مختلفة - الأردن - المحاضرة : 35 - مدينة عمان ، صندوق حياة للتعليم - علة وجود الإنسان والحرص على سلامته واستمرار وجوده. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23ندوات مختلفة - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الأردن - المحاضرة : 35 - مدينة عمان ، صندوق حياة للتعليم - علة وجود الإنسان والحرص على سلامته واستمرار وجوده.


2015-07-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاث :

 الله عز وجل بالقرآن الكريم ضرب أمثلة، وأنا أحاول أن أضرب هذا المثل؛ طالب في جامعة، يوجد بالجامعة مطعم، وملعب كرة سلة، كما يوجد طاولة بينغ بونغ، يوجد نشاطات كثيرة، ويوجد كل شيء يحتاجه، لكن يوجد مصطلح اسمه: علة وجوده في هذا المكان، علة وجوده الدراسة، هذه كلها مرافق ملحقة أما الأصل فأن تدرس.
 فالإنسان في الدنيا يأكل ويشرب ويتنزه ويسهر ويسمر ويقيم الولائم والاحتفالات ويسافر ويتزوج وينجب ويزوج أولاده، لكن خطر بباله لدقيقة واحدة بهذا العمر ما علة وجوده؟
 شخص وجد نفسه في باريس سأل: إلى أين أذهب؟ نقول: لماذا جئت إلى هنا أنت؟ سؤالك مردود إن جئت طالب علم فاذهب إلى السوربون، إن جئت سائحاً اذهب إلى برج إيفل، إن جئت تاجراُ اذهب إلى الأسواق.
 فأنت كائن متحرك، ما الذي يحركك؟ الحاجة إلى الطعام والشراب، تحركك أيضاً الحاجة إلى زوجة أو الشابة إلى زوج، ماذا يحركك أيضاً؟ الحاجة إلى التفوق، أن تكون الطبيب الأول، أن يشار إليك بالبنان، يوجد لديك ثلاث حاجات؛ الحاجة إلى الطعام حفاظاً على بقائك كفرد. والحاجة إلى الزواج دون أن تشعر حفاظاً على بقاء النوع. والحاجة إلى التفوق حفاظاً على بقاء الذكر.
 مرة سألت طلابي سؤالاً: أريد اسم تاجر كبير عاش في دمشق سنة 1896، وله علامة تامة، لم يعرف أي طالب الإجابة، قلت لهم: ولا أنا أعرف، أما العلماء الكبار، القادة الكبار، المصلحون، سيدنا صلاح الدين، سيدنا خالد، أنا أقول: جئنا إلى الدنيا وسوف نغادرها وقد نكون واحداً من مليارات البشر الذين جاؤوا وغادروا ولم يدر بهم أحد، لم لا تكون رقماً صعباً؟ لم لا تكون إنساناً متميزاً تركت أثراً؟ إن لم تترك أثراً لا قيمة لك، مليارات ممليرة يأتون يولدون، يكبرون، يتزوجون، ينجبون، يمرضون، يموتون، ولم يدر بهم أحد، هذا الطريق، لكن العظماء تركوا بصمات، بصمات كبيرة جداًـ يمكن بالعالم الإسلامي يذكر سيدنا عمر مليون مرة على مستوى المسلمين جميعاً، باليوم سيدنا خالد، سيدنا صلاح الدين، هؤلاء الرجال الكبار.

 

 يا ترى طريق البطولة والتفوق محصور أم مفتوح؟ أنا مؤمن أنه مفتوح، بأي عصر يمكن أن تكون بطلاً، فالإنسان أنا أتمنى - من الشباب - أن يكون طموحاً، يمكن أن يخدم أمته بعلم، أو بمال، أو بمنصب، أو بخبرة، أو بأشياء يتميز بها.

الإنسان خاسر لامحالة لأن مضي الزمن يستهلكه :

 أنا أقول: هذا الإسلام العظيم فيه قرآن، هذا القرآن فيه سورة قصيرة واحدة والله لو تدبرناها لكفينا، ما الإنسان؟ ما قرأت تعريفاً جامعاً مانعاً رائعاً فيصلاً محدداً كهذا التعريف للإمام الحسن البصري قال: الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، أنت بضعة أيام ولأنك بضعة أيام أقسم الله لك بالعصر مطلق الزمن، أقسم لك بالزمن، فقال تعالى:

﴿وَالعَصرِ﴾

[سورة العصر: ١]

 جواب القسم شيء مخيف:

