الدرس : 086 - الخطأ في الميزان لا يصحح والخطأ بالوزن لا يتكرر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 086 - الخطأ في الميزان لا يصحح والخطأ بالوزن لا يتكرر.


2014-12-20

أكبر خطأ هو الخطأ في التصور :

 أيها الأخوة الكرام؛ حقيقة دقيقة وخطيرة وهي أن الخطأ في الميزان لا يصحح بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر.
 عندك ميزان، فرق الكفة عن الأخرى مئتا غرام، لو استخدمته مليون مرة كل هذه الأوزان خطأ لأن الخطأ في الميزان، لكن أحياناً تزن شيئاً والوزن كيلو ونصف بخطأ بشكل أو بآخر تتوهم أنه كيلو واحد، هذا الخطأ في الوزن لا يتكرر، فالأفضل أن تكون - لا سمح الله ولا قدر - أخطاؤنا في السلوك أهون ألف مرة من أن تكون أخطاؤنا في العقيدة، لذلك الله عز وجل - والشيء دقيق جداً - رتب المعاصي والآثام - الفحشاء والمنكر- ترتيباً تصاعدياً، وجعل على قمة هذه التصنيفات، قال تعالى:

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة :169 ]

 الخطأ في التصور خطير جداً، مثلاً بائع حضر درس علم، وسمع حديثاً من دون شرح:

(( شفاعتي لأهل الكبائر مِنّ أمَّتي ))

[ أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]

 معنى هذا ممكن أن يغش الحليب، يضيف خمسين بالمئة ماء له، هكذا الحديث:

(( شفاعتي لأهل الكبائر مِنّ أمَّتي ))

[ أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]

 هذا الحديث يحتاج إلى شرح، حديث آخر:

(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُمْ))

[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

 الحديث دقيق جداً، أي إن لم تحسوا بذنوبكم أنتم موتى، المؤمن يغلط غلطة لا ينام الليل، عنده حياة، عنده حياة لقلبه، فإذا إنسان ارتكب مليون غلطة ونام ملء عينيه هذا منته، في بعض الأحاديث، هذا يسمونه علماء الحديث: الحديث المشكل، وفي القرآن متشابهات، هناك آيات محكمات واضحات جليات نيرات، لا تحتاج إلى تفسير، وهناك بعض الآيات تحتاج إلى تفسير، لكن الآيات المتشابهات واحد بالمليون، أي عشر آيات بالقرآن كله، هذه لها مهمة، المهمة دقيقة جداً، أنت تقول لإنسان: أعط فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم، كلامك هذا واضح جلي قطعي لا يحتاج إلى تفسير، ولا إلى تأويل، ولا إلى تعليق، ولا إلى تحليل، هذه الآيات المحكمات، لكن أحياناً تقول: أعط فلاناً ألف درهم ونصفه، على من تعود الهاء؟ إن أعدتها على الألف كان المبلغ ألفاً وخمسمئة، إن أعدتها على الدرهم كان المبلغ ألف درهم ونصف الدرهم، هذا الحديث نسميه حديثاً مشكلاً أو احتمالياً، أي يتحمل عدة معان، فأنت بحاجة إلى أهل الذكر، قال تعالى:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

عقيدة الجبر تلغي الدين و تفسد العقيدة :

 النتيجة أن الخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، أي أفضل مليون مرة أن تخطئ في الحركة من أن تخطئ في التصور، الخطأ في التصور لا يصحح، مثلاً أنا أرى أخطر عقيدة تفسد الدين وتلغي العمل عقيدة الجبر، أن تتوهم أن الله أجبر عباده على أعمالهم، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً.
 أي في اللحظة التي تتوهم أن الله أجبرنا على معصيته انتهى الدين، انتهى الثواب، انتهى العقاب، انتهت الجنة، انتهت النار، عقيدة الجبر تلغي الدين، ومع الأسف الشديد هناك من يتصورها.
 الآن دققوا قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

[ سورة الأنعام : 148 ]

 أحياناً تجد في المجالس الخاصة كلمات ما أنزل الله بها من سلطان: يقولون: هذا ترتيب ربك، الله لم يهده، ما ذنبه إذا الله لم يهده؟ والله هذا الكلام عين الكفر، الله كتب عليه أن يتعذب، لم يكتب؟ اسمعوا الآية:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ﴾

[ سورة يس: 12]

 أي فعل فعلته مختاراً، والله أمهله، وأنذره، وأرسل له من ينصحه، فلم يتب ولم يغير ولم يتراجع وأصرّ، الآن يكتب، يكتب متى؟ بعد الإصرار، الآية واضحة تماماً، قال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ﴾

[ سورة يس: 12]

 ما قدموا من عمل، عمل فعلته و لم يتراجع، ولم يتب، ولم يتغير، ولم يبدل، ولم يندم، الآن يسجل عليه، أما قبل أن يخلق فمكتوب كافر.

