مختلفة - الأردن - المحاضرة : 37 - مدينة عمان - قوام الدين والدنيا أربعة رجال - عالم وجاهل وغني وفقير. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23ندوات مختلفة - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الأردن - المحاضرة : 37 - مدينة عمان - قوام الدين والدنيا أربعة رجال - عالم وجاهل وغني وفقير.


2015-12-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

قوام الدين والدنيا أربعة رجال :

 أيها الأخوة الأكارم؛ قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ أولاً: عالم مستعمل علمه. كل رجل له صفة عالم مستعمل علمه أي مطبق علمه، يأتمر بما أمر الله، ينتهي عما نهى عنه الله، يقيم الإسلام في نفسه، وفي بيته، وفي عمله، هذا الرجل المستعمل علمه أحد أركان الحياة، قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه.
 ثانياً: جاهل لا يستنكف أن يتعلم. العالم مستعمل علمه والجاهل لا يستنكف أن يتعلم، لذلك قالوا: من الناس من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالم فاتبعوه، ومن الناس من يدري ولا يدري أنه يدري فهذا غافل فنبهوه، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطان فاحذروه. إذا قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم. وغني لا يبخل بماله. و فقير لا يبيع آخرته بدنياه.
 قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم وجاهل وغني وفقير، العالم مستعمل علمه، الجاهل يطلب العلم، الغني ينفق ماله، الفقير مهما كان فقيراً لا يبيع آخرته بدنياه.
 الآن الحالة المرضية؛ فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنياه.
 الكلام دقيق وخطير أي شيء يصل إليك من عالم أنت مكلف أن تطبقه وإلا أقيمت الحجة عليك، لأن المعلومات من غير تطبيق لا معنى لها، والدليل ألا تجد العالم الإسلامي اليوم يزيد على مليار وسبعمئة ألف؟ هذا العالم الإسلامي ليست كلمته هي العليا، هذا الواقع وعودوا أنفسكم أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هذا العالم الإسلامي يملك نصف ثروات الأرض بالضبط، هذا العالم الإسلامي ليس هناك من أمة تملك من عوامل الوحدة كما يملك العالم الإسلامي، ومع ذلك أفقر الأمم والشعوب، وبأسهم بينهم كما ترون بأسهم بينهم، السبب أن الحق يرمز له بالشمس الساطعة، والباطل يرمز له بالظلام الدامس، الذي يعمل بالظلام ينتصر على النائم في ضوء الشمس، الذي يعمل في الظلام - والظلام هو الباطل- ينتصر على النائم في ضوء الشمس.
 فلذلك الكرة في ملعبنا، والمشكلة عندنا، ونحن لابد إن أردنا أن نخرج من هذه المحنة أن نفكر تفكيراً آخر.

عظمة الإسلام تتجلى في كونه ديناً فردياً و جماعياً :

 أولاً: هذا الإسلام من عظمته أنه دين فردي ودين جماعي في الوقت نفسه. دين فردي، أيها المسلم استمع إلى قوله تعالى:

﴿ ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 أنت حينما تشكر وحينما تؤمن توقف العلاج كلياً، أي هل يوجد أب في الأرض يأتي ابنه آخر العام مع الجلاء الدراسي وعلامته تامة وثناء عطر على أخلاقه يضربه؟

﴿ ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 أي مستحيل وألف مستحيل أن تقيم الإسلام في نفسك وفي بيتك وفي عملك ثم تواجه مشكلة، هذا على مستوى الفرد، الله تعالى قال:

﴿ وَكَذلِكَ نُنجِي المُؤمِنينَ ﴾

[سورة الأنبياء: ٨٨]

 أما على مستوى أمة فموضوع آخر.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

[سورة الأنفال: ٣٣]

 أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعذب الأمة الإسلامية والنبي فيها، يجوز معنى الحديث في حياة النبي له معنى خاص، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى، ما معنى الحديث؟ معنى الحديث: ما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم قائمة في حياة المسلمين هذا حرز حريز من أن يعذبوا.
 يوجد عندنا إسلام فردي، المسلم الفرد إن شكر وآمن لماذا شكر وآمن؟ لأن هذا الكون الذي هو الثابت الأول مسخر لنا تسخير تعريف، فنحن موقفنا الكامل من تسخير التعريف أن نؤمن، والموقف الكامل من تسخير التكريم أن نشكر، فإذا آمنا وشكرنا حققنا الهدف من وجودنا.

