أب مع ابنه، وصفت له وصفة لدواء عياره كبير بالخطأ مني، وهذا العيار خطأ، إذا كان الطفل لم يأخذ الدواء لا يأخذه، وسبحان الله خطته نجحت، قبل أن يعطي الأب ابنه الدواء سمع القصة فلم يعطه إياه، هذا الطبيب ضحى بمكانته العلمية كلها، الآن صار أول طبيب بالقاهرة، الأول، وضع مصلحته تحت قدمه.
كنت أقول كلمة لأخواننا الأطباء: هذا المال ضعه تحت قدمك تربحه، ضعه أمامك تخسره، للطبيب وللمحامي، يقول له: الدعوى ناجحة وتعلم علم اليقين أنها ليست ناجحة، وتعلم علم اليقين أن هناك اجتهاداً لمحكمة النقض تناقض النجاح، والقاضي ملزم أن يأخذ باجتهاد محكمة النقض، لا تقل له: ناجحة، تؤجل القضية عشر سنوات، و تسحب منه نصف مليون ثم تقول له: القاضي ارتشى، ماذا أفعل لك؟ مشكلة المهن الراقية لا تستطيع أن تحاسب صاحب المهنة، التدريس مهنة راقية، يأخذ على الدرس ألف ليرة و الطالب لا ينجح، يجب أن يقول لوالده من الأول: لن ينجح، لا تغلب نفسك، لأنه يعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن ينجح، و لكنه يسحب من الأب مبلغاً فلكياً، الله كبير.
أذكر مرة يوجد طبيب داوم عندي فترة طويلة، هو من كبار أطباء دمشق، داوم ثلاث سنوات، اختصاصه في الأورام الخبيثة، قال لي: جاء رجل مع زوجته - وهم من الساحل- إلى عيادتي، مع زوجته ورم خبيث، فأخذته إلى غرفة ثانية وقلت له: هذا ورم خبيث في الجلد، واحتمال الشفاء خمسون بالمئة، أسهل ورم خبيث الورم بالجلد لماذا لم تعالجها؟ قال له: أنا عند الطبيب الفلاني ولم يقل لي إنه ورم خبيث، كان يقول لي: التهاب، قال لي: طالب الطب ليس طبيباً يعلم يقيناً ببساطة أنه ورم خبيث، فإذا قال له: مع زوجتك ورم خبيث وهو هذا ليس من اختصاصه يكون قد فقد زبوناً، فكان يقول له: معها التهاب، تركه سنتين كل أسبوعين جرعة، أو دواء، فابتز منه أموالاً طائلة، هذا الرجل عندما وجد زوجته معها ورم خبيث وكان من الممكن أن تشفى منه ولأن هذا الطبيب ابتز أمواله قال لي: وقع على الأرض وقال: يا رب إذا كنت موجوداً انتقم منه، وإذا لم تنتقم منه فلست موجوداً، هكذا تكلم، يقسم بالله العظيم والطبيب حي يرزق، لم يمت بعد، قال لي: بعد أحد عشر شهراً جاءني الطبيب معه ورم خبيث بنفس المكان عند المريضة، الله كبير، أقول كبير و لا أشبع منها، إياك أن تغلط مع الله، إياك أن تظلم، إياك أن تبتز أموال الناس، إياك أن توهم المريض بمرض هو بريء منه.
قصة مشهورة جداً قال له: الطبيب على حق، هذا الورم ممكن أن ينهي حياتك بعد أربعة أشهر دبر أمورك، في اليوم الثاني مات، لم يتحمل، النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( نفسوا له في الأجل))

[ مصنف ابن أبي شيبة عن أبي سعيد]

القضية ليس قضية سهلة مع الله، هكذا سبهللة، يا رب ليس لنا غيرك أنت أعلم، هذه الكلمات العامية يرتكب كل غلطة لا تتحملها أمة، يقول لك: ترتيب سيدك، هذا كله كلام فارغ، المقصر يجب أن يحاسب، هذا الفرق بين الغرب وبيننا، هناك لا يوجد شيء اسمه: قضاء وقدر، قال لي: والله إذا لم أحتفظ بالإضبارة خمس سنوات، يمكن أن يأخذ مني ابن المريض كل أموالي، خمس سنوات كيف عالجته؟ كانت ثلاث سنوات وصار هناك تعديل فأصبحت خمس سنوات.

 

جزاء التقصير :

أول شيء النقطة الدقيقة نحن عندنا القتل، والقتل العمد، وعندنا جرم اسمه التسبب بالقتل، أنت لا تنوي أن تقتله لكن تقصيرك قتله، إنسان جاء من السعودية إلى الشام، هو من دمشق وهناك معرفة يبدو أنه يحتاج إلى تبديل زيت البواط، وقف عند محل، صاحب المحل كلف الموظف الذي عنده أن يبدل الزيت لهذا الشخص، بعدما ملأ الزيت لم يشد البراغي، طلبه معلمه، نسي هذا الموظف أنه لم ينه عمله، كلفه بعمل ثان، دخل صاحب السيارة قال له: انتهت، مع السلامة، مشى هذا الشخص بسيارته الزيت غير مضبوط فارتفعت درجة الحرارة في السيارة، نزل صاحبها ودار دورتين حولها، أصابته ضربة شمس فمات، أنا حسب ما أفهم الدين أنه يجب أن يحاسب كقاتل، تقول لي: انتهت؟ لا لم تنته، لو ضبط الأمور لما مات، كل شيء تقول: قضاء وقدر أنا أسميه جزاء التقصير، القضاء والقدر طالب لم يدرس فلم ينجح، فقال سبحان الله! أنا لم يكتب الله لي أن أنجح، ويسبح الله أيضاً؟!! لا، قل: أنا لم أدرس فلم أنجح، لا دخل للدين بهذا الموضوع، له موضوع ثان قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

بعدها مباشرةً، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

الذي روج الحديث واتهم السيدة عائشة بالزنا له عذاب عظيم.

