ندوات مختلفة ماليزيا : 1 - محاضرة في الجامعة الإسلامية العالمية - الأمانة وقبول الإنسان حملها وتكريم الله له ، أنواع الهدى والمصائب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠16ندوات مختلفة - ماليزيا
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ندوات مختلفة ماليزيا : 1 - محاضرة في الجامعة الإسلامية العالمية - الأمانة وقبول الإنسان حملها وتكريم الله له ، أنواع الهدى والمصائب.


2016-08-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة و المكرم و المكلف :

 أيها الأخوة الكرام؛ بادئ ذي بدء أشكر لمن دعاني لزيارة هذا البلد الطيب، هذا الشكر يقترن بالتقدير، لأن هذا البلد الطيب يجلّ العلم والعلماء، وهذا وسام شرف له، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ بلدكم، وأن يحفظ إيمانكم وأهلكم وأولادكم وصحتكم من كل سوء.
 بادئ ذي بدء؛ قيل: من عرف نفسه عرف ربه، فمن أنت أيها الإنسان؟ اعلم يقيناً أنك المخلوق الأول، لأن الله سبحانه وتعالى حينما عرض الأمانة على السموات الأرض والجبال في عالم الأزل أبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، فلما قبِل الإنسان حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة، لذلك سخر له الكون تكريماً، قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ جَميعًا مِنهُ ﴾

[سورة الجاثية: ١٣]

 تسخير تعريف وتسخير تكريم، تسخير التعريف ينبغي أن يؤمن الإنسان، وتسخير التكريم ينبغي أن يشكر، إذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده، قال تعالى:

﴿ ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 الذي يشكر بسبب التسخير التكريمي، والذي يؤمن بسبب التسخير التعليمي فقد حقق الهدف من وجوده، وعندئذ تتوقف جميع المعالجات الإلهية، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾

[سورة التوبة: ٥١]

 لم يقل علينا، لا ينتظر المؤمن من ربه إلا الخير:

﴿ قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾

[سورة التوبة: ٥١]

 إذاً هذا الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، لأنه قبل حمل الأمانة، وهو المخلوق المكرم، قال تعالى:

﴿ وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا ﴾

[سورة الإسراء: ٧٠]

 وهو المخلوق المكلف، قال تعالى:

﴿ وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ ﴾

[سورة الذاريات: ٥٦]

العبادة علة وجود الإنسان :

 علة وجودنا في الدنيا العبادة، قال تعالى:

﴿ وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ ﴾

[سورة الذاريات: ٥٦]

 والعبادة هي طاعة طوعية وليست قسرية، الذي خلقنا، حياتنا بيده، موتنا بيده، رزقنا بيده، الصحة بيده، المال بيده، من حولنا بيده، الأقوياء بيده، مع كل ذلك لم يقبل أن نعبده إكراهاً، قال:

﴿ لا إِكراهَ فِي الدّينِ ﴾

[سورة البقرة: ٢٥٦]

 بل أراد أن تكون العلاقة به علاقة حب، قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُم وَيُحِبّونَهُ ﴾

[سورة المائدة: ٥٤]

 وقال سبحانه وتعالى:

﴿ وَالَّذينَ آمَنوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة: ١٦٥]

 فالإنسان مخلوق أول رتبة، مكرم ومكلف بالعبادة، فالعبادة هي طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

الزمن أثمن شيء يملكه الإنسان فعليه أن يحافظ عليه :

 الآن الإنسان من أدق أدق تعريفاته عند الإمام الجليل الحسن البصري قال: "الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه" :

 إذا أنت زمن، ولأنك زمن أقسم الله لك بمطلق الزمن فقال:

﴿ وَالعَصرِ ﴾

[سورة العصر: ١]

 جواب القسم:

