مختلفة - الأردن - المحاضرة : 41 - مدينة عمان – مسجد الشهيد عبد الله عزام - أين الخلل في عدم تنفيذ وعود الله الثلاثة؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23ندوات مختلفة - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الأردن - المحاضرة : 41 - مدينة عمان – مسجد الشهيد عبد الله عزام - أين الخلل في عدم تنفيذ وعود الله الثلاثة؟


2016-04-04

مقدمة :

 هذا اجتماعكم إن شاء الله اجتماع مرحوم ومبارك، لكن يجب أن نكون على قدر هذا المكان المبارك، في بيت من بيوت الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة ....))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 ما هي السكينة؟ هي أن يجلس كل واحد ويستمع ليستفيد، فإن هذا العالم سيتكلم من كتاب الله ومن السنة ومن واقع التجربة بما يفيدكم إن شاء الله، إذاً:

((... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده...))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

وعود الله عز وجل معطلة لتقصير المسلمين في عبادته :

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
 أيها الأخوة الأحباب؛ الله عز وجل يقول:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 السؤال الدقيق: هل نحن كمسلمين في الأرض مستخلفون؟ الحقيقة المرة: لا، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 هل هذا الدين الإسلامي ممكن الآن أم يواجه حرباً عالمية ثالثة كانت تحت الطاولة واليوم فوق الطاولة؟ قال تعالى:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 هل نحن آمنون؟ الجواب الحقيقة المرة: لا، لسنا مستخلفين ولا ممكنين ولسنا آمنين، أين الخلل؟ الخلل بكلمة واحدة جاءت في نهاية الآية، قال تعالى:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 فإن قصر المسلمون في عبادة الله وعود الله عز وجل معطلة، هذه الحقيقة المرة وأنا أرى أنك إذا تعاملت مع الحقيقة المرة هذا التعامل أفضل ألف مرة من الوهم المريح، أين الخلل؟ الحقيقة ورد في الأثر القدسي:" ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكفّ شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، ويقسم عليّ فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها".

 

العبادة علة وجود الإنسان :

 الآن نبدأ بالصلاة:

(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً، قيل: يا رسول الله جلهم لنا؟ قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

 ما دام لا يوجد استقامة بل هناك عبادات ظاهرة هذا الدين لا بد من أن تأخذه من كل أطرافه، مثلاً بيت فيه كل الأدوات الكهربائية لكن لا يوجد كهرباء، كلها معطلة، لو أن الخط مقطوع بمقدار مليمتر لا يوجد كهرباء، القطع قطع، فما لم توصل الخط كل هذه الأجهزة لا تعمل، فإذا آمنا كما ينبغي، واستقمنا كما ينبغي، وعملنا العمل الصالح كما ينبغي تحققت وعود الله عز وجل، الوعود قائمة و زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لكن إذا الوعد فردياً القضية سهلة، دقق قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 علة وجودنا العبادة، وهذا الكون مسخر لنا تسخير تعريفٍ- التعريف يقتضي أن نؤمن - و تسخير تكريم، والتكريم يقتضي أن نشكر، فإذا آمنا وشكرنا توقفت المعالجة الإلهية، والآية دقيق جداً، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 هذه الآية موجهة لكل مسلم، أيها المسلم إذا أقمت الإسلام في نفسك، أديت الفرائض والسنن، وأقمتها في بيتك كان بيتك إسلامياً، وجعلته في عملك، نفسك وبيتك وعملك، انتهت المسؤولية، عندئذ انتظر من الله كل خير، كل توفيق، كل سعادة ، والدليل قوله تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

من آمن بالله حقق نتائج الإسلام الفردية :

 لكنك بهذه العبادة والطاعة والإقبال على الله والعمل الصالح تحقق نتائج الإسلام الفردية، أما كأمة قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 أي يا محمد ما دامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله، تريد معاملة فردية عليك أن تستقيم على أمره، وأن تعمل صالحاً تقرباً إليه، وعندئذ لك معاملة خاصة، أما كأمة فعليها أن تتبع منهج النبي صلى الله عليه وسلم.
 لذلك في الأرض الآن مليار وثمانمئة مليون مسلم، أدق إحصاء مليار وسبعمئة مليون مسلم، هؤلاء يشكلون ربع سكان الأرض، الحقيقة المرة أفضل أن كلمتهم ليست هي العليا، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، أين الخلل؟ الخلل ينبع من تقصيرنا بالعبادة، تحتاج إلى نتائج طيبة على مستواك استقم على أمر الله، وتقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة، تنال النصيب الفردي، أيتها الأمة تريدين النصر الله عز وجل ينتظر منا هذا الطلب، ننتصر حينما نؤدي ما علينا من عبادات، ونتبع منهج خالق الأرض والسموات.