ألقاه في اليم مكتوفاً و قال له  إيّاك إياك أن تبتل بالماء
***

 عقيدة الجبر تلغي الدين، تفسد العقيدة، تفسد علاقتك بالله، هكذا كتب الله له، أنا أرى أن هذه أخطر عقيدة قد تتسرب دون أن نشعر إلى تصوراتنا، أن الله عز وجل أجبرنا على المعصية، هذا الشيء ليس من شأن الله وحده، قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 148]

 هذه عقيدة ظن، لا عقيدة يقينية، تخرصون، تكذبون، إياك أن تتهم الله عز وجل، حسن الظن بالله ثمن الجنة.

 

طلب العلم أخطر شيء في حياة كلّ إنسان :

 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ ممكن أن يكون الإسلام مثلثاً مقسماً إلى أربعة أقسام؛ القسم العلوي: العقيدة، إن صحت صح العمل، وإن فسدت فسد العمل، القسم الثاني: العبادات، والقسم الثالث: المعاملات، أحكام البيع والشراء والقرض إلى آخره، والقسم الرابع: الآداب، آداب الطعام، آداب الزيارة، عندنا آداب بديننا أعلى مستوى في أديان الأرض، عندك عقيدة، عندك عبادة، عندك معاملة، عندك آداب، فلذلك طلب العلم فريضة، أنت لا تستطيع أن تضع حرف الدال جانب اسمك، إلا إذا درست الابتدائي، والمتوسط، والتوجيهي، والليسانس، والدبلوم، والماجستير، والدكتوراه، ثلاث عشرة شهادة بثلاث وثلاثين سنة من أجل دال، وتريد أن تكون مؤمناً وتدخل الجنة من دون جهد؟ من دون طلب علم، لست مستعداً أن تجلس على ركبتيك في الجامع، الجلسة غير مريحة، لست مستعداً أن تبذل شيئاً، إذا الإنسان ضنّ على نفسه بطلب العلم أمامه مطبات كبيرة جداً، سببها الجهل، أي أنا لا أدين إلا بفائدة، يقول لك: سمِّها ما شئت، يدينه مئة ألف يريده مئة و ألفاً، يقول لك: ألم يقل الله أضعافاً مضاعفة يا أخي، فهم الآية بشكل خاطئ، قال تعالى:

﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾

[ سورة آل عمران: 130 ]

 أنا طلبت بالمئة عشرة فقط، ممكن أن تفتي لنفسك بمليون معصية، ومن دخل السوق من غير فقه أكل الربا شاء أم أبى، طلب العلم أخطر شيء في حياتك، هذه الآية الأولى، قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 148]

 قال تعالى:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[ سورة الكهف :29]

 معنى هذا أنك مخير ولست مجبراً، والآية مثل الشمس، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[ سورة الكهف :29]

 الآية الثانية، قال تعالى:

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

[ سورة الإنسان: 3]

 السبيل واضح.

 

حرية الاختيار :

 لكن هناك آية هذه مشكلة قال تعالى:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾

[ سورة الإنسان: 30]

 أي لولا أن الله شاء لكم أن تخيروا لما شئتم، من منحك حرية الاختيار؟ الله عز وجل، لولا أن الله منح لكم هذه الحرية لم تستخدموها لصالحكم، إذاً قال تعالى:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾

[ سورة الإنسان: 30]

 شاء الله لكم أن تشاؤوا فشئتم، المعنى واضح جداً، قال تعالى:

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾

[ سورة الإنسان: 31]

 على من يعود الفاعل في قوله تعالى: يدخل من يشاء؟ على العباد، والذي يحب أن يهتدي الله يهديه، قال تعالى:

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾

[ سورة الإنسان: 31]

 من هذا الذي رفض اختيار الإيمان بالله؟ الظالم لنفسه، الآن قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص: 47 ]

المصائب رسائل من الله :

 بالمناسبة المصيبة بأدق معانيها رسالة من الله، قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص: 47 ]

 معنى هذا أن الله عز وجل لو لم يرسل رسلاً أي مصائب للبشر لقامت الحجة على الله، قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص: 47 ]

 مثلاً لو أن ابناً قال لأبيه: لا أريد أن أدرس، فالأب قال له: كما تريد، هذا استيقظ الساعة العاشرة، بدل الساعة السابعة، أكل وذهب إلى السينما، أمضى حياته بين السينما ورفقاء السوء والنوم إلى وقت متأخر، عندما كبر لا يوجد عنده بيت، ولا سيارة، ولا وظيفة، ولا تجارة، ولا دخل، ولا زوجة، فحقد على أبيه، قال لوالده: لماذا عندما قلت لك لا أريد أن أدرس لم تضربني؟ قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا ﴾

[ سورة القصص: 47 ]

 المصائب رسالة يا أخوان، كل بطولتك أن تفهم المصيبة التي أصابتك أنها رسالة من الله، لا تقل: الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، هذا كلام كفر، يوجد إله، لا تقل: هكذا الله قدر عليّ، لا الله ما قدر عليك الشر أبداً، موضوع العقيدة خطير جداً، عندما تتهم الله أنه كتب عليك انتهى الدين كله، أصبح ما من داع للدين، لو ألغيت حرية الاختيار ألغيت الدين كله، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[ سورة الكهف :29]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

