مختلفة - الأردن - المحاضرة : 04 - مدينة عمان، جمعية الغراء الخيرية - العمل الصالح. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23ندوات مختلفة - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الأردن - المحاضرة : 04 - مدينة عمان، جمعية الغراء الخيرية - العمل الصالح.


2013-08-24

مقدمة :

 الدكتور محمد راتب النابلسي إن فقرات التبرع قائمة، وسيكون هناك طريقة سنعلن عنها بعد أن نستمع لشيخنا، وأي شيخ نستمع الآن إليه؟ وأي عالم؟ وأي رجل؟ ذلك الذي كلماته أثرت فينا جميعاً، فمن منا لا يسمع للشيخ محمد راتب النابلسي؟ ومن منا لم تؤثر كلماته التي تخاطب الوجدان والعقل والروح مثل كلمات هذا الشيخ، ختامها شيخنا الجليل تكرم علينا بكلماتك التي تبعث الثقة بالنفوس، وتشجعنا جميعاً، وتعرفنا من نحن؟ وإلى أين نسير؟ وكم تعلمنا على يديه تفضل مشكوراً بارك الله بك...

حرص الإنسان على سلامة و كمال و استمرار وجوده :

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 أيها الأخوة الكرام؛ ما منا واحد بل ما من واحد على سطح الأرض إلا وهو حريص على سلامة وجوده، كيف يحصل سلامة وجوده؟ أنت أعقد آلة في الكون، هذا التعقيد هو تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولك صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حبك لذاتك، وانطلاقاً من حرصك على سلامتك، وانطلاقاً من حرصك على سعادتك ينبغي أن تطيع الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71]

 كلمة عظيم من العظيم، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71]

 أيها الأخوة الكرام؛ لو أن طفلاً قال لك: معي مبلغ عظيم، كم تقدر هذا المبلغ؟ فإذا قال مسؤول كبير بالبنتاغون: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، أعددنا مئتي مليار، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 113]

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان حريص حرصاً لا حدود له على سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، سلامة وجوده بتطبيق تعليمات الصانع، بالاستقامة على أمر الله، وكمال وجوده بالعمل الصالح، قال تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[سورة فاطر: 10]

 واستمرار وجوده بتربية أولاده.
 أنا كنت في أمريكا قلت لهم: لو بلغت منصباً ككلينتون، وثروة كأوناسيس، وعلماً كأنشتاين، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
 سلامة وجودك بالاستقامة، وكمال وجودك بالعمل الصالح، واستمرار وجودك بتربية أولادك.

 

الإنسان خاسر لامحالة إلا إن عرف الله :

 إذاً علاقتنا في هذا الحفل بالآيات قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر: 1 ]

 أقسم الله بمطلق الزمن، لأنك أيها الإنسان زمن ما من تعريف جامع مانع لهذا الإنسان كتعريف الإمام الحسن البصري، قال: الإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. فلأنك زمن، لأنك بضعة أيام، أقسم الله لك أيها الإنسان بمطلق الزمن، جواب القسم أنت خاسر لا محال، يا الله لماذا أنا خاسر؟ الآية تقول:

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2 ]

 الجواب دقيق لأن مضي الزمن وحده يستهلكك، مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، فالإنسان مستهلك، لكن كيف نتلافى هذه الخسارة؟ فضل الله، رحمة الله، عطاء الله في كلمة إلا، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 عرف الله، عرف أنه الخالق، وأنه الرب، وأنه المسير، وأن أسماءه حسنى، وصفاته فضلى، عرف الله، أصل الدين معرفة الله.
 أيها الأخوة؛ عرف الله فاستقام على أمره، ثم عرف الله فتقرب إليه، ثم عرف الله ودعاه باستمرار وجوده عن طريقة تربية أولاده، تعرفه تطيعه تسعد به في الدنيا والآخرة.

