مختلفة تونس : 6 - محاضرة في مدينة سوسة ، الجامع الكبير بسوسة - الإنسان والأمانة والفلاح . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30ندوات مختلفة - تونس
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة تونس : 6 - محاضرة في مدينة سوسة ، الجامع الكبير بسوسة - الإنسان والأمانة والفلاح .


2014-09-26

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، الحمد لله نحمده، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
 أيها الأحبة ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مع الدكتور محمد راتب النابلسي الذي شاع سيطه في كل العالم الإسلامي والذي عرف بالحكمة والعمق العقدي والتربوي ...
 أيها الأخوة الكرام ؛ استفادتكم من هذا المقام وهذا الدرس أنكم تنتبهون لكل كلمة ويجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول ...

 

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة عند الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بادئ ذي بدء أشكر للقائمين على هذه الملتقيات دعوتي فهي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي ، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم ، وإن وجدتم في كلمتي هذه ما كنتم تتوقعون فالفضل لله وحده ، وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل .
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وأولادكم ، أما الأخيرة فهذه نعمة كبرى لا يعرفها إلا من فقدها واستقرار بلادكم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في عالم الأزل خلق الإنسان وبعد أن خلق عرضت عليه الأمانة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب :72 ]

 لأنك من بني البشر أنت في عالم الأزل عرضت عليك الأمانة فقبلت حملها لأنك إنسان من بني البشر ، الآية :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب :72 ]

 لأنه قبِل حمل الأمانة كان الإنسان عند الله المخلوق الأول رتبة ، ولأنه المخلوق الأول رتبة ، قال تعالى :

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

[ سورة الجاثية: 13]

 والمسخر له أكرم من المسخر ، فأنت أيها الإنسان بادئ ذي بدء كائناً من كنت، بأي وضع كنت ، أنت عند الله المخلوق الأول رتبة ، ولأنك قبلت حمل الأمانة كلفك الله أن تقود نفسك إليه ، ما هي الأمانة ؟ قال : نفسك التي بين جنبيك ، أوكلك الله بها ، إنك إن عرفتها على ربها ، وحملتها على أن تتصل به ، وأن تعمل صالحاً لأجله زكاك الله ، قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9]

البشر عند الله نموذجان لا ثالث لهما :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تأتي كلمة نجح وتأتي كلمة أفلح ، فرق كبير بينهما ، قد تنجح في جمع المال هذا نجاح ، وقد تنجح في تسلم منصب رفيع هذا نجاح ، وقد تنجح في اختيار زوجة هذا نجاح ، ولكن الفلاح أن تحقق الهدف الذي خلقت من أجله ، الله عز وجل خلقنا للجنة ، لذلك هؤلاء البشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وطوائفهم ، وتابع قدر ما تستطيع هم عند الله نموذجان فقط لا ثالث لهما ، قال تعالى :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4 ]

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاث :

 على وجه الأرض سبعة مليارات ومئتا مليون إنسان ، كل إنسان يتحرك نحو هدف، أولاً : يتحرك ، هذا الكرسي كائن ساكن أما أنت فكائن متحرك ما الذي يحركك ؟ الحاجة إلى الطعام والشراب ، لولا الحاجة إلى الطعام والشراب ما وجدت على وجه الأرض شيئاً لا جامع ، ولا مدرسة ، ولا جامعة ، ولا بيت ، الحاجة إلى الطعام والشراب تحرك الإنسان للحفاظ على وجوده كفرد ، بعد أن أكل وشرب عنده حاجة ثانية ، عنده حاجة إلى الطرف الآخر ، إلى الزواج ، هذه الحاجة الثانية لحفظ بقاء النوع ، ولولا هذه الحاجة لانعدم الجنس البشري ، أما الحاجة الثالثة فقد سماها العلماء : تأكيد الذات ، أن تكون متفوقاً ، أن يشار إليك بالبنان ، هناك أول طبيب ، أول محامي ، عندك حاجة إلى الطعام والشراب لتحافظ على بقاء الفرد ، وحاجة إلى الزواج لتحافظ على بقاء النوع ، وحاجة إلى التفوق لتحافظ على بقاء الذكر ، وهذه الحاجات الثلاث محققة أكمل تحقيق في الإسلام ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 عند علماء الأصول المعنى المخالف : الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، في الإسلام لا يوجد حرمان ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل قناة نظيفة طاهرة مشرفة تسري خلالها ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 أي الهوى الذي أودعه الله فيك جعل له قنوات نظيفة تسري خلاله .