﴿ إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ ﴾

  أنت خاسر، إله يقسم ويقول: إن الإنسان لفي خسر، لماذا الخسارة يا رب؟! ورد في الإجابة على هذا السؤال: لأن مضي الزمن وحده يستهلكك فقط! قبل أن تقول: مؤمن وغير مؤمن، مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان لأنه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، لذلك أخواننا الكرام أثمن شيء تملكه، أخطر شيء تملكه، أغلى شيء تملكه الزمن، لذلك أقسم الله لك بمطلق الزمن.
 هذا الزمن إما أن ينفق استهلاكاً، كما يفعل معظم الناس نأكل ونشرب وننام ونسهر ونسمر ونلهو، نعمل نعود للبيت نأكل ونشرب، هذا العمل الروتيني الرتيب هذا يستهلكك، من هنا لا بد من أن نقف عند الاستثناء

﴿ وَالعَصرِ* إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ* إِلَّا﴾

  رحمة الله في

﴿ إِلَّا ﴾

 أربع كلمات جاءت بعد إلا، سماها الإمام الشافعي أركان النجاة: بحثوا عن الحقيقة فقال:

﴿ إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا ﴾

 تحركوا وفقها فقال:

﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾

﴿ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ ﴾

  الإيمان، قال تعالى:

﴿ فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤمِنونَ ﴾

[سورة الجاثية: ٦]

آيات الله ثلاث؛ كونية تكوينية و قرآنية :

 إذاً هناك آيات، العلماء قالوا: هناك آيات كونية، خلقه. وهناك آيات تكوينية، أفعاله. وهناك آيات قرآنية، كلامه.
 الكونية موقفك منها التفكر، والتكوينية موقفك منها النظر، قال تعالى:

﴿ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[سورة النحل: ٣٦]

 والقرآنية التدبر، أنت بين التفكر والنظر والتدبر، هي القنوات الثلاث السالكة لمعرفة الله عز وجل، إذاً

﴿ إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا ﴾

 بحث عن الحقيقة،

﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾

 تحرك وفقها،

﴿ وَتَواصَوا بِالحَقِّ ﴾

 دعا إليها،

﴿ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ ﴾

العبادة الشعائرية لا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

 أيها الأخوة الكرام؛ لذلك الإنسان لا بد من أن يقتنع بحقائق مسلم بها، مخلوق أول ومكرم ومكلف، مكلف بالعبادة، بل إن علة وجودك في الدنيا العبادة.
 مثلاً إنسان أرسل ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه من جامعة السوربون، باريس مدينة عملاقة، كبيرة، أطرافها متباعدة، فيها مدراس، وفيها جامعات، وفيها حدائق، وفيها مصارف، وفيها أماكن للحكومة، نقول: هذا الطالب الذي جاء ليدرس الدكتوراه علة وجوده في باريس هي الدراسة.
 واعلم يقينا أخي الكريم أن علة وجودك في الدنيا هي العبادة، لكن إياك أن تتوهم أن العبادة هي أن تؤدي العبادات الشعائرية، إليكم حقيقة مرة، وأنا أرى أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، أحد هذه الحقائق المرة نبدأ بالصلاة:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 الصلاة انتهت.الصيام:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 الصيام انتهى. الحج:

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك ))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 الشهادة:هذه الشهادة:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 الآن نحن أمام عبادات شعائرية، صلاة وصوم وحج وزكاة ونطق بالشهادة، هذه العبادة الشعائرية لا تقبل ولا تصح ولا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، ما الدليل على العبادة التعاملية؟ سيدنا جعفر لما التقى النجاشي وسأله عن الإسلام، قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

.
 أصبح لدينا عبادات شعائرية وعبادات تعاملية، الشعائرية لا وزن لها ولا تقطف ثمارها ولا تحقق أهدافها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، إذاً:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله.

 

من أراد أن ينجو فليبدأ من النهاية :

 إذا أنت زمن، ورأس مالك الزمن، وأثمن ما تملكه الزمن، هذا الزمن ينفق استهلاكاً أو ينفق استثماراً.
 الإنفاق الاستثماري أن تفعل في الزمن الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد انقضاء الزمن، ورد في الأثر النبوي أن الإنسان حينما يوضع في قبره ينادى: " أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت".
 وفي البرمجة العصبية اللغوية لرفع قدرات الإنسان إحدى أهم القواعد: ابدأ من النهاية، ابدأ من مغادرة الدنيا:
 " عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا إنا، وأنا الحي الذي لا يموت".