[ سورة الإنسان: 3]

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 148]

الموقف المتوازن أن الإنسان مسير لما اختار :

 الآن يوجد آية من الآيات المتشابهات الخطيرة، معناها الظاهري مشكل، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

[ سورة السجدة: 13]

 ما الذي حصل؟ الله ما شاء، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة السجدة: 13]

 هذه آية مشكلة كبيرة جداً، أي أنتم يا عبادي تدعون وتتوهمون وتظنون أنني أجبرتكم على أعمالكم، لو كنت مجبركم على أعمالكم ما أجبرتكم إلا على الهدى، لو أنا ألغيت اختياركم، ألغيت حريتكم، ألغيت الحيرة التي هي أصل في حياتكم، لو ألغيت لكم هذه الحرية وكنت مجبركم على شيء ما أجبرتكم إلا على الهدى، لكن الجنة تحتاج لاختيار، الجنة عطاء لامتناه، ثمنها أن تأتي إلى الدنيا ومعك حرية اختيار، ومعك شهوات، أعطاك عقلاً، وأعطاك قلباً، وأعطاك شهوة، وأعطاك اختياراً، هذه اسمها: مقومات التكليف، هذا الكتاب أعده من أهم الكتب، كتيب صغير اسمه: مقومات التكليف، تفتح الموقع الخاص بي تأخذه مجاناً، تسحبه، مئتا صفحة، التكليف مقوماته الكون، والعقل، والشهوة، والاختيار، أعطاك حرية الاختيار وأعطاك شهوة مثل المحرك بالسيارة، الشهوة محرك، والعقل مقود، والشرع طريق، قال لك: حافظ على بقائك على الطريق عن طريق المقود بيدك والعقل برأسك، والموضوع دقيق جداً، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة السجدة: 13]

 أنا أعتقد أن أخطر موضوع في العقيدة أنك مخير ولست مسيراً، لكن الموقف المتوازن أنك مسير لما اخترت، يا رب اهدني، يجمعك مع أهل الحق، يلهمك أن تسافر إلى هذا المكان، أنت عندما تختار الهدى يسيرك الله إلى طريق الهدى، أنت مسير لما اخترت، الأصل اختيارك، فأنت حينما تطلب من الله الهداية، يجمعك مع أهل الحق، ييسر لك طلب العلم، بفهمك، بعلمك، العبرة أن تطلب، هو ينتظرك، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.
 القضية ليست سهلة ألا يطلب الإنسان العلم، ويتوهم أوهاماً معينة ثم يكتشف أنه كان على خطأ، ولكن متى؟ بعد فوات الأوان.

 

بطولة الإنسان أن يؤمن في الوقت المناسب :

 أقول لكم كلمة ثانية؛ أولاً: أنت عندك مليون خيار، مئة مليون خيار رفض، قد لا يعجبك هذا البيت ترفض شراءه، وقد لا تعجبك هذه الفتاة ترفض الزواج منها، وقد وقد، معك مليار رفض إلا مع الإيمان معك خيار وقت فقط، إما أن تؤمن في الوقت المناسب، أو أن تؤمن بعد فوات الأوان، الدليل: أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

 والذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

 عندما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

 قال له الله عز وجل:

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

[ سورة يونس: 91 ]

 فالبطولة لا أن تؤمن، كل الخلائق من بني البشر سوف يؤمنون بما جاء به الأنبياء بعد فوات الأوان، لذلك قال تعالى:

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾

[ سورة الأنعام: 158]

 فالبطولة أن تؤمن الآن لكن بعد فوات الأوان، قال تعالى:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق : 22 ]

 أقول لكم: أكفر كفار الأرض فرعون، الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

 والذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

 عندما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

 هذا الوضع مثل أي طالب دخل إلى الامتحان، و لم يدرس أبداً، قدم الورقة بيضاء، رجع إلى البيت فتح الكتاب المقرر على مكان السؤال الذي لم يعرفه فقرأه واستوعبه، هل يستطيع أن ينجح؟ أنا فهمت السؤال، فهمته بعد أن مضى الفحص، فالبطولة أن تؤمن في الوقت المناسب، وأنت شاب، وأنت في قدراتك العقلية، والإنسان أحياناً تتطور أموره الصحية لا يعي على خير، يجب أن تؤمن وأنت شاب:

(( اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))

[الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وأحمد عن عمرو بن ميمون ]

 أنا أقول للشباب: لا يوجد عندك زوجة، ولا أولاد، ولا أقساط مدارس، و لم تتزوج، يجب ألا تنام الليل، ابن إيمانك في هذا الوقت، هذا وقت بناء الإيمان، أرجو الله لكم جميعاً التوفيق والنجاح.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018