 

توقف المعالجات الإلهية للإنسان إن آمن و شكر :

 حينما قبِل الإنسان حمل الأمانة سخر الله عز وجل له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، موقفك أيها الإنسان من تسخير التعريف أن تؤمن ، وموقفك الآخر من تسخير التكريم أن تشكر ، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك ، الآن دقق في قوله تعالى :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147]

 فحينما تؤمن وحينما تشكر ، حينما تؤمن بأن هذا الكون سخر لك تسخير تعريف وحينما تشكر أن هذا الكون سخر لك تسخير تكريم ، حققت الهدف من وجودك ، وعندئذ تتوقف كل المعالجات ، لذلك الآية الدقيقة الدقيقة لها في حياة النبي معنى ، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى لها معنى آخر ، قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 وقفة متأنية عند : ما كان الله ، لو أن أحداً سألك : هل أنت جائع ؟ تقول : لا ، سؤال أجبت عنه بكلمة ، لكن لو إنسان لا سمح الله ولا قدر سألك وأنت إنسان محترم صادق أمين : هل أنت سارق ؟ تقول له : لا ؟ تقول له : ما كان لي أن أسرق ، هذا عند علماء البلاغة نفي الشأن ، أي هذا مستحيل أن أرضاه ، وأن أقبله ، وأن أسكت عنه ، عد علماء البلاغة أكثر من عشرة أفعال تلغى بهذه الصيغة . قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 أي بعد انتقال النبي مادامت سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، مادام منهج النبي ، ما دامت سنته القولية والعملية مطبقة فينا فنحن في مأمن من عذاب الله ، وما من مصيبة نزلت في الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل ، و الجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لأنك قبِلت حمل الأمانة في عالم الأزل ، ولأنك من بني البشر أنت مكلف أن ترد على اختيار الإيجاد ، أي خلق لك الكون تعريفاً أن تؤمن ، وعلى أن الكون خلق لك تكريماً أن تشكر ، فإذا آمنت وشكرت - دقق ولا أبالغ- توقفت كل المعالجات الإلهية ، قال تعالى :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147]

 إذا إنسان أجرينا له فحصاً في كليتيه ، فإذا إحدى كليتيه متوقفة عن العمل الأولى والأفضل أن تستأصل ، حدد له موعد لاستئصالها ، جاء للمستشفى الطبيب طلب صورة للكلية فإذا هي تعمل ، هل يستأصلها ؟

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147]

السعادة و النجاح في طاعة الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ سبعة مليارات ومئتا مليون هؤلاء جميعاً مسلم ، كافر ، غير مسلم ، أي إنسان على وجه الأرض من يحب الفقر ؟ القهر ؟ أنت حينما تصطلح مع الله :

(( إذا رجع العبد إلى الله ، نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ورد في الأثر]

 والله أيها الأخوة الكرام ؛ الخير كله ، والشعور بالأمن كله ، والسعادة كلها ، والتوفيق والنجاح في طاعة الله قال تعالى :

﴿ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

الكون هو أحد أكبر مقومات التكليف :

 أيها الأخوة الكرام ؛ فلما قبلت حمل الأمانة كنت إنساناً ، فلما جيء بك إلى الدنيا أنت أمام ما يسمى بمقومات التكليف ، أحد أكبر مقومات التكليف هذا الكون ، فالإنسان هو الكائن الأول يقرأ في الكون ، أي إنسان عربي ، غير عربي ، مسلم ، غير مسلم ، هناك شمس و أرض ، الشمس تكبر الأرض بمليون و ثلاثمئة ألف مرة ، أي جوف الشمس يتسع لمليون و ثلاثمئة ألف أرض ، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، والأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً ، أحد هذه البروج أشار القرآن إليها ، قال تعالى :

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1 ]