﴿إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ﴾

[سورة العصر: ٢]

 إله خالق السموات والأرض يقسم لك ًأنك خاسر، لماذا الخسارة يا رب؟
 الخسارة طبيعية جداً لأن مضي الزمن وحده يستهلكك، سبت أحد اثنين ثلاثاء أربعاء خميس ذهب أول أسبوع، ثم الأسبوع الثاني فالثالث فالرابع، ذهب أول شهر ثم الشهر الثاني فالثالث فالرابع ذهب أول فصل، أربعة فصول سنة، عشر سنوات عقد، الإنسان عدة عقود عندما ينتهي أجله إلى القبر، هذه النقلة سهلة؟! من بيت أربعمئة متر صالونات، غرف نوم، غرف ضيوف، أثاث درجة أولى، سهرات، لقاءات، ولائم، سفريات، سياحة، إلى قبر تحت الأرض من فكر في هذه اللحظة؟
 أقسم لكم بالله قمة الذكاء أن نتحرك وفق هذه النهاية، تعمل، تدرس، تأخذ دكتوراه، تؤلف كتاباً، كله ممكن لكن بشرط ألا توجد معصية، عندما يكون الهدف موجوداً أمامك لا يوجد مشكلة.

 

الموت ينهي قوة القوي وضعف الضعيف :

 أخواننا الكرام؛ سؤال أتمنى أن يكون واضحاً، يجب أن نسأل أنفسنا هذا السؤال لنعرف جوابه: ما علة وجودنا في الدنيا؟ لماذا؟
 الموت ينهي قوة القوي- كان قوياً- وضعف الضعيف، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وغنى الغني، وفقر الفقير، ينهي كل شيء، والإنسان خلال أسبوعين أو ثلاثة أو أربعة يرفعون له شعاراً حزيناً، يضعون شريطاً أسود على صورته، وبعد شهر يضحكون ويلعبون ويسافرون ويعملون ولائم، انتهى كل شيء، فالطفل عندما يولد كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده، فإذا دنت منيته كل من حوله يبكي فإذا كان بطلاً يضحك وحده، قال تعالى:

﴿قيلَ ادخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيتَ قَومي يَعلَمونَ﴾

[سورة يس: ٢٦]

 إن اقترب الأجل، و كنت تمشي بشكل صحيح، دخلك شرعي، إنفاقك شرعي، بيتك إسلامي، عملك إسلامي، لك عمل صالح، يوجد صدقات، يوجد دعوة إلى الله، لم تغلط مع الله يأتي الأجل، عندها لا يوجد مشكلة.
 لذلك ورد في الأثر أن المؤمن إذا دنا أجله، ورأى مقامه في الجنة يقول: لم أر شراً قط، أما غير المؤمن إذا دنا أجله فمكانه في النار يقول: لم أر خيراً قط، لذلك أن أتصور أنت تمشي في طريق مستقيم، ثم وجدت طريقين؛ طريقاً هابطاً وطريقاً صاعداً، الهابط معبد، يوجد فيه زهور وأشجار لكن مشكلته في النهاية يوجد حفرة سحيقة ليس لها من قرار، فيها وحوش كاسرة، الطريق الصاعد غير معبد، فيه عقبات، فيه مشقة، فيه حر، فيه عرق، لكن ينتهي ببستان فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر، بأول الطريق مرسوم البستان وهناك شرح ، أما الطريق الثاني فمرسوم حفرة عميقة فيها وحوش كاسرة، إن أردت أن تقرأ يوجد شرح. فالإنسان عندما يختار طريق النار يكون أحمق، اسمعوا الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ،...إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ أحمد عن ابن عبَّاس ]

 كل ما شئت، التق مع من تشاء، وقع أي عقد فيه ترويج لمعصية تتفاجأ بعد ذلك بوضع صعب جداً.

