الدرس : 065 - بطولة الإنسان أن يعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، والعاقل من يعمل لآخرته. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 065 - بطولة الإنسان أن يعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، والعاقل من يعمل لآخرته.


2014-11-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

بطولة الإنسان أن يعرف الحقيقة قبل فوات الأوان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك موضوع دقيق ؛ الفرق بين المتعة وبين السعادة فرق كبير جداً.
 أيها الأخوة ؛ الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

[ سوة النساء: 77]

 خالق السموات والأرض العليم الخبير، الذي خلقنا وهو يربينا، وإليه المصير، ينبئك أيها الإنسان ويكلف النبي عليه الصلاة والسلام أن ينبئك:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

[ سوة النساء: 77]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة: 38 ]

 الإله يقول لك: قليل، والإنسان أحياناً يرى الدنيا هي كل شيء، المال كل شيء، ودائماً وأبداً لك موقف من المال، في البدايات المال كل شيء، في منتصف الحياة المال شيء وليس كل شيء، قبيل الموت المال ليس بشيء، كل شهوات الدنيا في البدايات لك موقف، بمنتصف العمر لك موقف، في النهاية لك موقف، من هو البطل؟ الذي عرف الحقيقة قبل فوات الأوان.
 أولاً: الإيمان لك خيار معه، خيار وقت، لكن أنت تملك خيار وقت بمليون موضوع، خطبت فتاة لم تعجبك أخلاقها رفضتها، عرضت عليك وظيفة دخلها قليل وجهدها كبير رفضتها، لكن لن تستطيع رفض الإيمان إلا لحين، لأن أكفر كفار الأرض فرعون قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

 وقال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

 فرعون عندما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

 إذاً الإيمان خيار وقت، إما أن تؤمن في الوقت المناسب، أو لا بد أن تؤمن بعد فوات الأوان، بل إن كل أهل الأرض قاطبة ولا يستثنى منهم أحد عند الموت يكتشفون الحقائق التي جاء بها الأنبياء، قال تعالى:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سورة ق: 22 ]

 لذلك يقول الإنسان:

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

[ سورة الفجر: 24]

 بعد فوات الأوان، كل بطولتك أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، وأنت حي، وأنت قوي، وأنت شاب، هنا البطولة، لكن أكثر الناس بعد الثمانين لم يعد فيه شيء يتحرك فيلزم المساجد، هناك ظاهرة جديدة والله أنا أعتز بها، أنا أسمع ومرة شاهدت قبل خمسين سنة من ترى في المسجد؟ من كان عمره ثمانين فما فوق، الآن كله شباب، هذه بطولة، هذا الشاب في مقتبل حياته برمج حياته وفق الدين، اختار زوجة صالحة، اختار حرفة نافعة، أولاً قال تعالى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

[ سوة النساء: 77]

 مرة دخل رود أكبر غني من أغنياء بريطانيا - كان يقرض الدولة- إلى غرفة المال، ما عنده صندوق حديد، عنده غرفة بأكملها، أغلق الباب بالخطأ، صاح ثم طرق على الباب ثم جرح إصبعه وكتب: أغنى أغنياء العالم يموت جوعاً، مات جائعاً.

 

العمل الذي يأخذ كل وقت الإنسان لا يعد ربحاً بل خسارة :

 أيها الأخوة الكرام؛

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾

[ سوة النساء: 77]

 الآن الحقيقة الدقيقة أن المتعة تحتاج إلى مال من أجل أن تأكل أكل نفيساً وغالياً، وأن تركب سيارة فارهة، وأن تسكن بيتاً واسعاً، وأن يكون لك دخل كبير، هذه تحتاج إلى مال في الحياة الدنيا، وإلى صحة، وإلى وقت.
 ذكرت لكم سابقاً: دائماً في كل مرحلة من مراحل العمر تنقصك واحدة، في البدايات شاب شديد عتيد قوي، لكن لا يملك مالاً، في منتصف العمر أسس عملاً صار عنده دخل وعنده صحة لكن لا يوجد وقت، قال لي شخص من كبار أغنياء الشام: ثلاثة وثلاثون عاماً ما غادرت المعمل إلا مرة واحدة، جئت بسيارتي من اللاذقية، أحضرتها جديدة، اشتريتها، كل يوم في المعمل أنا أقول: هذا قبره عمله، أنت لك نشاطات، كلمة قديمة جداً لأرسطو: الذي لا يملك وقت فراغ يمارس فيه حاجاته الخاصة هذا ليس من بني البشر، إذا لم يكن عندك وقت فراغ لست من بني البشر، يقول: خرجت قبل أن يستيقظ الأولاد ورجعت بعدما ناموا، خير إن شاء الله، لم يعد أب، فقد أبوته.
 دائماً أيها الأخوة الكرام ؛ العمل الذي يأخذ كل وقتك أكبر خسارة، هناك وقت للزوجة، وقت للأولاد، وقت لطلب العلم، أنت بحاجة أن تحضر درس دين، فالعمل الذي يأخذ كل وقتك لا يعد ربحاً يعد خسارة، قال تعالى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾

[ سوة النساء: 77]

ترتيب الشهوات بشكل عجيب في القرآن الكريم :

 لكن ألطف شيء بالموضوع أن الشهوات مرتبة ترتيب عجيب في القرآن، وكنت أتمنى أن تحضر دكتوراه في الترتيب القرآني مثلاً قال تعالى:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾

[ سورة آل عمران: 14 ]

 بدأ بالمرأة في موطن الشهوة، الآن في موطن الفداء، قال تعالى:

﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾

[ سورة المعارج: 11]

 الابن أغلى شيء بالفداء، الآن الذين يخطفون طفلاً، يطلبون مليونين، لا يأخذون والده، لا يأخذون أخاه، يأخذون ابنه، قال تعالى:

﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾

[ سورة المعارج: 11-14]

 الآن في موطن المعاونة قال تعالى:

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾

[ سورة عبس: 34]

 الأب كبير والابن صغير، من يعاونك؟ أخوك، في موطن المعاونة بدأ بالأخ، بموطن الفدية بدأ بالابن، بموطن الاعتزاز بالأب.

 

العاقل من يعمل لآخرته :

 أيها الأخوة الكرام؛

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ﴾

[ سورة التوبة: 38 ]

 الأرض شدَّتكم، بيتك، مركبتك، الصحابة في غزوة من أصعب الغزوات بأيام الصيف بعض ضعاف الإيمان آثروا البقاء في المدينة، وقالوا للنبي الكريم:

﴿ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾

[سورة الفتح: 11]

 لذلك جاءه المنافقون ليعتذروا، ثمانون منافقاً كل منافق أدى عذراً مدروساً مقبولاً؛ أن زوجته تلد مثلاً، كل واحد عنده إمكانية أن يقدم عذراً جيداً جداً، لكن العذر غير صحيح، فقبل منهم جميعاً إلا كعب أمر بمقاطعته خمسين يوماً لأن هذا فيه إيمان وأخطأ، أما البقية فكانوا منافقين، تركهم على نفاقهم، لذلك قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة: 38 ]

 والله أعرف شخصاً عندما كان البيت بخمسة ملايين، وبعشرة، وبخمسة عشر، وبعشرين في الشام كان بيته بمئة وثمانين مليوناً، هو والد صديقي، كان الأثاث نصف ثمن البيت، رجل مليء توفي في أيام الشتاء المطيرة، لأنه والد صديقي يجب أن أشارك في الجنازة، فتحوا القبر وجدوا مياهاً سوداء، مياه المجاري مفتوحة على القبر، أرض القبر كلها مياه سوداء، سألوا ابنه ماذا نفعل؟ قال: ضعوه، أنا أعرف بيته، أعرف الترف الذي هو فيه، أعرف مقتنياته الثمينة، عنده تحف بمليون ليرة، عنده تحفة – فازة - من الصين ارتفاعها يصل إلى السقف، حراماته موهير من فرنسا، بلاط البيت من إيطاليا، فلما توفي كان مكانه القبر المملوء بمياه مجاري، البطولة في النهاية.
 وهناك شخص قدم خدمات للأمة كبيرة جداً، رجل محسن كبير، عندنا الأسرة والعائلة وأوسع دائرة حوله، كل الشباب زوجهم، كل شاب زواج وبيت، دخله كبير جداً، المال أنفقه في حياته، بالمناسبة لا أحد يوصي، أنا عندي عشرون وصية لم تنفذ، أعرف إنساناً ترك أربعة أبنية، أحبّ أن يترك لآخرته خمسة وعشرين ألفاً، والله ما أعطوني إياها، أنا وعدت بها شخصاً بحاجة لها، فلم يرضوا، بخلوا عليه، ترك أربعة أبنية كل بناء أربعة طوابق وكل طابق أربع شقق، لا تعتمد على أحد، أنفق وأنت حي، هذا مالك، بعد الموت لا أحد ينفق عليك.

بطولة الإنسان أن يعقد الأمل على وعد الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة: 38 ]

 الإله يقول لك: قليل، لأنه أعدّ لك الكثير:

(( فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]

 هذه نقولها كثيراً، لكن دقق فيها ما لا عين رأت، أنت ماذا شاهدت في الدنيا؟ يمكن ذهبت إلى الحج، إلى مكة والمدينة، يمكن سافرت إلى أوربا؛ باريس أو لندن فقط، فرؤيتك محدودة، أما أنت فتسمع بكوالالمبور مثلاً عاصمة ماليزيا، فالسماع أوسع، والخاطر أوسع وأوسع، يمكن أن يأتي في بالك مليار خاطر، شخص طوله مليون كيلو متر.

(( فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]

 هذا العطاء الكبير، هذه الجنة الخالدة، هذا النعيم المقيم، قال تعالى:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾

[ سورة ق:35 ]

﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر: 46]

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾

[ سورة يس: 26-27]

 فالبطولة أن تعقد الأمل على وعد الله عز وجل.

 

البطل من اكتفى بالحلال و ابتعد عن الحرام :

 الحقيقة الدقيقة قال تعالى:

﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴾

[ سورة القيامة: 20]

 هناك شيء على النار جاهز، بيت فخم، لكنه بقرض ربوي، سيارة فارهة جاءتك هدية من أجل أن توافق على مناقصة، ربح المشارك بمئات الملايين فقدم لك سيارة، وأعطاك إشارات، أن قل لي آخر رقم فأنزل عنه مئة دينار فقط، تتفقون هناك مناقصة تفض العروض سراً، أقل رقم ما هو؟ ينزل مئة دينار عن هذا الرقم، تفتح العروض أخذنا أرخص رقم، هذه مدفوع ثمنها، هذه مقابل سيارة، فلذلك الدخل الحرام كثير جداً، من هو البطل؟ الذي يأخذ المال الحلال، هذا فيه بركة، يبارك الله لك فيه، الآن عندنا نهي إلهي، قال تعالى:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾

[سورة آل عمران: 196]

 أحياناً الإنسان ينال من الله في الدنيا أشياء كثيرة، فاسق فاجر، يحتقر أهل الإيمان، بعيد عن الدين، عقيدته فاسدة، ودخله فلكي، وسياراته، وبيته، ومكانته الاجتماعية، الله عز وجل نهانا، قال تعالى:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[سورة آل عمران: 196-197]

 ما هو الغرور؟ الغرور أن ترى الشيء بحجم أكبر من حجمه، فالله نهانا عن أن نغتر بالدنيا، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[ سورة فاطر الآية: 5 ]

 الغرور الشيطان، يزين لك الدنيا يكبرها يكبرها، والإنسان بثانية واحدة يفقد كل شيء، الذي جمع بثمانين سنة يفقد في ثانية واحدة، توقف القلب انتهى، الأملاك المنقولة وغير المنقولة والشركة التجارية العريقة والاسم التجاري وعنده بيتان أو ثلاثة، شيء بالعقبة، وشيء بالشام، وشيء بالساحل، وشيء في بلودان، كل المال والمتع منوطة بضربات القلب، كل شيء تملكه على القلب توقف، إنسان عنده فندق في باريس مؤلف من ثمانين طابقاً دائماً ممتلئ، اشتراه بأموال منهوبة، مات بحادث، انتهى، كل شيء جمعه ينتهي بثانية واحدة، أما المؤمن فموعود، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61]

التباهي بالعمل الصالح :

 لذلك كان سيدنا عمر بن عبد العزيز - وكان من خامس الخلفاء الراشدين رضي الله عنه - كلما دخل دار الخلافة يقرأ هذه الآية:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء: 205-207]

 استعلِ، تحكم، استكبر، تمتع بالحياة الدنيا، افتخر على الآخرين، اشتر بيتاً أربعمئة وخمسين متراً، كلما جاء ضيف تعال أريك البيت، هذا موظف بسيط فقير تريه بيتاً مساحته تقدر بأربعمئة وخمسين متراً!! شيء مضحك، هذا رأس ماله دنياه فقط، يتباهى في الدنيا، هناك مليون طريق للتباهي، تباهى بالعمل الصالح، اعمل عملاً طيباً يخدم الأمة، يفتخر ببيته، بسيارته، بدخله، يكون في جلسة عامة يحضرها عشرون شخصاً، يتكلم عن أرباحه، والله ما أعجبني الربح، هذه السنة ربحت ثلاثة ملايين، هذا يعيش على مئة ألف كل السنة، هذا الكلام الذي فيه افتخار لا يرضي الله عز وجل.
 أقول لكم كلمة ثانية: هناك كلام يجتمع الناس كلهم عليه، إن تكلمت عن الله عز وجل، اجلس بجلسة اذكر الله عز وجل، يخرج الكل مرتاحين، اجلس بجلسة تكلم عن الدخل، وعلى النجاحات الخاصة بك، الناس لا يستطيعون أن يقفوا، هناك ثلاثة موظفين إن شاء الله يكفي معاشهم لنصف الشهر، وأنت تتكلم عن ملايين مملينة، هذا لا يصح، لا تتكلم كلاماً يحرق قلوب الناس، تواضع، تكلم بالمواضيع المشتركة، والله هناك مليون موضوع تتكلم به وتجمع القلوب كلها ولا يشعر أحد أنه محروم، هناك كلام يشعر من حضر أنه محروم، هذه الآية من أدق الآيات، قال تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء: 205-207]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018