ندوة قناة الاستقامة : نظرة العالم الدينية للعالم العربي وما يمر به. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠79ندوة : نظرة العالم الدينية للعالم العربي - قناة الاستقامة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ندوة قناة الاستقامة : نظرة العالم الدينية للعالم العربي وما يمر به.


2016-11-04

مقدمة :

المذيع:
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة لكم أيها الأخوة الكرام أينما كنتم وتتابعون قناة الاستقامة الفضائية وأيضاً برنامج ضيوف عمان، ضيفنا لهذه الحلقة فضيلة الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي، سلام الله عليك شيخنا.
الدكتور راتب:
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المذيع:
 نحن سعيدون بوجودك هنا في سلطنة عمان، وأيضاً هنا في قناة الاستقامة وكل شيء في هذه السلطنة يرحب بفضيلتك.
الدكتور راتب:
 والله لاحظت هذا الترحيب، وأنا شاكر جداً لبلدكم حكومة وشعباً على الإقبال الشديد على دروسي، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم.
المذيع:
 اللهم آمين.
 فضيلتك سنتحدث في عدة محاور، ولكن لنبدأ ما يمر به العالم العربي ككل ونظرة العالم الدينية لهذا العالم العربي بعد مرور خمسة أعوام بما يسمى بالربيع العربي.
الدكتور راتب:
 أو الخريف العربي.
المذيع:
 أو الخريف العربي لا مشاحة في الاصطلاح المفترض لسكان أو مواطني هذه الدول أن يكون هذا الخريف أو هذا الربيع بمثابة عامل للاستقرار في بلادهم، لا يريدون العودة إلى الخلف، وأيضاً غير راضين بالأمر الواقع والمشاهد أيضاً والتقلبات والتغيرات والتحولات التي تحدث في هذه البلدان العربية، كيف يقرأ الدكتور محمد راتب النابلسي هذا المشهد؟

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

الدكتور راتب:
 أولاً: أعتقد يقيناً أنه من المستحيل وألف مستحيل أن يقع شيء بلا سبب، ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة، فلذلك حينما يخطئ الإنسان وحده يأتي قوله تعالى:

﴿ ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 فهذا الكون مسخر للإنسان تسخير تعريف وتسخير تكريم، أخذ هذا المعنى من قول النبي الكريم حينما رأى هلالاً، قال:

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[ رواه أبو داود عن قتادة ]

 أي ننتفع بضوئه ليلاً ويرشدنا إلى ربنا، فأي شيء خلق في هذا الكون له وظيفتان كبيرتان: وظيفة نفعية انتفع بها الغرب أيما انتفاع، ووظيفة إرشادية قصر بها العالم الغربي والإسلامي معاً.
 فكل شيء يدل على الله، من هنا كان موضوع التفكر في خلق السموات والأرض، كي نعرف الله عز وجل، من عرف الله عرف كل شيء، ومن فاتته هذه المعرفة فاته كل شيء.
 إذاً الإنسان هو الكائن الأول المخير، المخلوق الأول رتبة فوق الملائكة، خلق الله الملائكة من عقل بلا شهوة، وخلق الله الحيوانات من شهوة بلا عقل، وخلق الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.
 فالإنسان هو المخلوق الأول رتبة، لأن الله عز وجل حينما عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال في عالم الأزل هذا الإنسان قَبِل حمل الأمانة، فلما قبل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول، وعندئذ سخر له ما في الكون من أجله تسخير تعريف وتكريم، فتسخير التعريف يقتضي أن يؤمن، وتسخير التكريم يقتضي أن يشكر، فإذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده، وعندئذ تتوقف جميع المعالجات الإلهية، قال تعالى:

﴿ ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

 إذا سلامة الفرد بالإيمان والشكر.
 أما هذه الأمة فتظل في بحبوحة وفي خير إن تبعت منهج رسول الله، لذلك الآية تقول:

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

[سورة الأنفال: ٣٣]

الأمن الفردي و الأمن الجماعي :

 بالمناسبة من لفتات اللغة أن (ما كان) أشدّ صيغ النفي إطلاقاً، لو شخص سئل: هل أنت جائع؟ يقول: لا، نفي هذا بلا، لو شخص محترم جداً قيل له: هل أنت سارق؟ لا يستطيع أن يقول: لا، يقول: ما كان لي أن أسرق، هذا مستحيل وألف ألف مستحيل، لا أقبل به ولا أسكت عنه ولا أرضى به ولا ولا ولا، فحينما تقرأ في القرآن:

﴿ وَما كانَ ﴾

 أشدّ صيغ النفي قاطبة، قال تعالى:

﴿ وَما كانَ اللَّهُ ﴾

 أي مستحيل وألف مستحيل أن يعذب المجتمع بلا سبب.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فيهِم ﴾

 أي يا محمد مادامت سنتك- منهجك - مطبقاً في حياة أي شعب فهو في مأمن من عذاب الله.
 أصبح لدينا أمن فردي، أساسه الإيمان والشكر، وأمن جماعي أساسه تطبيق منهج رسول الله.
المذيع:
 مع الابتعاد الآن عن هذه السنة وعن هذا الدين وعن هذا المنهج الرباني الفذ نلاحظ أنه يتزامن مع هذا المشهد الفكر التطرفي.

 

وسائل الله التأديبية لمن لا يؤمن أو يشكر :

الدكتور راتب:
 لكن قبل ذلك لو أن إنساناً عنده أولاد ثلاثة، ولد منغولي لا يوجد أمل في شفائه، و ولد ذكي جداً ومتفوق في دراسته، أيضاً حقق الهدف، وعنده ولد ثالث ذكي ومقصر، فالمنغولي تركه، والمتفوق تركه، أما هذا الذي لديه إمكانيات كبيرة جداً ومهمة لكنه آثر شهوته على التفوق العلمي، هذا يعالج، فحينما يقول الله عز وجل:

﴿ ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

 إن لم تؤمنوا الإيمان الحق، أو لم تشكروا، هناك وسائل تأديبية إلى معالجة هذا الموضوع.
المذيع:
 من المصلح الآن؟ الدائرة تقع على من؟ من هو المصلح لهذه المشاهد كلها؟ أليس للعلماء المسلمين دور في لملمة الشتات وإرجاع الجزء المفقود من الصورة العربية؟

 

دور العلماء في لملمة شتات الأمة :

الدكتور راتب:
 الدور الأول والوحيد للعلماء، لأن العلماء مظنة صلاح، مظنة تقى، مظنة علم، حينما يحبط الناس بجهات أخرى، بشرائح أخرى، بالأقوياء، يبقى الأمل معقوداً على العلماء، هؤلاء إذا قصروا في مهمتهم وقع الناس في تشاؤم خطير جداً، وفي إحباط شديد.
المذيع:
 كثيراً ما يتهم الخطاب الديني ويوصف على أنه خطاب ديني بائس لا يلبي الرغبات والتطلبات ما هي نظرتك في هذا الموضوع ؟
الدكتور راتب:
 أنا أقول: الخطاب الديني أساسه رجل الدين، فإن كان غير مستبصر، ثقافته محدودة جداً، بعيداً عن المواقف الجريئة، يتمنى بقاءه على حاله من دون أي تبدل، سيكون خطابه تقليدياً لا يقدم ولا يؤخر، أما حينما يعيش العالم همّ الأمة، يعيش طموحاتها، يعيش أهدافها، يغار عليها، فسوف يسهم في دور فعال كبير جداً. والعلماء في التاريخ الإسلامي لهم دور خطير جداً، ودور مصيري.
المذيع:
 بالمناسبة إذاً ما هي سمات العالم الشرعي؟

سمات العالِم الشرعي :

الدكتور راتب:
 العالم رجل أو إنسان تحقق من العلم، تفوق في العلم، فجعل الخطاب الديني حيوياً، المشكلة لا في الدين، الدين توقيفي لا يضاف عليه، ولا يحذف منه، إن أضفنا عليه اتهمناه بالنقص، إن حذفنا منه اتهمناه بالزيادة، دين توقيفي، أين التجديد؟ في الخطاب الديني، الخطاب الديني حينما يخاطب العقل أولاً، إذاً ما الإنسان؟ الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، فهذه الثلاثة؛ نخاطب عقله بالعلم، ونخاطب قلبه بالحب، ونخاطب جسمه بتأمين احتياجاته الأساسية.
 فما لم يتجه أي كيان قوي في الأمة إلى تلبية حاجة الإنسان العقلية في إتاحة العلم الشرعي لكل أطياف الشعب، وما لم يتجه إلى تلبية حاجة القلب بتحقيق قيم الحب الأصيل بدل من قيم الكراهة والعداء، وما لم تلبّ حاجات الإنسان الحقيقية الأساسية لن نرتقي، أعط المواطن رغيف خبزه وكرامته وخذ منه كل شيء.
المذيع:
 هل الطريق طويلة وشاقة إلى أن نصل إلى هذه النقطة التي تذكرها فضيلتك؟