 

الباعث الحقيقي للدين اتباع تعليمات الصانع :

 أيها الأخوة الكرام؛ لا يوجد شخص من الحاضرين إلا يحب ذاته، أتحدى أي شخص من السبعة مليارات والمئتي مليون ألا يحب ذاته، يحب ذاته، يحب سلامة وجوده، يحب كمال وجوده، يحب استمرار وجوده، إذا أنا أحببت وجودي متى أحقق سلامة وجودي وكمال وجودي واستمرار وجودي؟
أنا آلة معقدة جداً، ولي صانع هو الله، ولهذا الصانع تعليمات التشغيل والصيانة، فأنا انطلاقاً من حرصي على سلامتي، وعلى سعادتي، ينبغي أن أتبع تعليمات الصانع، هذا الباعث الحقيقي للدين.
 أريد أن أقول كلمة دقيقة: أنت عندما تعطي أمراً - بالبيت يوجد بابان- بألا يخرج ابنك من الباب الأول و إنما من الباب الثاني، هذا أمر من صاحب البيت، يأتي ابن يخالفه فينال عقاباً شديداً، لكن لا يوجد علاقة علمية بين العقاب و بين الخروج من الباب، هذا الباب ممنوع حكماً وليس أصلاً، هذا ممنوع من الأب يسمى ممنوعاً وضعياً.
 لكن الابن إذا وضع يديه على المدفأة المشتعلة سوف تحترق، هنا تحترق يده بسبب علمي، وضع اليد على المدفأة سبب احتراق اليد.
 الدين كل أوامره العلاقة بين الأمر والنتيجة علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة.
 إنسان يركب سيارة، معه عشرة أطنان فواجه جسراً الحمولة القصوى: خمسة أطنان فينظر هل يوجد شرطة، هنا ليس موضوع شرطة سوف تقع بالنهر، الجسر يعاقبك، أو ممنوع الاقتراب توتر عال، هو يريد الاقتراب لكن يخاف إذا كان هناك شرطة، ليس للشرطة علاقة، هنا التيار نفسه يعاقبك.
 عندما تفهم الدين علاقة بين الشيء ونتيجته علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، هذه المشكلة.

التقاء العمل الذكي مع العمل العبادي بالنتائج واختلافهما في البواعث :

 لو طبق الدين شخص ملحد سيقطف ثماره بالدنيا طبعاً، الأوامر موضوعية، العلاقة بينها علاقة سبب بنتيجة.
 يأتي إنسان يكون ذكياً جداً لا يكذب، فعل هذا ارتفع في المجتمع، يفعل هذا وله الجنة أيضاً، لأن العمل الذكي يلتقي مع العمل العبادي يلتقيان في النتائج ويختلفان في البواعث.
 لو أتينا بمدير عام لمعمل، و كان ذكياً جداً، معه دراسة عالية إدارة أعمال، وراقبناه شهراً، وأتينا بشخص مؤمن جداً، نتفاجأ مفاجأة كبيرة أنهم مثل بعضهم، الذكي يلتقي مع العمل العبادي، يلتقيان في النتائج ويختلفان في البواعث.
 فنحن نعيش في زمن أنا أعده بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، أنت ولأنك زمن هذا الزمن الذي هو أنت هو رأس مالك الوحيد، وهو أثمن شيء تملكه، إما أن تنفقه كأهل الأرض جميعاً إنفاقاً استهلاكياً، انظر للناس يأكلون ويشربون ويتمتعون، يتفاجأ بالموت مفاجأة، لم يدخل الموت في حسابه مطلقاً، أما المؤمن فيدخل الموت في حسابه في وقت مبكر، إذا عمل عملاً يسأل نفسه: كيف أرد على الله حينما أسأل؟ كلما أحبّ أن يعمل عملاً يهيئ جواباً لله عز وجل.

العاقل من يؤمن قبل فوات الأوان :

 أرجو من الله سبحانه وتعالى أن ننتبه إلى الدين في وقت مبكر، أقول لكم بصراحة: أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال كما ورد في القرآن:

﴿ أَنا رَبُّكُمُ الأَعلى ﴾

[سورة النازعات: ٢٤]

 والذي قال أيضاً كما ورد في القرآن:

﴿ ما عَلِمتُ لَكُم مِن إِلهٍ غَيري ﴾

[سورة القصص: ٣٨]

 حينما أدركه الغرق آمن ولكن متى آمن؟ بعد فوات الأوان، قال الله تعالى:

﴿ آلآنَ وَقَد عَصَيتَ قَبلُ ﴾

[سورة يونس: ٩١]

 فنحن جميعاً سوف نؤمن بعد فوات الأوان لكن أين بطولتك؟ أن تؤمن في الوقت المناسب، وأنت شاب قوي، يعني إذا شخص بدأ يصلي بالثمانيات من عمره، لم يعد فيه شيء يتحرك، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظكم جميعاً، وأن يحفظ إيمانكم وأهلكم وأولادكم وصحتكم ومالكم واستقرار بلادكم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018