بطولة الإنسان أن ينفق وقته في شيء ينفعه بعد مضي الوقت :

 إذا هذه السورة القصيرة جامعة مانعة لو تدبرها الناس لكفتهم، قال تعالى:

﴿ وَالعَصرِ* إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ* إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ ﴾

[سورة العصر: ١-٣]

 أن تعرف الله

﴿ آمَنوا ﴾

  وأن تتحرك وفق منهجه

﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾

 أن تدعو إليه في حدود ما تعلم ومع من تعرف، هذه الدعوة فرض عين،

﴿ وَتَواصَوا بِالحَقِّ ﴾

  وأن تصبر على معرفته وطاعته والدعوة إليه.

﴿ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ ﴾

  هذه السورة من أهم سور القرآن الكريم لذلك هذا الإنسان الله عز وجل قال:

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾

[سورة التكاثر: ١]

 ما هو اللهو؟ أن تهتم بالخفيف وأن تدع النفيس، إنسان غاص في البحر احتمال الموت كبير، بدل أن يأتي باللآلئ أتى بالأصداف، انشغل بالخسيس عن النفيس، فالبطولة أن تنفق هذا الوقت في شيء ينفعك بعد مضي الوقت، إذاً

﴿ أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتّى زُرتُمُ المَقابِرَ ﴾

[سورة التكاثر: ١-٢]

كل مخلوق يموت ولا يبقى  إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***

و:

كل ابــن أنثى وإن طالت سلامــته  يـــوماً على آلة حدبـــاء محمول
فإذا حمــــلت إلى القبور جنـــــــــازة  فاعــــلم بأنــــك بعدهـــــــا محمول
***

 قال تعالى:

﴿ فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤمِنونَ ﴾

[سورة الجاثية: ٦]

ومضات من آيات الله الكونية :

 ومضة أو ومضتان من آيات الله الكونية، أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بعده عنا أربع سنوات ضوئية، ماذا تعني أربع سنوات ضوئية؟ يقطع الضوء في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع وعشرين، في السنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، في أربع سنوات ضرب أربع، هذا الرقم يستخرج في دقيقة على آلة حاسبة، لو كان هناك طريق لهذا النجم، أقرب نجم ملتهب! لو يوجد طريق معبد له ولدينا مركبة أرضية نحتاج أن نقطعه إلى خمسين مليون عام، خمسون مليون عام كي تصل إلى أقرب نجم ملتهب، بعده عنا أربع سنوات ضوئية، متى نصل إلى نجم القطب بعده عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟ متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة، بعدها عنا مليونا سنة ضوئية؟ متى نصل إلى أحدث مجرة اكتشفت قبل عشر سنوات بعدها عنا أربعة وعشرون ألف مليون سنة ضوئية، كلام دقيق مأخوذ من أدق الموسوعات العلمية، موسوعة لايف الأمريكية، أربعة وعشرون ألف مليون سنة ضوئية، اسمع القرآن:

﴿ فَلا أُقسِمُ بِمَواقِعِ النُّجومِ ﴾

[سورة الواقعة: ٧٥]

 أي بالمسافات بين النجوم، ثم قال سبحانه وتعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعلَمونَ عَظيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: ٧٦]

 فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة عن الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا عن الآخرة فيخسرهما معاً.
 هذه ومضة من ومضات الكون، الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة أي يمكن أن يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كليو متر، عندما ربنا قال:

﴿ وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ ﴾

[سورة البروج: ١]