العنف لا يحل بالعنف بل بتلبية المطالب والحاجات :

الدكتور راتب:
 والله هذه الطريق طويلة وقصيرة بآن واحد، إذا بدأنا بها انتهينا منها، المشكلة أن نبدأ، حينما نفكر تفكيراً صحيحاً هذا الإنسان ما حاجاته؟ لم العنف؟ العنف لا يلد إلى العنف، هذه مقولة خطيرة جداً، أي إنسان قوي سلك طريق العنف يتوهم أنه بالعنف ينهي الموضوع، لا بل يفاقم الموضوع بالعنف، العنف لا يحل بالعنف، العنف يحل بتلبية المطالب والحاجات، وأي قوي غفل عن هذه الحقيقة يزداد العنف عنفاً، أي هذه النار إذا فكرت أن تطفئها بالزيت ازدادت اشتعالاً، ينبغي أن تطفأ بالماء لا بالزيت، فمن يستخدم القمع كأداة وحيدة بحلّ مشكلته هو بالحقيقة يطفئ النار بالزيت.
المذيع:
 وهذه الفرضية التي تتحدث عنها الآن آمن بها فلاسفة الإغريق والغرب تباعاً، عندما قالوا: الآخر هو الجحيم، والإنسان ذئب الإنسان، والعنف لا يولد إلا العنف.
 نستطرق إلى بداياتك في التعرف على أسماء الله الحسنى، عرفت فضيلة الشيخ باهتمامك الكبير والدقيق أيضاً في ذلك الوقت بأسماء الله الحسنى، ما سرّ هذا الاهتمام؟ وما سرّ التعلق بأسماء الله الحسنى؟

ضعف الإيمان في العالم الإسلامي سببه ضعف الإيمان بالآمر :

الدكتور راتب:
 والله أنا منطلق من حقيقة رسخت في كياني رسوخاً عميقاً جداً أنك إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تتفنن في معصية الآمر، أما إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تتفانى في طاعة الآمر، فأنا أقول: ضعف الإيمان في العالم الإسلامي سببه ضعف الإيمان بالآمر، من هو الله؟ النبي الكريم بقي في مكة سنوات طويلة تزيد عن العشر يعرف بالله وبالدار الآخرة، التشريع جاء في المدينة، فلا بد من معرفة الآمر، أي من هو الآمر؟
 بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، أقرب نجم ملتهب عدا الشمس أربع سنوات ضوئية فقط، ماذا تعني أربع سنوات ضوئية؟
 أي الضوء يقطع في الثانية ثلامئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع وعشرين، في العام ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، بأربع سنوات ضرب أربع. رقم فلكي، هذا الرقم يحصى في دقيقتين بآلة حاسبة، لو كان هناك طريق إلى هذا النجم الملتهب أقرب نجم على الإطلاق ملتهب لو كان هناك طريق ولدينا مركبة، نحتاج إلى خمسين مليون عام كي نصل إليه، خمسون مليون عام كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب. متى نصل إلى نحم القطب؟ أربعة آلاف سنة ضوئية، كنا بأربع سنوات، متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة؟ مليونا سنة ضوئية، متى نصل إلى أحدث مجرة اكتشفت حديثاً؟ أربعة وعشرون ألف مليون سنة ضوئية، افتح القرآن:

﴿ فَلا أُقسِمُ بِمَواقِعِ النُّجومِ ﴾

[سورة الواقعة: ٧٥]

 أي بالمسافات بين النجوم.

﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعلَمونَ عَظيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة: ٧٦]

 فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً. فالإنسان إذا عرف الله عرف كل شيء، وخضع له طواعية، أكاد أقول: المشكلة الأولى ضعف المعرفة بالآمر، الأمر بين أيدينا درسناه في كل مراحل التعليم، بالآمر! بالله سبحانه وتعالى.
المذيع:
 أكثر الأسماء، أو أكثر اسم توقف عنده فضيلة الشيخ الدكتور؟

 

أقرب اسم للإنسان اسم الرحمن الرحيم :

الدكتور راتب:
 والله اسم الرحمن الرحيم، الرحمن في ذاته، الرحيم في أفعاله، لذلك أنت تحب الرحيم، يوجد أسماء أقرب لنا من أسماء أخرى، اسم الرحمن الرحيم أقرب اسم للإنسان، لأنه قال تعالى:

﴿ فَبِما رَحمَةٍ ﴾

[ سورة آل عمران: ١٥٩]

 يا محمد:

﴿ فَبِما رَحمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُم ﴾

 أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا لنت لهم، فلما لنت لهم التفوا حولك وأحبوك، ولو كنت منقطعاً عنهم لامتلأ القلب قسوة ولانعكست القسوة غلظة فانفضوا من حولك، هذا قانون الالتفاف والانفضاض، يحتاجه الأب، الأم، الأخ الأكبر، رئيس الدائرة، إلى أعلى منصب قيادي، من الخفير إلى الأمير.

﴿ فَبِما رَحمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾

 أنت إذا اتصلت بالله يمتلئ القلب رحمة، تنعكس الرحمة ليناً في المعاملة، يلتف الناس حولك، فإذا كل إنسان له مركز قيادي أراد أن يحبه من حوله ويتفانوا في خدمته وطاعته فليرحمهم، وإذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي.
المذيع:
 والله جميل يا دكتور، دكتور الآن نحن مجبرون عن الحديث عن قيمة جميلة جداً ألا وهي التفاؤل، لتكن لدينا كسلاح لنواجه بها الحياة بمتغيراتها، لتحدثنا فضيلتكم عن هذه القيمة وكيف يجسدها الإنسان المسلم في حياته وفي أفعاله؟

 

التفاؤل و كيفية تجسيده في حياة المسلم :

الدكتور راتب:
 التفاؤل مرتبط بالإيمان فقط، فأنت إذا آمنت أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، مربياً رحيماً، مسيراً حكيماً، وأن الأمر بيده، وهو بثانية واحدة يحق حقاً ويبطل باطلاً، مادام يوجد إيمان بالله فأنت متفائل قطعاً، لأنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، والله ينتظرنا، ينتظر توبتنا، ينتظر عودتنا، ينتظر إخلاصنا، فكل شيء يدعو إلى التفاؤل في الإسلام، والدنيا جنة، ابن تيمية ماذا يقول؟ قال: "ماذا يفعل أعدائي بي، بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي" لمجرد أن تعرف الله يجب أن تكون سعيداً، وإن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكن أتقى مني، هذه مشكلة بإيماننا، إله هو الرحيم القوي الحليم الغني المقتدر الحق، أسماؤه كلها حسنى، فأنت إذا آمنت بأسمائه الحسنى، لم يعد توجد في الأرض إطلاقاً أي مشكلة، لا توجد مشكلة إلا بسبب ضعف إيماننا، أو ضعف استقامتنا.

المذيع:
 الغرب يتهم العرب ويتهم المؤلفين بالعلوم الشرعية وبمختلف العلوم أنهم مقصرون في قضية التأليف، وفي ذات الوقت نجد الدكتور محمد راتب النابلسي يصدر عشرة أجزاء عن كتابه الأخير: تفسير القرآن الكريم.

ضرورة الجمع بين تأليف القلوب وتأليف الكتب :

الدكتور راتب:
 أنا لدي كلمة دقيقة قبل ذكر التأليف، الإمام الغزالي كان يحضر في درسه أربعمئة عمامة، أربعمئة عالم! ولكن من هو الغزالي لولا إحياؤه؟ كتاب إحياء علوم الدين، فبالكتاب الإنسان يستمر.
 لذلك هناك من يؤلف القلوب، وهنالك من يؤلف الكتب، تأليف القلوب أعمق أثراً وأخفض أمداً، أما تأليف الكتب فأقل أثراً وأطول أمداً، فالغزالي كان يوجد في درسه أربعمئة عمامة، لكن من هو الغزلي لولا إحياؤه؟! فأنا أريد أن أقول لإخوتي الدعاة: اجمع بين تأليف القلوب وتأليف الكتب، تأليف القلوب أعمق أثراً، لكن لابد من تأليف الكتب ليبقى هذا العلم مستمراً، ينتفع الناس من بعده.
المذيع:
 نعرض الآن الحديث حول المؤلف الأخير لك.