 

معرفة الله من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية :

 أيها الأخوة الكرام؛ ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، دقق تقول لأحدهم: الله، يقول لك جلّ جلاله، هل عرفته؟ الله عز وجل

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

  ولكن العقول تصل إليه من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية، آياته الكونية خلقه، آياته التكوينية أفعاله، آياته القرآنية كلامه، مثل بسيط جداً، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، وبين الشمس والأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وإذا قال الله عز وجل:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج : 1 ]

 أحد أبراج السماء برج العقرب، هذا البرج فيه نجم صغير اسمه قلب العقرب، أحمر اللون، هذا النجم يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعتـــه  إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *

لذلك بعض العارفين بالله قال:

 

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـــــــــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـــــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنـــــــــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن  فما القرب والإبعاد إلا بأمـــــــــــــرنــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لـــــــي  أيا عبدنــــــــا ما قــــــــــــــــرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظــــــــــــر ما به جـــــــــــاء وعدنـــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــاً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعنـا
فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
فأيسر مافي الحب للصب قتـلـه  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
***

التفكر في خلق الله عز وجل :

 مرة أخواننا الكرام؛ لنا أستاذ في الجامعة من كبار علماء النفس، قال: أي إنسان لا يشعر برغبة أن يحِب أو أن يحَب ليس من بني البشر. لا بد من أن تحب لكن البطولة أن تختار من تحب، إن أحببت الله أحبك الناس جميعاً، إن أحببت الله سلمت وسعدت في الدنيا والآخرة، إن فعلت كما ينبغي جعل الله نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، لذلك:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 إذاً أول شيء: من تواضع لعظمتي، لا بد من التفكر في خلق السموات والأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 لو تحدثنا عن الإنسان؛ المرأة حينما تلد ينزل مع المولود قرص لحمي يسمى عند الأطباء: المشيمة، يسميه العوام: الخلاص، هذه المشيمة قرص لحمي، الشيء الذي لا يصدق أن في هذا القرص تجتمع دورة دم الأم مع دورة دم الجنين، ولدورة الأم زمرة ولدورة دم الجنين زمرة ولا يختلطان، لو أن امرأة على وشك الولادة أعطيناها دماً من زمرة غير زمرتها لماتت فوراً بانحلال الدم، يجتمع في هذا القرص دم الجنين ودم الأم، بين الدمين غشاء سماه العلماء: الغشاء العاقل، هذا الغشاء يقوم بأعمال تعجز عنه العقلاء ماذا يفعل؟ هذا الغشاء يأخذ من دم الأم الأوكسجين، ويأخذ السكر، والأنسولين، ويطرحه في دم الجنين، صار في دم الجنين أوكسجين، وسكر، وأنسولين، يحترق السكر بفعل الأوكسجين وبواسطة الأنسولين، حرارة الجنين سبع وثلاثون، الآن الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم مناعتها، جميع اللقاحات التي لقحت بها في صغرها حتى الولادة، الجنين محصن من كل الأمراض التي أصيبت بها أمه، هذا فعل من؟ علم من؟ قدرة من؟ الله عز وجل.
 الغشاء العاقل - وهذا شيء لا يصدق - يعلم كم يحتاج هذا الجنين من كل عناصر التغذية، وقد تصل لألف، البروتينات، الشحوم الثلاثية، الفيتامينات، المعادن، أشباه المعدن، حوالي ألف عنصر، هذا الغشاء العاقل يعلم كم يحتاج هذا الجنين من كل هذه العناصر، وهذه الكميات تتبدل كل ساعة بحسب نمو الجنين، وتنتقل من دم الأم إلى دم الجنين، الآن الجنين اخذ المادة الغذائية وأحرقها، ينتج عن الحرق ثاني أكسيد الكربون، فيأتي الغشاء العاقل ويأخذ هذه الفضلات من دم الجنين ويطرحها في دم الأم، نَفَس الأم - زفير الأم - جزء منه نَفَس جنينها، لو أن هذا الجنين احتاج إلى بوتاسيوم، والأم لا تأكل طعاماً فيه بوتاسيوم ماذا يفعل هذا الجنين؟ يطرق على أمه؟! ما الحل؟ تشتهي الأم الحامل طعاماً قد لا تحبه لكن جنينها بحاجة إليه هذا يسمى الوحام، المرأة الحامل أي طعام تشتهيه هو حاجة ابنها إليه، هذا الإله العظيم يعصى؟
 عفواً حوين واحد من ثلاثمئة مليون حوين، يلقح بويضة واحدة، هذه البويضة تبدأ بالنمو، أول يشي يتشكل القلب، ثم الدماغ، ثم العمود الفقري، وهكذا بعد تسعة أشهر كائن كامل، جمجمة، دماغ، مئة وأربعون مليار خلية استنادية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد، بالقشرة أربعة عشر مليار خلية فيها الذاكرة، فيها المحاكمة، فيها كل شيء- هذا الدماغ- جهاز عظمي، وجهاز تنفس، وقلب ينبض في بطن الأم، ولا يتوقف النبض إلا عند الموت، ما هذه العضلة؟ والله أيها الأخوة؛ كل شيء في الجسم آيات دقيقة جداً مثلاً العين فيها عدسة، والعدسة كما تعلمون لها محرق، والمحرق ثابت بالعدسات البلورية، أما العين فهي عدسة ليست من البلور مرنة، الجسم إذا كان بعيداً يزداد الضغط عليها، يزداد احتدابها حتى يقع الخيال على الشبكية، هذه أعقد عملية بالإنسان، اسمها المطابقة، يد من؟ علم من؟ قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور الآية: 48 ]