 ما هي البروج؟ الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً، أحد هذه الأبراج برج العقرب، أنا كنت في أمريكا دخلت إلى قبة سماوية إلا أن النجوم في هذه القبة بين أقراصها خطوط فعلاً يبدو كعقرب بدقة بالغة، هذا برج العقرب فيه نجم صغير أحمر اللون متألق اسمه قلب العقرب، دققوا الآن، هذا النجم يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، نجم قلب العقرب في برج العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.
 أخواننا الكرام؛ هذا العالم أننشتاين الذي اكتشف النظرية النسبية، هذه النظرية النسبية إنجاز في الفيزياء كبير جداً، هذه النظرية يتبين من خلالها سرعة الضوء المطلقة أو يتبين من خلالها السرعة المطلقة في الأرض، دقة المعلومات، القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، لو أخذنا مركز الأرض ومركز القمر ووصلنا بينهما بخط، ما هذا الخط؟ هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، ضرب اثنين القطر، ضرب ثلاثة فاصلة أربعة عشر البي (π) المحيط، أيضا ابنك الصغير بدقيقة مع آلة حاسبة يحسب لك كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في الشهر، دورة كل شهر، ضرب اثني عشر في السنة، ضرب ألف ألف سنة، الآن معي رقم، المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، لو قسمنا المسافة على الزمن ما الناتج؟ السرعة، لو قسمنا هذا الرقم الكبير على ثلاثمئة وخمسة وستين، السرعة باليوم، تقسيم أربع وعشرين في الساعة، تقسيم ستين في الدقيقة، تقسيم ستين في الثانية، إنها سرعة الضوء، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ﴾

[سورة الحج: ٤٧]

 أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، هذه النظرية تثبت السرعة المطلقة في الكون وما جاء به أنشتاين.

 

التفكر في خلق السموات والأرض العبادة الأولى للإنسان :

 هذا الكتاب فيه ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان، أنتم جميعاً مؤمنون والحمد لله، إذا قرأت آية فيها أمر ماذا تقتضي الآية؟ أن تأتمر، وإذا قرأت آية فيها نهي ماذا تقتضي؟ أن تنتهي، إن قرأت قصة نبي أن تتعظ، فإذا قرأت ألفاً وثلاثمئة آية بالقرآن تتحدث عن الكون والإنسان، قال الله تعالى:

﴿ وَالشَّمسِ وَضُحاها* وَالقَمَرِ إِذا تَلاها ﴾

[سورة الشمس: ١-٢]

﴿ وَالفَجرِ* وَلَيالٍ عَشرٍ ﴾

[سورة الفجر: ١-٢]

﴿ وَاللَّيلِ إِذا يَغشى ﴾

[سورة الليل: ١]

 ألف وثلاثمئة آية ما الموقف منها؟ هنا السؤال، الموقف منها التفكر في خلق السموات والأرض، والتفكر في خلق السموات والأرض العبادة الأولى، إن هذا التفكر يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله.
 فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم.
 لذلك التفكر في خلق السموات والأرض، دعك من السموات، هذا الماء فيه خاصة ينفرد بها من بين عناصر الكون، خاصة واحدة، أي جسم مادي صلب أو سائل أو غاز بالحرارة يتمدد، وأي جسم صلب أو سائل أو غاز بالبرودة ينكمش، هذه مسلمات العلم، إلا الماء لو فرضنا حرارته تقدر بأربعين درجة، سخناه نزلت الحرارة إلى الخامسة والثلاثين، ثم إلى الثلاثين، ثم إلى الخامسة والعشرين، ثم إلى العشرين، ثم إلى الخامسة عشرة، ثم عشر فخمس، إلى زائد أربع، يتمدد، هذه الخاصة ينفرد بها الماء، ولو لم تكن لما كان هذا الدرس، ولم تكن ماليزيا كلها، ولا الشرق الأوسط، ولا أي مكان في العالم، هل تصدقون أن حياتنا باقية بخاصة هذا الماء، لماذا؟ لو أن طبقة البخار العليا تجمدت، كلما تجمدت كثرت كثافتها، أي قلّ حجمها إلى وزنها فغاصت، الطبقة الثانية تغوص، إلى أن تتجمد جميع البحار، وعندئذ ينعدم التبخر، وتنعدم الأمطار، يموت النبات ويموت الحيوان ويموت الإنسان، كل ما تراه على سطح الأرض بخاصة بهذا الماء، يتمدد بدرجة زائد أربع، والآن ائت بقارورة كهذه أحكم إغلاقها وضعها في الثلاجة، صباحاً تجدها مكسورة، إذاً هذه الخاصة من صممها؟ من خلقها؟ إنه الله عز وجل.