 

العمل الصالح علة وجود الإنسان بعد معرفة الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ لذلك:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر: 1 ]

 أقسم الله بمطلق الزمن، لأنك أيها الإنسان زمن، يقول له:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 معرفة حقيقة، معرفة الله خالقاً ورباً ومسيراً، معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى:

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

 ما لم تتحرك، ما لم تقدم، ما لم تبذل، ما لم تعط، ما لم تقدم شيئاً ثميناً لا قيمة للإيمان، يوجد مئتا موضع في القرآن الكريم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال تعالى:

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

 الإمام الشافعي قال: " هذه أركان النجاة".
 وحفلنا هذا، ولقاؤنا هذا تحت بند: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هذا هو البند وعملوا الصالحات، وهذا عمل صالح، لذلك الإنسان حينما يغادر الدنيا ماذا يقول؟

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 كأن علة وجودك بعد الإيمان بالله العمل الصالح، قال تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[سورة فاطر: 10]

 بل إن العمل الصالح مهمتك الأولى بعد الإيمان، بل إن حجمك عن الله بحجم عملك الصالح.
 لكن العمل الصالح كلما اتسعت رقعته ازداد قيمة عند الله، وكلما امتد أمله زاد قوة عند الله، وكلما عمق تأثيره زاد قوة عند الله، اتساع الرقعة وامتداد الأمل وعمق التأثير، لذلك علة وجودنا بعد الإيمان بالله العمل الصالح، أي العمل الصالح ليس شيئاً تفعله أو لا تفعله، لا، قد تشتري باقة من الورد، وقد لا تشتري، لكن تناول الطعام لا بد أن يكون كل يوم، العمل الصالح كتناول الطعام، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

البشر عند الله زمرتان لا ثالث لهما :

 لكن هؤلاء البشر في القارات الخمس أوربا أمريكا أستراليا إفريقيا آسيا، هؤلاء البشر هم ملل ونحل وشعوب وأقوام وطوائف، يقسمون مئة قسم، ما قولكم أن هؤلاء البشر جميعاً هم عند الله زمرتان، قال تعالى:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل: 1-4]

 الآن دققوا:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6]

 هذه الزمرة الأولى؛ صدق بالحسنى، والحسنى هي الجنة، صدَّق أنه مخلوق للجنة، وبناء على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا.
 " يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك".
 إذاً الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، ونحن إن شاء الله نأخذ ونعطي، لا بد من أن تعطي، تعطي من وقتك، من جهدك، من جاهك، من علمك، من خبرتك، حتى ترقى عند الله، فحجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وحجم العمل الصالح باتساع رقعته، وامتداد أمده، وعمق تأثيره.

 

العمل الصالح فريضة على سلامة الإنسان وسعادته :

 أيها الأخوة الكرام؛ النقطة الدقيقة هؤلاء أول زمرة أعطى واتقى وصدق بالحسنى، صدق أنه مخلوق للجنة، اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، وأما الزمرة الثانية فقد قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 8-9 ]

 لأنه كذب بالحسنى، كذب بالجنة، آمن بالدنيا استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ.
 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ العمل الصالح ليس شيئاً تفعله أو لا تفعله، شيء هو فريضة عليك، فريضة على سلامتك وسعادتك.
 فيا أيها الأخوة الكرام؛ حينما يسألك أن تقرضه قرضاً حسناً، من يقرض الله قرضاً حسناً؟ كأن هذا الاحتفال وهذا اللقاء أن الله عز وجل يدعوكم أن تقرضوا ليضاعف لكم هذا القرض أضعافاً كثيراً.
 أيها الأخوة الكرام؛ صدقوا ولا أبالغ أنا أقمت في هذا البلد الطيب والله الذي لا إله إلا هو لم أر منه إلا كرماً ولطفاً وذوقاً وفهماً وحمية وشهامة، والذي تفضل به شيخنا الجليل عن هذا البلد يغني عن كل تعبير.
 أيها الأخوة الكرام؛ أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وأولادكم وصحتكم ومالكم وأضيف دعوة ثالثة واستقرار بلدكم.
 و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018