 هناك آيات دالة على عظمة الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام؛ غدة صغيرة إلى جانب القلب اسمها التيموس، لعشرين سنة قبل هذا التاريخ مدرج عنها في كتب الطب أنها لا وظيفة لها، لماذا؟ قال: لأنها تضمر كلياً بعد سنتين و تختفي، ما دامت تضمر إذاً ليس لها وظيفة، هي الآن أخطر غدة بالإنسان، هي مدرسة حربية تستقبل الكريات البيضاء، كرية قوية معها سلاح فتاك لكنها جاهلة، لا تعرف من هو العدو، ومن هو الصديق، تبقى سنتين تتعلم هذه الكرية البيضاء من هو العدو، ومن هو الصديق، هذا التيموس كبر بمجهر الكتروني يكبر خمسين ألف مرة، مثل مدرج جامعة، وهذه الكريات البيضاء طلاب علم يعلمون من هو العدو، ومن هو الصديق، والتخرج بعد الامتحان تعطى عنصراً صديقاً، فإذا قتلته ترسب وتقتل، اشكروا الله إذا إنسان رسب لا يقتلونه، يبقى طيب، ثم تعطى عنصراً عدواً إن لم تقتله ترسب وتقتل، الآن الجيل المتخرج من هذه الخلية التيموس يتولى تعليم الأجيال الصاعدة من هو العدو، ومن هو الصديق، وتنتهي مهمة الكلية تغلق أبوابها بعد سنتين، لكن بالسبعين يضعف التعليم تنشأ حالة اسمها: الخرف المناعي، هذه الحالة يعبر عنها بالتهاب المفاصل، الالتهاب الرثوي، هذه حرب أهلية في الجسم، خلق الإنسان شيء مدهش.

أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 أيها الأخوة الكرام؛ والله جسم الإنسان وحده لو أمضينا أعمارنا كلها في التفكر في دقائقه، وفي خصائصه لا تنتهي، نحن جميعاً لنا شعر، ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة شريان، ووريد، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، يقول أحدهم: وقف شعر جسمي، كيف وقف؟ هناك عضلة مسؤولة عن ذلك، أحياناً ترى دهناً هناك غدة دهنية، والشعر لونه أسود لوجود غدة صبغية.
 الحديث عن العين لا ينتهي، عن الأنف، عن الأذن، عن القلب، عن الرئتين، القلب يضخ في اليوم كم لتراً؟ لا تصدقون ثمانية أمتار مكعبة، كم يضخ في عمر ستين سنة؟ قال: يضخ من الدم ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم، الدم يدور، إذا كان لا يدور يضخ فقط، يضخ القلب بعمر ستين سنة ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم، هذا خلق الله.