 

آيات كونية أخرى مستمدة من خلق الله عز وجل :

 أخواننا الكرام؛ يوجد لدينا آيات كونية، الكونية خلقه، رأس الإنسان تقريباً - ليس الكل طبعاً- فيه ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد وشريان وعصب وعضلة وغدة صبغية وغدة دهنية.
 يوجد غدة صغيرة بحجم هذه السلامية إلى جانب القلب، اسمها التيموس، كنت مرة في أمريكا، اطلعت على بحث حديث عنها، هذه الغدة بعد سنتين تضمر كلياً وتتلاشى، فلما ضمرت توهم الأطباء أن لا وظيفة لها، وأنا عندي كتب قديمة مكتوب فيها أن التيموس لا وظيفة لها، لأن هذه الغدة تضمر بعد سنتين، ثم فوجئت أنها أخطر غدة في الإنسان، إنها مدرسة حربية تدخلها الكريات البيضاء، همجية جاهلة تتعلم فيها بسنيتن من هو العدو ومن هو الصديق، لأن الكرية البيضاء جيش، هذه الكرية البيضاء بقيت عامين في التيموس، التخرج بامتحان تعطى هذه الكرية البيضاء عنصراً صديقاً فإذا قتلته ترسب وتقتل، تعطى عنصراً عدواً إن لم تقتله ترسب وتقتل، فالراسبون مقتولون جميعاً، أما الخريجون فهم هذه الخلايا البيضاء المتخرجة، كان اسمها همجية جاهلة الآن مثقفة، هذه تتولى تعليم الخلايا القادمة إلى نهاية الحياة، في حوالي الستين أو السبعين من العمر يضعف التعليم، ينشأ مرض اسمه: التهاب المفاصل الرثوي، صار في الجسم حرب أهلية، والله شيء لا يصدق.
 يا أخواني، شخص يمشي في بستان فوجد أفعى ما الذي يحصل؟ ترتسم الأفعى صورتها على شبكية الإنسان، في الشبكية الصورة لا تقرأ تنتقل إلى مركز الرؤيا في الدماغ، في الدماغ تقرأ، هناك ملفات، ملف الثعابين والأفاعي، من أين جاء هذا الملف؟ سمعت قصة من جدتك، رأيت مرة في بستان أفعى، رأيت معرضاً لكائنات حية و الأفاعي موضوعة في مرطبان زجاجي، مجموعة الصور والمعلومات والقصص والحكايا، يشكل ملف الثعابين، هذه الصورة تنتقل من الشبكية إلى الدماغ، الدماغ عندما يدرك أنه يوجد خطر الغدة النخامية ملكة هذه الغدد، تعطي أمراً للكظر فوق الكلية، هذا الكظر يعطي أمراً برفع النبض، نبض الخائف مئة وثمانون، الأمر الثاني لرفع وجيب الرئتين الخائف يلهث، الأمر الثالث الأوعية الدموية تضيق لمعتها الخائف لونه أصفر، الأمرال رابع للكبد يفرز مادة سكرية إضافية، الخائف سكره بين المئة والثلاثين والمئة والأربعين، كان حوال التسعين، والكبد يفرز هرمون التجلط، حتى إذا ضرب الخائف بسكين لا يخسر دمه كله، عند الجرح الدم يتجلط ويغلق الجرح، خمسة أوامر يتلاقاها الجسم من الغدة النخامية وبعدها الكظر حتى يتلافى الخطر، هذا الإله العظيم يعصى؟! ألا يخطب وده؟! ألا ترجى جنته؟! ألا تخشى ناره؟!
 هذا النبي الأمي أعطى توجيهاً حينما ندبح الدابة ينبغي ألا نقطع رأسها، قال: اقطعوا أوداجها فقط، درت العالم كله كل المسالخ تعلق الدابة من رجليها ويقطع رأسها، اللحم لونه أزرق، إلا في بلادنا لونه زهري، ما الذي حصل؟ الحقيقة الشيء لا يصدق، القلب ينبض ثمانين نبضة يتلقى الأمر ممن؟ لا يتلقى الأمر من الشبكة العامة الكهربائية، يتلقى الأمر من بطارية من القلب موجودة في أعلاه، لو تعطلت يوجد بطارية ثانية، لو تعطلت يوجد ثالثة، ثلاثة مراكز كهربائية في القلب، فهذا القلب عندما ينشأ خطر كبير يأتي أمر من الدماغ فيرفع النبض إلى مئة وثمانين، مئة وثمانون نبضة يعني أن الدم قد أتى بغزارة كبيرة جداً، هذه الدابة إن كبرت الله عليها وقطعت أوداجها ولم تقطع رأسها، نبض القلب في الدابة مئة وثمانون نبضة هذا النبض يخرج الدم كله.
 أتى لي صديق موظف في التموين كبير، ذهب إلى الصين لكي يشتري لحماً، فطلبت منه أن يشترط هذا الشرط، فرفعوا السعر ثمانية دولارات، قالوا: نخسر الدم كله بهذه الطريقة، فهذا النبي الأمي جالس في مكة والمدينة من علمه حقائق الآن اكتشفت؟
 مثلاً رواد الفضاء صعدوا إلى القمر، أول رحلة إلى القمر (أبولو8) قبل عشرين سنة، بعد انطلاق الرحلة بساعة أو ساعتين صاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، ما الذي حدث؟ الذي حدث أن سمك طبقة الهواء على الأرض ستة وخمسون ألف كيلو متر، فلما تجاوز السادسة والخمسين ألف كيلو متر لم يبق هناك هواء، ولما انعدم الهواء انعدم تناثر الضوء، هذا الجامع في النهار يوجد ضوء-هناك أشعة شمس وضوء شمس- في النهار، فلما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء انعدم انتثار الضوء فدخلوا في ظلام دامس وقال رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئا، افتح القرآن:

﴿ وَلَو فَتَحنا عَلَيهِم بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلّوا فيهِ يَعرُجونَ* لَقالوا إِنَّما سُكِّرَت أَبصارُنا بَل نَحنُ قَومٌ مَسحورونَ ﴾

[سورة الحجر: ١٤-١٥]

 حادثة الآن اكتشفناها قبل عشرين سنة بأول رحلة إلى الفضاء الخارجي (أبولو8) يقول الرائد: لقد أصبحنا عمياً، والآية تقول:

﴿ وَلَو فَتَحنا عَلَيهِم بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلّوا فيهِ يَعرُجونَ* لَقالوا إِنَّما سُكِّرَت أَبصارُنا بَل نَحنُ قَومٌ مَسحورونَ ﴾

من عرف الله تفانى في طاعته :

 أخواننا الكرام؛ الملخص لا بد من أن تعرف الله، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصية الآمر، وكأنني وضعت يدي على مشكلة المسلمين الأولى، الأمر بين أيدينا، لا يوجد إنسان إلا ودرس الفقه في الابتدائي والإعدادي والثانوي؛ الصلاة والصوم والحج والزكاة، لماذا يوجد معاص؟ لأنهم ما عرفوا الآمر، لو عرف الآمر تفانى في طاعته، إذا نحن نقطة ضعفنا ضعف في معرفة الآمر، ماذا فعل النبي في مكة؟ عشر سنوات لا يوجد تشريع، يوجد آيات كونية الدار الآخرة، عشر سنوات يعرّف النبي أصحابه بالآمر، المرحلة هذه اختفت عندنا، يوجد تعريف بالأمر فقط، لو يوجد تعريف بالآمر كان هناك وضع آخر.
 لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.