 

النجاح الشمولي يسمى فلاحاً إن حقق الإنسان الهدف من وجوده :

 بالمناسبة لا يعد النجاح فلاحاً، قد تنجح في جمع المال هذا نجاح جزئي، قد تنجح في تسلم منصب رفيع نجاح جزئي، قد تنجح في اختيار زوجة صالحة نجاح جزئي، قد تنجح في إنجاب أولاد نجاح جزئي. لكن لا يسمى النجاح فلاحاً إلا إذا كان شاملاً، أي ينبغي أن تنجح مع الله في علاقتك به، وأن تنجح مع أهل بيتك، ومع أولادك، ومع أقاربك، ومع زبائنك، ومع من حولك، ومع من فوقك، ومع من تحتك، النجاح الشمولي يسمى فلاحاً أي أنت حققت الهدف من وجودك، كيف؟
 طالب أرسله والده إلى باريس ليدرس، قد يسكن في بيت مريح، وقد يؤسس هذا البيت تأسيساً جيداً، وقد يقيم سهرات مع أصدقائه ممتعة، وقد يشتري مجلات لطيفة، وقد وقد وقد، وإذا ما درس غفل عن علة وجوده، أشياء كلها متممة أما علة وجوده بهذه المدينة فأن يدرس.

 

الله تعالى خلقنا ليرحمنا ويسعدنا في الدنيا والآخرة :

 سؤال لنا جميعاً: ما علة وجودنا في الدنيا؟ يقول لك أحدهم: سبحان الله، الله خلقنا للعذاب هكذا يقولون لنا؟ لماذا للعذاب؟ إلا من رحم ربك ولذلك خلقنا.
 الله خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾

[سورة الرحمن: ٤٦]

 واحدة في الدنيا والثانية في الآخرة، فالأقوال العامة والله أحياناً تقترب من الكفر، خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، هذه واحدة.
 لكن لو أن الإنسان غفل عن علة وجوده، وعن غاية وجوده، وغفل عن ربه، وعاش لحظته، وعاش شهوته ولذته وغرائزه ومصالحه، هذا واقع الحياة اليوم، هذا الإنسان الذي غفل عن سرّ وجوده، وعن غاية وجوده، وغفل عن طاعة ربه، وعبادة ربه، وغفل عن العمل الصالح الذي هو علة وجوده، استمعوا إلى وصف القرآن له قال تعالى:

﴿ أَمواتٌ غَيرُ أَحياءٍ ﴾

[ سورة النحل: ٢١]

 يا لطيف ميت، وقال تعالى في آية ثانية:

﴿ إِن هُم إِلّا كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ سَبيلًا ﴾

[ سورة الفرقان: ٤٤]

 وقال تعالى في آية ثالثة:

﴿ كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: ٤]

 وقال تعالى في آية رابعة:

﴿ مَثَلُ الَّذينَ حُمِّلُوا التَّوراةَ ثُمَّ لَم يَحمِلوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أَسفارًا ﴾

[ سورة الجمعة: ٥]

 ميت، أنعام، خشب، دابة، فأنت حينما تغفل عن سرّ وجودك وعن غاية وجودك هذه أوصاف القرآن الكريم، الوضع خطير.
 هل تصدق أنك مخلوق لسعادة أبدية، ما الأبد؟ كلمة أبد ماهي؟ أي مليون سنة؟ مليون وليس ست و سبعون سنة فقط، مليون سنة، مليون مليون، مليون مليون مليون، مليون مليون مليون مليون سنة، الأبد لا نهاية له، أي ممكن أن نضع واحداً في الأرض وثلاثة أصفار ألف، ثلاثة أخر مليون، ثلاثة أخرى ألف مليون، ثلاثة رابعة مليون مليون، إذاً واحد بالأرض والأصفار للشمس، مئة و ستة و خمسون مليون كيلومتر وكل ميلي صفر، هذا الرقم إذا نسب إلا اللانهاية قيمته صفر، مخلوق للأبد، مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض، مخلوق لسعادة متنامية، ألا نخجل أن نضيع هذه السعادة من أجل الدنيا، سنوات معدودة في المعاصي والآثام.