 

على كل إنسان أن يؤدي واجبه على أتمّ وجه :

شيء آخر؛ قال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾

[ سورة يس : 12]

نكتب فعل مضارع، ما قدموا، مكتوب عليه أن يكون شقياً، عمل عملاً خاطئاً فالله عز وجل أعطاه مهلة، لم يتب و لم يغير سلوكه ولم يندم بعد ثلاث مراحل يسجل عليه، نكتب فعل مضارع، ما قدموا فعل ماض، وآثارهم، بعض الأمثلة، مريض انتهت معالجته بالمستشفى وخرج من المستشفى، إضبارته لم تزح من مكانها، جاء مريض ثان نام بالسرير احتاج إلى دم، فتح الطبيب إضبارته وجد زمرة الدم أعطاه دماً مات فوراً، إذا الشخص أخذ دماً من زمرة أخرى يموت فوراً بانحلال الدم، ما سبب وفاته؟ أن الاضبارة لم نأخذها، والطبيب توهم أن هذه إضبارة المريض الجديد، ففتح الإضبارة وقال لهم: أعطوه زمرة دم معينة، من هذه الزمرة مات فوراً بانحلال الدم، هذه آثارهم، قال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾

[ سورة يس : 12]

لي صديق من أعز أصدقائي، عنده بنت في الصف الثامن، سبحان الله وردة، سقط صحن فضائي فوق رأسها قتلها فوراً، جاء التحقيق وجدوا أن الذي وضع الصحن وضع برغيين فقط، عوض أربعة، بهواء شديد طار الصحن فقتلها، أنا اجتهادي ومعي أدلة يحاسب كقاتل الذي وضع برغيين فقط، انتبه أنت تقوم بعمل هناك إنسان له أولاد، أحياناً بالحمام يوجد مأخذ كهربائي – مئتان و عشرون- إذا مشى الابن من دون حذاء ورجله على الماء ولمس هذا المأخذ يموت فوراً، هل تعرفون هذا؟ لماذا العالم الغربي كله مئة وعشرة؟ لأنه أكثر أماناً، التيار مئتان وعشرون قاتل، إذا كان هناك ماء ولامست الكهرباء، يجب أن تنتبه لبيتك أن هذا المأخذ قاتل، الآن يوجد غطاء للمأخذ تغطيه حتى الطفل لا يصل له.
الحديث كما تعلمون:" من طبب ولم يُعلم منه طبٌ فهو ضامن "، يحاسب.
أيها الأخوة الكرام؛ مئات الحالات هي تقصير تعزى عند العامة إلى القضاء والقدر، طبعاً كل شيء وقع أراده الله هذا موضوع ثان، بهذا الموضوع موضوع الأخطاء لا دخل للقضاء والقدر فيه إطلاقاً، الله سمح ما سمح، أراد لم يرد، هذا ليس عملك، أنت عليك واجب لم تؤده، أحياناً يأتي مريض إسعاف ومعه احتشاء وهناك إبرة تميع الدم، قد يعيش عشرين سنة بعد هذا، الطبيب يدير حديثاً مع ممرضة مثلاً قال له: انتظر، فيموت، يقول: سبحان الله! مات بأجله، لا تقل: سبحان الله مات بأجله أنت تعد بالمنهج الإسلامي متسبباً بالقتل، هذا الشيء يلزم الطبيب، المدرس، المحامي، تعرف الدعوة خاسرة لا يوجد أمل، يا أخي انصحه، قل له: لا تتعب نفسك هناك مادة باجتهاد محكمة النقض مضادة لدعواك، لا يستطيع أن يأخذ بها القاضي، قل له: الطريق أمامك مسدود، أرح قلبه، أنا أعرف معلومات دقيقة يوجد سبعون ألف دعوة كيدية في قصر العدل عندنا، دعوى كيدية عشر سنوات بالقضاء وتبتز أموال المدعى عليه، مرة من القاضي، ومرة من المحامي، ثم يصدر الحكم بخسارة القضية. أنت دينك نصيحة.

(( الدِّينُ النصيحة ))

[ الترمذي، عن أبي هريرة ]

وأحياناً النصيحة توهمك أنك أنت خسرت المريض، لا، قل له: لا يوجد أمل، أنت مدرس جاءك أب مع ابنه، قل له: لا يوجد أمل لينجح ولا واحد بالمليون، لا تغلبه، لا تأخذ منه كل درس ألف دينار، هذا حرام، قل له: والله لا يوجد أمل، يجب أن يعمل ترتيبات ثانية العام القادم.
أنا أقول كلمة: المال إذا وضعته أمامك تخسره، إذا وضعته تحت قدمك تربحه، العبرة شفاء المريض، العبرة نجاح الطالب، العبرة إصلاح هذه الحاجة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018