تنقيح دروس الدكتور راتب و ضبط نصوصه و صفحاته :

الدكتور راتب:
 والله لي درس في جامع النابلسي، هذا جامع بالقرب مني، أنا أعطيت فيه دروساً من عام ألف وتسعمئة وأربعة وسبعين حتى الآن، قبل خروجنا من سوريا، هناك درس أساسي جداً، أول درس وأقوى درس درس التفسير، أحضّر له أسبوعاً بكامله، ثم ألقي الدرس وأسُجله على أشرطة كاسيت قديماً، بعد مضي تقريباً خمسة وثلاثين عاماً، وفي الأردن خمسة أعوام انتهى التفسير، فالتفسير عمره يقدر بأربعين سنة تقريباً، نقح تنقيح دقيقاً جداً أي ضبطت نصوصه وصفحاته، عدل، المتكرر حذف، هنالك لجنة اشتغلت به خمس سنوات، وصار تفسير النابلسي، أصدر من نحو شهرين أو ثلاثة، وطبعاً نفذت في أيام، والثانية نفذت والآن الطبعة الثالثة.
المذيع:
 أعطاك الله الصحة والعافية وفتح لك من أبواب الخير.
 آخر سؤال موجه لك فضيلة الشيخ عن قضية الإعجاز العلمي، تحدثتم كثيراً عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ولكن أيضاً هنالك من يهاجم هذا الإعجاز.

الإعجاز العلمي في القرآن شهادة الله للنبي أنه نبيه :

الدكتور راتب:
 الأنبياء جاؤوا بمعجزات هي شهادة الله لهم أنهم أنبياؤه، سيدنا موسى ضرب البحر أصبح طريقاً يبساً، سيدنا عيسى أحيا الميت، لا يوجد نبي إلا وأيد بمعجزة وهي خرق لنواميس الكون، كشهادة لله له أنه نبيه، النبي الكريم له وضع آخر هو خاتم الأنبياء، رسالته خاتمة الرسالات، فالمعجزة ينبغي أن تكون مستمرة، مستمرة إلى أبد الآبدين، ولن تكون مستمرة إلا إن كانت علمية، كيف تكون علمية؟ آية قرآنية:

﴿ غُلِبَتِ الرّومُ* في أَدنَى الأَرضِ ﴾

[سورة الروم: ٢-٣]

 أدنى الأرض، بعد اكتشاف أشعة الليزر، قيست بها المسافة، أعمق نقطة في الأرض هي غور فلسطين، والمعركة تمت بغور فلسطين، فأدنى الأرض فيها إعجاز علمي، الله قال:

﴿ أَدنَى الأَرضِ ﴾

 والآن نحن اكتشفنا أدنى الأرض.
 بعد مضي مئة عام على علم الأجنة تيبن أن نوع الجنين لا تحدده البويضة بل يحدده السائل المنوي، تفتح القرآن:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنثى* مِن نُطفَةٍ إِذا تُمنى ﴾

[سورة النجم: ٤٥-٤٦]

 إشارات. أي شيء اكتشف حديثاً تأتي آية قبل ألف وأربعمئة عام و تتحدث عنه، طبعاً هنالك آلاف الشواهد، يوجد آلاف الشواهد.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 هكذا نصل إلى ختام هذه الحلقة ونحن سعداء مرة ثانية بوجودك معنا، ونرجو من الله سبحانه وتعالى أنك تقضي وقتاً رائعاً هنا في سلطنة عمان.
الدكتور راتب:
 أشكر لكم دعوتكم الكريمة واحتفاءكم بي وأنا شاكر والله لكل أطراف ولكل أطياف المجتمع قاطبة.
المذيع:
 أعطاك الله العافية.
 إذاً هكذا عزيزي المشاهد نصل إلى ختام هذه الحلقة من برنامجكم: ضيوف عمان، على أمل أن نلقاكم في حلقة قادمة وضيف أيضاً من هذا الوطن العربي الكبير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018