الشهوة التي أودعها الله في الإنسان لها قناة نظيفة تسري خلالها :

 بالمناسبة ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها، بالإسلام لا يوجد حرمان، أنا أخاطب الشباب، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها، الدليل قال تعالى:

﴿ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ ﴾

[ سورة القصص: ٥٠]

 ما هواه؟ أي شهوته:

﴿ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص: ٥٠]

 المعنى المعاكس: الذي يتبع هواه - شهوته - وفق هدى الله لا شيء عليه، بالإسلام لا يوجد حرمان، أي شهوة أودعت فينا لها قنوات طاهرة نظيفة، شاب يخطب فتاة والعقد يعقد، يسهر معها للساعة الثالثة في الليل، هل يتكلم الأب بشيء؟ هل أحد في البيت يتكلم معها؟ إنها زوجته، ما من شهوة أودعها الله في الانسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها.

 

 هناك فكرة أن أعداء الدين يوهمونك أن الدين حرمان و قيود، إذا كنت تمشي بطريق و هناك لوحة مكتوب عليها: حقل ألغام ممنوع التجاوز، بربكم مثل هذه اللوحة هل وضعت حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك؟ أنت حينما تفهم أحكام الدين ليست حداً لحريتك لكنها ضمان لسلامتك، كنت فقيهاً ورب الكعبة.

كيف يكون المؤمن فتنة للكافر ؟

 لذلك قوام الدين والدنيا أربعة رجال، عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، ومفتاح العلم السؤال، لكن هل من الممكن أن تدخل إلى طبيب كي تعالج نفسك عنده وليس معك شيء بجيبك؟ مستحيل، هل من الممكن أن تقابل محامياً كي توكله بقضية خطيرة بدون أتعاب محاماة؟ مستحيل، إلا الدين لا يوجد مقابل، هل أحد منكم دفع رسم دخول إلى هنا؟ هكذا سبحان الله الدين ليس له مقابل أبداً بالمجان.
 لذلك قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره.
 الآن إذا ضيع العالم علمه لم يطبقه استنكف الجاهل أن يتعلم، هو لم يطبق الدين، ونفر الناس منه، وأقنع الناس أن الدين ينبغي ألا يطبق. يوجد نقطة دقيقة قال الله تعالى:

﴿ رَبَّنا لا تَجعَلنا فِتنَةً لِلَّذينَ كَفَروا ﴾

[ سورة الممتحنة: ٥]

 كيف؟ كيف يكون المؤمن فتنة للكافر؟ لو تعاملت مع كافر، والكافر لا يكذب مثلاً، أنت قدمت تصريحاً كاذباً، تكون أنت أيها المسلم أقنعت الكافر أنه على حق، أقنعته بدينه، أنت بهذه الطريقة فتنته بدينه.
 مرة كنت بألمانيا، أعتقد بمكان يعادل هذا المكان بخمسة أضعاف، جميعهم حضروا اللقاء، وقد علمت يقيناً أنهم جميعا يقدمون تصريحات كاذبة، أنه لا يعمل ليتقاضى تسعمئة يورو وعن كل ولد ثلاثمئة، قلت لهم: هل من الممكن أن تقنعوا ألمانياً بالإسلام؟ لا، أنت قدمت تصريحاً يخالف الواقع، لم يعد لكلامك قيمة عند الناس.
 هذا الدين عظيم إذا طبقته تماماً، لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، فالناس ما لم يروا إسلاماً يمشي أمامهم لا يقتنعون بالإسلام، إسلام يمشي، عملك، حدثك صادق، عاملك أمين.
 لذلك لما الملك النجاشي سأل سيدنا جعفر عن الإسلام قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

العبادة الشعائرية لا تقبل إن لم تصح العبادة التعاملية :