العقيدة الدينية لا يقبلها الله تقليداً ولو كانت صحيحة :

 أخواننا الكرام؛ يوجد عنوان سأحاول فيما بقي من وقت أن أعالج أحد العنوانين أو كليهما.
 يوجد لدينا سنن، السنة مصطلح قرآني، قال الله تعالى:

﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبديلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحويلًا ﴾

[سورة فاطر: ٤٣]

 إلا أنه يقابلها بالعلم القانون، علاقة بين متغيرين مقطوع بها تطابق الواقع، عليها دليل. كل كلمة تعني شيئاً، إن لم تطابق الواقع كانت جهلاً، ولو لم يكن عليها دليل لكانت تقليداً.
 بالمناسبة العقيدة الدينية لا يقبلها الله تقليداً ولو كانت صحيحة، الدليل:

﴿ فَاعلَم أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[سورة محمد: ١٩]

 ما قال: فقل، فاعلم، العقيدة لا تقبل إلا تحقيقاً لا تقليداً.

 

مراحل تعامل الله مع عباده :

 إذاً نحن مضطرون أن يكون الإيمان حقيقياً، من هنا يوجد لدينا مرحلة اسمها الهدى البياني، أنت مرتاح ليس لديك أية مشكلة، ببيتك، زوجتك، أولادك، بناتك، أصهارك، كنائنك، دخلك معقول، ليس لديك أية مشكلة، وأنت مرتاح راحة تامة، تسمع درس علم، خطبة جمعة، تقرأ كتاباً دينياً، تقرأ تفسيراً، هذه المرحلة أرقى مرحلة، اسمها الهدى البياني أكمل موقف فيها الاستجابة، الآية:

﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا استَجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحييكُم ﴾

[سورة الأنفال: ٢٤]

 بالمناسبة الذي يستنكف عن معرفة الله، قال تعالى عنه:

﴿ أَمواتٌ غَيرُ أَحياءٍ ﴾

[سورة النحل: ٢١]

 قد يكون نبضه ثمانين – مثالي- ضغطه ثمانية أحد عشر، لكنه عند الله ميت، أموات غير أحياء. والذي استنكف عن طاعة الله قال عنه:

﴿ كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[سورة المنافقون: ٤]

 خشبة بالقرآن.
 والذي استغنى عن معرفة الله قال عنه:

﴿ إِن هُم إِلّا كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ سَبيلًا ﴾

[سورة الفرقان: ٤٤]

 وهناك تشبيه آخر قال:

﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أَسفارًا ﴾

[سورة الجمعة: ٥]

 فأي إنسان أودع الله فيه قوة إدراكية، ما لم يطلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.
 إذاً الهدى البياني أنت مرتاح، ليس لديك أية مشكلة، سمعت درس دين، خطبة جمعة، قرأت كتاباً، ندوة إسلامية ينبغي أن تستجيب:

﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا استَجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحييكُم ﴾

[سورة الأنفال: ٢٤]

 إن لم يستجب الإنسان يقول له الطبيب: معك قرحة في المعدة، حمية على الحليب ستة أشهر تشفى شفاء تاماً، إذا لم تقدر هنالك عملية، الهدى البياني لا يوجد عملية، استجابة فقط، ما استجاب يوجد تأديب تربوي، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذيقَنَّهُم مِنَ العَذابِ الأَدنى دونَ العَذابِ الأَكبَرِ لَعَلَّهُم يَرجِعونَ ﴾

[سورة السجدة: ٢١]

 المرحلة الثانية أكمل موقف فيها التوبة، الأولى استجابة، الثانية توبة.
 لم يتب هناك مرحلة ثالثة، اسمها الإكرام الاستدراجي:

﴿ فَلَمّا نَسوا ما ذُكِّروا بِهِ فَتَحنا عَلَيهِم أَبوابَ كُلِّ شَيءٍ حَتّى إِذا فَرِحوا بِما أوتوا أَخَذناهُم بَغتَةً﴾

[سورة الأنعام: ٤٤]

 فالهدى البياني أكمل شيء، ثم التأديب التربوي، ثم الإكرام الاستدراجي، وبعدها القصم.
 فكل واحد يعرف نفسه بأي مرحلة هو؛ هدى بياني، تأديب تربوي، إكرام استدراجي، قصم.

