مختلفة - الأردن - المحاضرة : 17 - عمان ، جمعية الغراء الخيرية - علة وجود الإنسان، العمل الصالح، نقل الفقير من الفقر إلى الغنى. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23ندوات مختلفة - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الأردن - المحاضرة : 17 - عمان ، جمعية الغراء الخيرية - علة وجود الإنسان، العمل الصالح، نقل الفقير من الفقر إلى الغنى.


2014-07-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مسلمات العقيدة الإسلامية :

1 ـ الله جلّ جلاله واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود :

 أيها الأخوة الكرام؛ من مسلمات العقيدة الإسلامية أن الله جلّ جلاله واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، ما معنى ممكن الوجود؟ أي يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون، ويمكن أن يكون على ما هو كائن وعلى خلاف ما يكون، لو أن الله سبحانه تعالى كسؤال وضع الكفار في كوكب والمؤمنين في كوكب، لا يوجد عندنا مشكلة، لا يوجد صراع ولا حروب ولا ضغط على الدين، ولا يوجد أعداء للدين، كل هذه الموضوعات تنتهي إذا كان المؤمنون في كوكب والكفار في كوكب، أو لو أن الله جعل هؤلاء الكفار في قارة، والمؤمنين في قارة، أو جعل الكفار في حقبة والمؤمنين في حقبة، ما الحكمة التي نستنبطها من أن نعيش معاً؟ ما الحكمة من أن هناك مؤمنين وهناك كفار يتربصون بالمؤمنين؟ يعملون لإفقار المسلمين، ويعملون لإفسادهم ولإذلالهم ولإبادتهم، ما الحكمة؟ بعضهم قال: الحق لا يقوى إلا بالتحدي، وأهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية، فلذلك شاءت حكمة الله أن نكون على الأرض معاً، هناك قوي وضعيف، وغني وفقير، وحكيم وأحمق، ومسامح وحاقد، هذه الاثنينية في الأرض هدفها الامتحان، قال الله تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾

[سورة الملك:2]

2 ـ العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 لذلك أيها الأخوة من مسلمات العقيدة أيضاً أن علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح، والدليل الإنسان إذا اقترب أجله لسان حاله يقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً، ولا يندم الإنسان إلا عمل صالح فاته يوم القيامة، لأن علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح، أي أنا أريد أن أؤكد في هذا اللقاء الطيب أن العمل الصالح ليس وردة تضعها على طاولة، العمل الصالح هواء نستنشقه، فإن لم تستنشق الهواء مات الإنسان، وحينما يقول الله عز وجل:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾

[سورة النحل:21]

 يصف أهل الدنيا بأنهم أموات، لذلك سيدنا علي يقول: "يا بني العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزهو على الإنفاق، يا بني مات خزان المال وهم أحياء".
 طبعاً خزان المال ليس المقصود بهم المؤمنين، لكن والله أنت تشتهي الغنى من المؤمن، من تواضعه، من رحمته، من سخائه.

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :

 الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الدنيا حظوظاً، الحظوظ مقسمة في الدنيا، لكن موزعة - والكلام دقيق جداً - في الدنيا توزيع ابتلاء، فالغني ممتحن بماله، والفقير ممتحن بفقره، والقوي ممتحن بقوته، والضعيف ممتحن بضعفه، والذكي ممتحن بذكائه، والمحدود ممتحن بمحدوديته، فالحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، لكن الكلمة الدقيقة جداً وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.
 الابتلاء مؤقت، قد يعيش الإنسان بدخل محدود لكنه في طاعة الله، كسب الأبد، كسب الجنة إلى ما شاء الله، وقد يعيش الإنسان الذي أوتي المال الوفير ولم يرع حق الفقير فيه إلى زائل محدود ينتهي عند الموت، فيا أيها الأخوة؛ البطولة الذكاء العقل التفوق النجاح الفلاح في أن تتحرك وفق منهج الله.

العبادة طاعة طوعية :

 لذلك أنا أقول: من تعريفات العبادة أنها طاعة طوعية، الذي خلقنا حياتنا بيده، وقلبنا بيده، والنبض بيده، والشريان التاجي بيده، وسيولة الدم بيده، ومن حولنا بيده، ومن فوقنا بيده، ومن تحتنا بيده، والأقوياء بيده، والطغاة بيده، مع كل هذا ما قَبِلَ أن نعبده إكراهاً، بل أراد أن نعبده محبةً، قال تعالى:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة المائدة:54]

 وقال:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾

[سورة البقرة:165]

 أي الله عز وجل أراد أن تكون علاقة المحبوبية هي العلاقة التي يريدها بينه وبين عباده، فلذلك الإنسان يعبر عن محبته لله بإنفاق المال، أي الله عز وجل لو لم يجعل طرقاً للعمل الصالح لهلك الناس، فجعل الفقر والغنى، والقوة والضعف.