 ماذا نسمي الصلاة والصيام والحج والزكاة والشهادة؟ وماذا نسمي إن تكلمت فأنت صادق وعفيف؟
 نسمي الزمرة الأولى عبادة شعائرية، ونسمي الزمرة الثانية عبادة تعاملية، والعبادة الشعائرية لا تقبل ولا وزن لها إن لم تصح العبادة التعاملية، والدليل هذا الدين لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
 عن ثوبان بن بجدد رضي الله عنه: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[ابن ماجه]

 ذهبت الصلاة.
 الصيام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَه))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 ذهب الصيام.
 الحج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((من أم هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك))

[ البزار في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 بقي الشهادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من قال: لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، قيل: وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))

[الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط عن زيد بن أرقم رضي الله عنه]

 لذلك أخواننا الكرام؛ الصلاة والصيام والزكاة والحج والشهادة، لا وزن لها بل ولا تقبل بل ولا تصح إلا إذا رافقها عبادة تعاملية.
 لذلك قالوا: " ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام" هذه حقيقة مرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

 

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :

 نعيد مرة أخرى: قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره، الله ماذا قال؟

﴿ إِنَّ فِرعَونَ وَهامانَ وَجُنودَهُما كانوا خاطِئينَ ﴾

[ سورة القصص: ٨]

 أنا ليس لي علاقة، أنا عبد مأمور إذا أمرت بمعصية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))

[ الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط والإمام أحمد في مسنده]

 لذلك قالوا:

(( إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الارض خير لكم من بطنها - حياة حلوة جميلة، الأمير صالح، والغني كريم، والأمر شورى بينكم - وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الارض خير لكم من ظهرها))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 كأننا بآخر الزمان كما ورد، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه وإن سكت استباحوه، موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لم يقتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟ نحن في هذا الزمان.

 

من طبق سنة النبي في حياته فهو في مأمن من عذاب الله :

 لذلك أيها الأخوة نحن في مشكلة كبيرة جداً، إلا أن الإسلام دين فردي وجماعي في آن واحد، ممكن أن تطبق دينك لوحدك، أن تقيم الإسلام في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، تسلم في الدنيا، والدليل قال تعالى:

﴿ ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَليمًا ﴾

[ سورة النساء: ١٤٧]

 أما كأمة، قال تعالى:

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

[ سورة الأنفال: ٣٣]

 مادامت يا محمد سنتك قائمة، مطبقة في حياتهم، فأمتك في مأمن من عذاب الله.

 

الله عز وجل علمه يطولك وقدرته تطولك :

 لذلك الحقيقة الدقيقة أن الله إذا تكلمت يسمعك، وإذا تحركت يراك، وإذا أضمرت شيئاً يعلمه، إن تكلمت يسمع ماذا تقول، أنت بعد أن ترفع من الركوع: سمع الله لمن حمده، إذا تحدثت يسمعك، تحركت يراك، أضمرت يعلمه، يعلم خائنة الأعين.
 لذلك مثل متبع من حياتنا؛ راكب سيارتك والإشارة حمراء وهناك شرطي واقف و ضابط شرطة بسيارة وشرطي على دراجة أنت مواطن عادي من الدرجة الخامسة، ليس لك أية ميزة تتخطاها، مستحيل وألف مستحيل لماذا؟ قال: لأن علم واضع القانون - وزير الداخلية -يطولك من خلال من؟ الشرطي، وقدرته تطولك، مخالفة كبيرة، فأنت مع شخص مسؤول وضع نظام سير وأنت مواطن عادي لا يمكن أن تتجاوز الإشارة إلا بحالة نادرة الساعة الثالثة بالليل ليس هناك شرطي، أو إذا أنت أكبر من وزير الداخلية، لا ترد عليه، أما مواطن عادي والإشارة حمراء، فالشرطي يأخذ اسمك، ويأخذ رقم السيارة، فلن تفعل هذا.
 أي أنت حينما تؤمن أن واضع القانون - من بني البشر مثلك مثله- لأن علمه يطولك وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، اسمعوا قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 أي الله عز وجل علمه يطولك وقدرته تطولك.
 أذكر مرة التقيت مع قاض، قال لي: والله عندي دعوى دقيقة جداً. بيت بأرقى أحياء دمشق، صاحبه توفي، بعد أن توفى صاحبه جاء إنسان أبرز لهم عقد شراء من عشر سنوات، عقد رسمي، كيف أن البيت مباع والأب لم يتكلم؟ عشر سنوات، وكيف هذا اشترى ولم يطلب البيت؟ حالة تحير، بالقصاء تريد يميناً حاسمة، القاضي حدثني كلفه أن يحلف يميناً على المصحف، طبعاً هذه يمين حاسمة، فهو يمسك الطاولة بيده اليسار ويده اليمين على المصحف، وحلف يميناً، و لكنه أن انتهى رفع يده لم ينزلها، القاضي غضب قال له: أنزل يدك كان ميتاً، باعتبار أنه كان يمسك الطاولة ظل واقفاً، فوراً، الله كبير، الآية تقول:

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ ﴾

[ سورة الأنعام: ١١]

 أحياناً يأتي العقاب فورياً وأحياناً يطول.
 أذكر مرة شخصاً سيق للإعدام بتهمة قتل، الآن دخل إلى قلعة دمشق وضع الحبل برقبته قال: هذا المقتول الذي تهمت بقتله لم أقتله لكنني قتلت إنساناً من ثلاثين سنة ولا أحد يعلم.
 فعلمه يطولك، وقدرته تطولك، لكن إما أن يأتي العذاب فورياً أو بعد حين، أحياناً توجد قصص تؤكد ما عند الله.
 أذكر مرة في أحد أحياء دمشق التراثية اسمه سوق ساروجة هناك جامع ضمن هذا السوق جامع تراثي أيضاً، خطب فيه المفتي قديماً، يبدو أن خطيب الجامع رأى رسول الله في المنام، طبعاً معه شهادة عليا، وهو دارس الفقه وأصول الفقه والفقه المقارن، ومتكلم، وخطيب، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، ما هذه البشارة ؟ ومن هو جاره؟ بقال، بقال! هو دراسة وعلم وفقه وأصول فقه وتجويد وقرآن وتفسير وخطيب وهذه البشارة لهذا الجار البقال، طرق بابه قال له: والله لك عندي من رسول الله بشارة ولكنني والله لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك، تخبرني أخبرك، قصة دقيقة جداً، بعد حين طبعاً أغراه بالبشارة فقال له: تزوجت امرأة وفي الشهر الخامس من زواجي بها كان حملها في الشهر التاسع- واضحة- قال له بإمكاني أن أطلقها، أو أن أفضحها، أو أن أسحقها، وأهلها معي، والشرع معي، والقانون معي، والناس معي ، لكن أردت أن أحملها على التوبة جاء لها بولّادة ولدت، أخذ المولود وضعه تحت العباءة فجر اليوم الثاني، ثم وقف أمام المسجد إلى أن نوى الإمام الفرض، لا يوجد أحد، وضع الطفل وراء الباب والتحق بالمصلين، لم يره أحد أبداً، الصلاة انتهت، وهم يقرؤون بالفجر آيات طويلة، بكى هذا المولود تحلق الناس حوله، وابتعد حتى ضمن أن معظم أهل الحي تحلقوا حول المولود اقترب منهم قال لهم: ما الأمر؟ قال: تعال وانظر لقيط، قال: لقيط! أنا أكفله أعطوني إياه، أخذه أمام أهل الحي على أنه لقيط، وستر هذه المرأة، وحملها على التوبة، قال: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة.

 

العدل قسري والإحسان طوعي :

 أنت أيها الأخ بماذا أنت مأمور؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ ﴾

[ سورة النحل: ٩٠]

 العدل من حقك، العدل قسري والإحسان طوعي، فالإنسان حينما يحسن ويعمل عملاً طيباً العمل لا ينسى عند الله.
 أخواننا الكرام؛ قبل أن تأخذ قراراً، قبل أن تقيم دعوى، قبل أن تتخذ موقفاً حاداً، قبل أن تنتقم فكر، هناك إله كبير، قال تعالى:

﴿ وَالَّذينَ إِذا أَصابَهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصِرونَ ﴾

[ سورة الشورى: ٣٩]

 شيء جميل ومن عزيز، لكن قال تعالى:

﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُها ﴾

[ سورة الشورى: ٤٠]

 يرد له الصاع بعشرة أصواع، هذه ليست واردة في الإسلام،

﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُها فَمَن عَفا وَأَصلَحَ ﴾

 أي إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يصلحه ينبغي أن تعفو عنه، قال: وأجره على الله، إذا غلب على ظنك أن عفوك عن هذا الإنسان يصلحه، اعف عنه وأصلحه وأجرك على الله.