 هذا البرج برج العقرب ، أنا رأيته في أمريكا بقبة ، يصلون بين هذه النجوم بخطوط تصبح عقرباً ، وفي هذا البرج نجم اسمه قلب العقرب ، وهذا النجم يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية ، ماذا تعني أربع سنوات ضوئية ؟ الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر ، في الدقيقة ضرب ستين ، بالساعة ضرب ستين ، باليوم ضرب أربع وعشرين ، بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ، أربع سنوات ضرب أربع ، ابنك الصغير بآلة حاسبة يحسب هذه المسافة بالكيلو مترات ، بيننا وبين أقرب نجم ملتهب إلى الأرض ، لو أردنا أن نصل إليه بسيارة لاحتجنا إلى خمسين مليون عام ، كل تاريخ البشرية يقدر بألفي سنة ، خمسون مليون عام من أجل أن نقطع أربع سنوات ضوئية ، بعد الأرض عن نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية ، بعد الأرض عن مجرة المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية ، بعد الأرض عن أحدث مجرة مكتشفة ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، طبعاً من موسوعات علمية بأعلى مستوى من الدقة ، بعض المجرات تبعد عنا ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، الآن افتح القرآن :

﴿ فلا أقسم بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة : 75-76 ]

 مواقع أي المسافات بين النجوم ، إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

 

التفاني في طاعة الله عند معرفته و معرفة شرعه :

 لذلك أنت حينما تعرف الله أولاً ، وتعرف شرعه ثانياً ، تخضع له قطعاً ، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصيته ، أي قد تأتيك ورقة من البريد : تعال واستلم رسالة الساعة العاشرة ، لا تتحرك شعرة فيك ، قد تأتيك ورقة من جهة أخرى إن دخلت لا تخرج ، لا تنام الليل ، ما الفرق بينهما ؟ الآمر، إذا عرفت من هو الآمر تعد للمليار قبل أن تعصيه ، لماذا ؟ أقول : قد تركب مركبتك وهناك شرطي واقف ، وشرطي على الدراجة ، وضابط المرور جالس في السيارة ، وأنت موطن عادي لا تملك أي ميزة ، هل تتجاوز الإشارة ؟ لا ، لماذا ؟ لأن واضع قانون السير علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، ممكن الساعة الثالثة ليلاً تتجاوز لأن علمه لا يطولك ، أو إذا كنت أقوى من واضع القانون ، إذاً أنت تتجاوز بحالتين ؛ إنسان علمه لا يطولك أو أن قدرته لا تطولك ، فإذا كان علمه يطولك وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه وهو من بني البشر ، المثل واضح ؟ اسمعوا قوله تعالى :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

 نقطتان :

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

 علمه يطولك وقدرته تطولك فكيف تعصيه ؟

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــا  فإنا منحنا بالرضــــــــا مـــن أحبنـــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنـــابنـــــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشــــــــرار خلقنــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة و الهنــــــا
وسلِّم إلينا الأمر في كلِّ مـا يكن  فما القرب والإبعـــــــاد إلا بأمرنــــــــــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لــــــي  أيا عبدنــا ما قــــــرأت كتابنــــــــــــــــــــــا
أما تستحي منا ويكفيك مـا جـرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظر مــــــا به جــــــــــاء وعدنـــــــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــاً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعنا

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليــــــــــت عنا لغيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجــــب وجئتنــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــــة ذرة  عــــذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة  لمــــت غـــــريباً واشتياقـــــــــــاً لقربنا
***

التفكر يضع الإنسان وجهاً لوجه أمام عظمة الله :

 لأنك قبلت حمل الأمانة أعطاك الله مقومات التكليف ، أحد هذه المقومات الكون ، هذا الكون ينطق بوجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، هذا الكون يشف عن أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، هذا الكون يدلك على الله ، لذلك قال تعالى :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 لذلك العبادة الأولى عبادة التفكر ، وهذه الآية أصل في التفكر ، هذه العبادة تضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله عز وجل ، وهذه العبادة تعد أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك آيات كثيرة جداً هذه الشمس وذاك القمر ، الأرض تدور حول الشمس ، والقمر يدور حول الأرض دورة كل شهر ، الموضوع في الرياضيات .
 لو وصلنا خطاً بين مركز الأرض ومركز القمر ، هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض ، لو ضربنا هذا الرقم باثنين لكان القطر ، لو ضربنا بالبي 3,14 لكان المحيط ، لو ضربناه بثلاثين بالشهر ثم بألف ، لو عرفت سرعة القمر بالثانية ثم بالدقيقة ثم بالساعة ثم باليوم ثم بالسنة ثم بألف سنة ، إذا قسمنا هذه المسافة أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام على ثواني اليوم ، لكانت سرعة الضوء ، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[ سورة الحج الآية : 47]

 ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء بيوم واحد ، قسم ما يقطعه الضوء في يوم واحد على أربع وعشرين على ستين على ستين تكون سرعة الضوء 652 299 ، هذه النظرية جاء بها أنشتاين وهي في القرآن الكريم .