 

الخاصية التي يتمتع بها الماء من آيات الله الدالة على عظمته :

 لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 يتفكرون فعل مضارع أي التفكر مستمر، كأس الماس هذا الذي أمامي، هذا الماء له خاصة، لولا هذه الخاصة ما كان هذا المجلس، ولا هذا اللقاء، ولا هذا المسجد، ولا عمان، ولا الأردن، ما هذه الخاصة؟ هذا الماء مثل أي عنصر تسخنه يتمدد، تبرده ينكمش، مثلاً حرارة الماء أربعون درجة بردناه للخامسة والثلاثين، للثلاثين، للخامسة والعشرين، للعشرين، للعشر درجات حتى وصلنا إلى أربع درجات، تنعكس الآية يزداد حجمه، والله قرأت عنها بحثاً من ثمانين صفحة شعرت بألم في الرأس، كيف بدرجة زائد أربعة بدل أن ينكمش يزداد حجمه، لو انكمش لألغيت الحياة لماذا؟ كلما تجمدت طبقة ماء في البحار تزداد كثافتها تغوص إلى أن تتجمد البحار بأكملها، ينعدم البخار، ينعدم المطر، يموت النبات، يموت الحيوان، يموت الإنسان، حياة الأرض كلها بكل خصائصها مبنية على خاصة في هذا الماء، هذا من آيات الله الدالة على عظمته.

 

من ازداد تفكراً ازداد علماً و قرباً :

 أيها الأخوة الكرام؛ المعرفة البسيطة معرفة عموميات، الله عظيم، عظيم لا تؤثر، أما إذا وصلت إلى دقائق عظمته في خلق الإنسان، في خلق الحيوان، مثلاً الصقر يرى ثمانية أمثال ما يراه الإنسان، بعض الكلاب تشم مليون ضعف، قال تعالى:

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه : 50]

 الواحد منا إن لم يجل جولة فكرية؛ الماء أمامه، الطعام أمامه، الشراب أمامه، القمح والخبز أمامه، الفواكه والخضراوات أمامه، شيء لا يصدق، فكلما ازددت تفكراً ازددت علماً وبالتالي ازددت قرباً.

 

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

 أيها الأخوة الكرام؛ أنت مخلوق أول، مخلوق مكلف، مخلوق محاسب، وأنت زمن، والله ما قرأت بحياتي تعريفاً للإنسان جامعاً مانعاً كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري: الإنسان هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. أنت زمن لأنك زمن، ولأن رأس مالك هو الزمن، ولأن أثمن شيء تملكه هو الزمن، أقسم الله لك بمطلق الزمن، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر: 1 ]

 جواب القسم مخيف، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

 خاسر، إله يقول لك: خاسر، لماذا؟ قال: لأن مضي الزمن يستهلكه، مؤمن غير مؤمن، محسن مسيء بحث ثان، مضي الزمن وحده يستهلكك، والإنسان هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.

 

أركان النجاة :

 لذلك رحمة الله في إلا، قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

 هذه عند الإمام الشافعي أركان النجاة، لا بد من أن تؤمن، ولا بد من أن تعمل وفق ما آمنت، ولا بد من أن تدعو إلى الله- وتواصوا بالحق- ولا بد من أن تصبر على معرفة الله، والعمل بمنهجه، والدعوة إليه، هذه السورة جامعة مانعة، كان الصحابة الكرام لا يتفرقون إلا على تلاوة هذه السورة.
 أيها الأخوة الكرام، لذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً. فالبطولة وأنت صحيح قوي، عندك بيت، أولاد، أن تعرف الله في أيام الرخاء لا أن تعرفه عند الشدة، الآن والإنسان حينما يعرف الله يعرف كل شيء.
 إذاً أربعة أركان للنجاة، الذين آمنوا- بحثوا عن الحقيقة- وعملوا الصالحات- نفذوا تنفيذاً لهذا الإيمان العمل الصالح- وتواصوا بالحق- دعوا إلى الله - وتواصوا بالصبر.
 أرجو الله عز وجل أن يكون هذا البلد الطيب آمناً مستقراً وسائر بلاد المسلمين، وأنتم في هذا البلد الطيب تتمتعون بنعم قد لا تخطر على بالكم، كيف؟ إذا إنسان سافر إلى أمريكا وغاب شهرين، وعنده زوجة صالحة لا يخطر في باله ولا ثانية واحدة أن هناك رجلاً دخل إلى بيته، هذه نعمة كبيرة لكنه ألفها، فلما ألفها نسيها، فجاء دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها" هذه أول نعمة.
 والثانية في الأردن أطياف مثل أي بلد آخر لكن لا يوجد بين طيفين أحقاد تاريخية تقتضي القتل كما في بلاد أخرى هذه نعمة ثانية، والنعمة الثالثة هذا البلد فيه حكومة قوية تحاسب وتعاقب، لكن لا يوجد عندها قتل، عندها سجن فقط، هذه النعم مألوفة عندكم اشكروا الله عليها كي تدوم عليها، جعل الله أعمالنا كلها في مرضاته، و نسأله أن يحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وأولادكم وصحتكم ومالكم واستقرار بلادكم.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018