 

ضرورة التزود بالعلم بشكل دوري :

 أخواننا الكرام، الهواتف التي بين أيديكم الخلوية هذه إلى ماذا تحتاج؟ إذا شخص معه هاتف غال جداً، ماذا يحتاج الهاتف؟ إلى شحن أليس كذلك؟ وإذا لم تشحنه أصبح قطعة بلاستيك لا تقدم ولا تؤخر، إذا كان هذا يريد شحناً نحن ألا نحتاج إلى شحن؟ وكل واحد منا يحتاج إلى شحن، إذا لم يشحن نفسه شحنة علمية وشحنة روحية. العلمية تقنعه، الروحية تبكيه، إن لم تشحن نفسك أصبحت شيئاً لا وزن له، أنتم بشر مما خلق، فأنت قيمتك بطاعتك، قيمتك بطلب العلم، العلم يحتاج إلى طلب دوري، إلى شحن أسبوعي، أو كل أسبوعين، أما من حين لآخر بعد ثمانية أشهر نحضر لا نستفيد شيئاً، كأس ماء تحت الشمس خلال ساعتين تتبخر كلها، تحتاج إلى مورد دائم، فأنا أنصح أخواننا الكرام حاول أن تزود نفسك بالعلم بشكل دوري.
 مرة شخص لدية سيارة قديمة، ولكن وزنها حوالي أربعة أطنان، قديمة جداً، وبيته بشمال دمشق، ويحب يوم الجمعة أن يأكل الفول من عند بائع موجود بجنوب دمشق، يبعد حوالي ثمانية كيلومترات، وسيارته وزنها كبير، ومصروفها كبير، يوم الجمعة يسوق سيارته، ويمشي من شمال دمشق للميدان ليحضر كيلو فول، يؤذن الظهر يوم الجمعة يجد أقرب جامع يحضر فيه، قلت له مرة: أنت والله دينك أرخص من كيلو فول، ابحث عن جامع فيه خطيب يقنعك، خطيب يهز مشاعرك، يقول: الحمد لله لحقت الصلاة بالركعة الثانية أين ذهبت الخطبة؟ يقول سبحانه:

﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا نودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلى ذِكرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الجمعة: ٩]

 ما معنى ذكر الله؟ الخطبة فقط، أما صلاة الظهر فهي مريحة عنده لأنها ركعتان فقط، أما

﴿ فَاسعَوا إِلى ذِكرِ اللَّهِ ﴾

 أي الحد الأدنى من طلب العلم أن تحضر خطبة، الخطيب يقنعك، يهز مشاعرك، ويعمل لك قناعات جديدة، هذا الحد الأدنى والحد الأعلى درس علم كل أسبوع، وجلسة بالبيت، ادرسوا القرآن، تكلم لإخوانك عن آية سمعتها من شيخ، تكلم لهم حديث شريف لأن هذا هو ذكر الله، هو الأصل.

 

بطولة الإنسان أن يرى النعمة وهي موجودة لا عندما تزول :

 أرجو الله أن يحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وأولادكم وبلدكم الطيب، أنتم في بلد يتمتع بنعم ثلاث، لا تعرفونها من يعرفها؟ الذي فقدها، التدين في هذا البلد ليس تهمة يحاسب عليها الإنسان، هل عندكم أحد ضبط متلبساً بالصلاة؟ لا يوجد، فهذه نعمة كبيرة، والنعمة الثانية أنتم أطياف مثل أي شعب آخر لكن لا يوجد بين طيفين أحقاد تاريخية تقتضي القتل هذه الثانية. والثالثة يوجد دولة قوية تحاسب وتعاقب لكن لا تقتل. هذه نعم لكنك ألفتها فلما ألفتها نسيتها، فماذا قال النبي الكريم: " اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها" فالبطولة أن ترى النعمة وهي موجودة لا عندما تزول. والحمد لله رب العالمين.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018