 

مقومات التكليف :

 لذلك أيها الأخوة الكرام ؛ الذي أتمنى أن يكون واضحاً تماماً أن من المقومات الكون و العقل ، والعقل عليه إشكال كبير ، ما أودع فيك العقل إلا كي تستخدمه في التأكد من صحة النقل ، وفي فهم النقل ، لكن لن يكون العقل حكماً على النقل ، النقل وحي السماء ، إذا إنسان قبل خمسين سنة استيقظ من قبره فأعطيناه قرصاً فيه تقريباً خمسة عشر ألف عنوان ، وكل عنوان عبارة عن ثلاثين كتاباً ، ممكن أن تبحث بالخمسة عشر ألف عنوان كتاب ضرب ثلاثين أو أربعين ، تأخذ الجواب ، فلو أعطيناه هذا القرص هل يصدق ؟ هذا ما كان في عصره ، الآن ممكن أن تجتمع العلوم كلها بشريحة ، هناك تقدم الآن مذهل ، لذلك الذي عاش قبل لا يصدق، الشاهد على ذلك أن الله عز وجل أعطاك عقلاً مرتبطاً بالواقع ، أما الوحي فمرتبط بالخالق ، مستحيل وألف ألف مستحيل لماذا ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ مثل بسيط جداً الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، لأن هناك نقلاً غير صحيح ، أحاديث موضوعة ، ضعيفة ، هناك تأويل آيات غير صحيح ، النقل الصحيح بالتأويل الصحيح ، الخط الثاني العقل الصريح ، هناك عقل تبريري ، تأتي دولة عظمى إلى بلد عربي نفطي تحتله تقول : جئنا من أجل الحرية ، هذا اسمه عقل تبريري ، عندنا نقل صحيح ، عقل صريح ، فطرة سليمة ، الفطرة السليمة متوافقة مع الدين أما الفطرة المنطمسة فلا تتوافق ، الفطرة السليمة مع الواقع الموضوعي ، هناك واقع مزور .
 الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ؛ خط النقل الصحيح ، وخط العقل الصريح ، وخط الفطرة السليمة ، وخط الواقع الموضوعي . الله عز وجل كلفك أن تعبده أعطاك المقومات أحد المقومات الكون ، ثانيها العقل ، وثالثها الفطرة ، قال تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾

[ سورة الروم : 30]

 آخر شيء الواقع الموضوعي ، الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ؛ خط النقل الصحيح ، وخط العقل الصريح ، وخط الفطرة السليمة ، وخط الواقع الموضوعي .
 أي الحق ما جاء به وحي السماء ، وقبله العقل قبولاً تاماً ، وارتاحت إليه الفطرة ، وأكده الواقع الموضوعي .
 لذلك أيها الأخوة الكرام ؛ أعطاك العقل ، أعطاك الكون ، أعطاك الفطرة ، أعطاك الشهوة ، صدقوا ولا أبالغ ، لولا الشهوات التي أودعها الله فينا لما ارتقينا إلى رب الأرض والسموات ، الله أعطاك شهوات ، وأنت ممكن أن تتحرك بها مئة وثمانين درجة ، لكن الشرع سمح بمئة درجة ، اشتهيت المرأة تتزوج ، إذا الإنسان تزوج وملأ عينيه من محاسن امرأته هل عليه إثم ؟ أبداً ، الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ، شهوة الجنس لها قناة نظيفة رائعة راقية شريفة تتزوج ، اشتهيت المال اعمل ، اشتهيت المكانة اعمل عملاً صالحاً ، كل حاجات الإنسان النفسية محققة بهذا الدين ، والمقومات أعطاك الكون لأنه يشف عن أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، أعطاك العقل وهو جهاز لخدمتك ، لكن ليس حكماً على النقل ، بل النقل حكماً على العقل ، أعطاك هذا الجهاز كي تتأكد من صحة النقل ولتفهم النقل .
 النقل وحي السماء ، العقل مربوط بحاجاتك ، أعطاك النقل ، أعطاك العقل ، أعطاك الفطرة ، أضرب مثلاً لو إنسان ولد بجزيرة ، ما سمع شيئاً من الدين إطلاقاً ، وهو مع أمه ، هو جائع وأمه جائعة ، مثله اصطاد أرنب ، وأكله لوحده ، يشعر بحزن لا يوجد وحي ولا دين ولا شيء في الجزيرة يشعر بأنه ارتكب ذنباً ، هذه الفطرة ، الفطرة متوافقة مع الدين مئة بالمئة ، والدليل قال تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾

[ سورة الروم : 30]

سلامة الإنسان باستقامته و سعادته بعمله الصالح :

 الذي أمرت به جبلت على حبه ، لماذا إذا تاب الإنسان يشعر بأن جبالاً أزيحت عن كاهله ؟ هذه السيارة الغالية جداً مصممة للطريق المعبد ، امش بها في طريق غير معبد صخور ، ما هذه الأصوات ؟ أنت السبب لأنك مشيت بها في طريق وعر ، تحتاج إلى دبابة وليس للسيارة ، فأنت حينما تصطلح مع الله اصطلحت مع الله ، واصطلحت مع نفسك ، وشعرت بسعادة ، أنا لا أصدق إنساناً على وجه الأرض إلا ويشعر بسعادة إذا استقام ، والسلامة بالاستقامة ، والسعادة بالعمل الصالح ، أنت قدمت شيئاً إلى الله ، تصدقت ، أطعمت ، عملت عملاً ، هذا العمل صعد إلى السماء ، قال تعالى :

﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[سورة فاطر: 10]

 أنت بالسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، صدق ولا أبالغ إذا لم تقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني عندك مشكلة ، إن لم تقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني عندك خلل ، أنت مع الخالق ، مع الغني ، مع المحب ، مع اللطيف ، مع الجميل ، هناك أشياء جميلة في الأرض أخذت من جمال الله مسحة ، أحياناً طفل صغير ، أحياناً منظر الفاكهة جميل ، كل شيء جميل في الأرض أخذ من جمال الله مسحة .

 

الصلاة ذكر لله :

 أنت في الصلاة تتصل مع أصل الكمال و الجمال والنوال ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه:14]

 الصلاة ذكر لله ، وهناك آية ثانية ، قال تعالى :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 152]

 أنت إذا صليت ذكرت الله ، فكيف يذكرك الله ؟ الله عز وجل إذا ذكرك منحك نعمة الأمن ، وهي أثمن نعمة على الإطلاق ، ولا تكون إلا للمؤمن حصراً ، قال تعالى :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 81-82 ]

السكينة و الأمن نعمتان يسعد الإنسان بهما و لو فقد كل شيء :

 أعطاك نعمة الأمن ، أعطاك نعمة السكينة ، أنت بالسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، هذه السكينة شعر بها سيدنا إبراهيم وهو في النار ، قال تعالى :

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 69]

 شعر بها أهل الكهف وهم في الكهف ، مهما كان الوضع سيئاً أنت بالسكينة تسعد بها ، سيدنا يونس التقمه الحوت ، هل هناك من مصيبة أكبر من أن تجد نفسك فجأة في بطن حوت ؟ كل وزنك لقمة وحدة ، ظلمة الليل و ظلمة البحر و ظلمة بطن الحوت ، قال تعالى:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87-88]

 القصة انتهت جاء القانون ، قال تعالى :

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 88]

 مهما كانت المصيبة صعبة ، في بطن الحوت ومع ذلك نادى في الظلمات - ظلمة الليل و ظلمة البحر و ظلمة بطن الحوت - قال تعالى :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87-88]

 الله جعل هذا القانون في القرآن ، والقصة في القرآن لا يوجد بها تفاصيل ، لو كان بها تفاصيل تتوهم أنها وقعت ولن تقع مرة ثانية ، أراد الله عز وجل أن تكون قانوناً :

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 88]

خاتمة و توديع :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أرجو الله أن يحفظ لكم إيمانكم وأهلكم وصحتكم ومالكم واستقرار بلادكم والحمد لله رب العالمين .
 بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ،  وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم احقن دماء المسلمين في الشام ، يا حنان ويا منان ، وانصرهم على أعدائهم يا رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018