 

أنواع المصائب خمسة :

 شيء آخر؛ سنن الدفع، قوانين الدفع، يوجد لدينا قوانين أخرى، الردع، المصائب، الأنبياء لا يوجد لديهم مصائب، لكن مصائب الأنبياء مصائب كشف، يوجد كمال لا يبدو جلياً إلا بالمصيبة، النبي يذهب إلى الطائف مشياً على قدميه، سار ثمانين كيلو متراً، يدعو أهل الطائف للإسلام، يكذبونه ويسخرون منه، يغرون أبناءهم بضربه، يأتيه ملك الجبال، يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إراداتك لو شئت لأ طبقت عليهم الأخشبين، قال: " لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".
 هذا موقف، هذه مصيبة الكشف للأنبياء، المؤمنين دفع ورفع، سرعة بطيئة يلوح له شبح مصيبة صحية يصلي قيام الليل، يقرأ القرآن يومياً، مصيبة المؤمن دفع، إذا الله مكنه أن يهدي صديقه، يعينه على دينه، يقنعه بالصلاة، لماذا تلتفت إلى شخص واحد فقط انظر إلى شخص آخر، دفع ورفع، الأنبياء كشف، المؤمنون دفع ورفع، الطرف الآخر ردع وخصم، فالمصائب خمسة أنواع: كشف دفع رفع ردع قصم.
 لذلك إخواننا الكرام هذا الدين مصيرنا، سعادتنا، وبتركه شقاؤنا.

المراحل التي مرت بها العصور الإسلامية :

 أخواننا الكرام؛ العصور الإسلامية مرت بمراحل، مرحلة المبادئ ثم الأشخاص ثم الأشياء: مبادئ، أشخاص، أشياء.
 المبادئ يوجد ومضة أحد ملوك الغساسنة اسمه جبلة بن الأيهم جاء إلى المدينة مسلماً، في أثناء أداء العمرة في مكة، بدوي من فزارة داس طرف ردائه فانخلع رداؤه عن كتفه، هذا الملك الغساني جبلة بن الأيهم ضرب هذا الأعرابي من فزارة ضربة هشمت أنفه، فشكاه إلى سيدنا عمر، سيدنا عمر استدعى الملك الغساني والثاني في التعبير المعاصر من دهماء الناس، من سوقتهم، من عامتهم، فشاعر في بلدنا صاغ الحوار شعراً.
 قال سيدنا عمر لجبلة: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح. فقال جبلة: لست ممن ينكر شياً أنا أدركت حقي بيديا. فقال عمر لجبلة: ارض الفتى لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك. قال: كيف ذلك يا أمير هو سوقة وأنا عرش وتاج؟ طيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟! قال: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً. قال: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني. قال له سيدنا عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى. هذا عصر المبادئ.
 العصر الثاني عصر الأشخاص، سيدنا صلاح الدين الأيوبي، أي يوجد زعماء مسلمون وقفوا بوجه التتار والمغول والله حقق على أيديهم انتصارات كبيرة، هذا الثاني، الأول مبادئ، والثاني أشخاص.
 الآن عصر الأشياء، كل قيمتك بسيارتك ليس فقط مارسيدس بل ستمئة مثلاً، قيمتك من بيتك، من مساحة بيتك، من متاعك، قيمة المرء متاعه، كنا في عصر المبادئ ثم عصر الأشخاص الآن عصر الأشياء، إلا أنه كما قال النبي الكريم:

((اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا أنتم أصحابي أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، أجره كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال : بل منكم، قالوا: و لمَ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً و لا يجدون))

[ الترمذي عن أنس]

 فإذا شخص من أخواننا الشباب الأطهار تمسك بدينه؛ إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي.

 

طريق الدين طريق السعادة و التوفيق :

 لذلك أخواننا الكرام طريق الدين طريق السعادة، التوفيق، الحكمة، الراحة النفسية في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾

[سورة الرحمن: ٤٦]

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018