 

الزكاة تطهر الغني من الشّح و الفقير من الحقد :

 أنت حينما تعطي فقيراً هذا الفقير يرقى إلى الله لأنه عرف أن المجتمع لم ينساه، وهذا الغني أيضاً افتقر إلى الله، فحينما قال الله عز وجل:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التوبة:103]

 العلماء قالوا: الزكاة تطهر الغني من الشح، وتطهر الفقير من الحقد، وتطهر المال من التعلق به.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التوبة:103]

 الآن الغني حينما ينفق ماله، ويرى أثر إنفاق المال- جَبَرَ خاطرهم، أطعم جائعهم، كسا عاريهم، عَلَّمَ جاهلهم، آوى مشردهم- يشعر بقيمته في الحياة، تنمو نفسه، دائماً هناك تطهير ونماء، الغني يطهر من الشح، والفقير من الحقد، والمال من التعلق الحقيقي به، أما الغني إضافة إلى ذلك فتنمو نفسه حينما يرى آثار عمله، والفقير تنمو نفسه عندما يرى أن مجتمعه لم ينساه، والمال - دققوا في هذا الذي سأقوله - ينمو بطريقتين، ينمو بطريقة طبيعية وهو وفق قانون الأرض، وينمو بطريقة استثنائية وفق عناية الله، لذلك:

((ما نقص مال من صدقة))

[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً، أي أكاد أقول: إن علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح، وحجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح، ولا يندم الإنسان على شيء فاته من الدنيا إلا عمل صالح، لأنكم مدعوون في هذا اللقاء الطيب إلى أن تمدوا جمعيات بمالكم.

 

الجمعيات وسام شرف لأعضائها ولإدارتها ولمن يساهم في دعمها :

 الحقيقة أنا أرى أن الجمعيات مظهر حضاري، أي مؤسسة فيها مدير، فيها محاسب، فيها إيصالات، فيها منهج، فيها تحقيقات، فالإنسان يطمئن إذا دفع ماله لجمعية موثوق بها، فلذلك كأن هذه الجمعيات أخذت عن المؤمن الغني عاتق أو مسؤولية حسن التوزيع، فهذه الجمعيات أراحتك من البحث عن الفقير، لأني أعتقد أن الغني أحياناً يتوهم أنه بمجرد أنه أخرج المال من خزانته أدى زكاة ماله، لا، يجب أن تضعه في المكان المناسب، وكأني أقول دائماً: البطولة في الإنفاق أن تجعل آخذ الزكاة بعد حين دافعاً للزكاة، أن تصلح حاله، أن تجعل قابض الزكاة بعد حين دافعاً للزكاة، فلذلك هذه الجمعيات وسام شرف، والله وسام شرف لأعضائها، ولإدارتها، ولمن يساهم في دعمها.

الفرق بين النجاح و الفلاح :

 أكاد أنهي كلمتي بهذه الملاحظة: لو أن إنساناً أرسل ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه من السوربون، مدينة عملاقة مترامية الأطراف، فيها أحياء غنية، فيها قصور، فيها أسواق، فيها حدائق، فيها دور سينما، هذا الطالب الذي أرسله أبوه لينال الدكتوراه في هذه المدينة نقول المصطلح المعاصر علة وجوده في هذه المدينة نيل الدكتوراه، فعلة وجودنا في الدنيا العمل الصالح، لكن هناك فرقاً كبيراً بين النجاح والفلاح، النجاح قد تنجح بتسلم منصب رفيع، تملك ذكاء عالياً، وشبكة علاقات، وقد تنجح بجمع ثروة طائلة، هذا كله نجاح، لكن هذا النجاح يستأهل أن الموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، إلا أن الذي ينفق ماله في الدنيا لوجه الله ينفقه استثماراً، والذي ينفق ماله على حظوظه وشهواته في الدنيا ينفقه استهلاكاً، فلذلك يأتي الإنسان الذي انغمس في الشهوات فقيراً، والذي أنفق ماله لأنه قدم ماله أمامه سره اللحاق به، أي لو أن إنساناً مثلاً كان في بلد فيه صعوبات، ومشكلات، وإضرابات، وأرسل ماله إلى بلد آخر، بعد أن يكون ماله في بلد آخر يتمنى أن يلجأ لهذا البلد، فمن قدم ماله أمامه سره اللحاق به.
 اللهم وفق إخوتنا الكرام القائمين على هذه الجمعية والأخوة الحضور لما تحبه وترضى، واجعل عملهم خالصاً لوجهك الكريم، احفظ للجميع إيمانهم وأهلهم وأموالهم وصحتهم واستقراراً في بلدهم، وهذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018