ندوة قناة الشرقية : الإيمان في الأزمات : الأزمات تكشف المنافقين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠77ندوة : الإيمان في الأزمات - قناة الشرقية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ندوة قناة الشرقية : الإيمان في الأزمات : الأزمات تكشف المنافقين .


2015-12-21

مقدمة :

المذيع:
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم مشاهدينا الكرام، في الحملة الوطنية لمكافحة الإرهاب والتطرف، حلم يعيشه الناس يقولون: متى تنتهي الأزمات؟ نحن مؤمنون بالله فلماذا تأخر الفرج؟ أسئلة كثيرة يبحث عن إجابتها الكثير، ولعل ضيفنا الكبير فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، الداعية الإسلامي يجيبنا اليوم في حلقة: الإيمان في الأزمات، السلام عليكم دكتور.
الدكتور راتب:
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المذيع:
 حياكم الله، بداية من هو المؤمن الحق؟

تعريف بالمؤمن الحق :

الدكتور راتب:
 الحقيقة الدقيقة أن الإيمان تصور وسلوك، فما لم يتحرك الإنسان وفق منهج الله عز وجل، إيمانه عندئذ لا يقدم ولا يؤخر، حينما لا يتحرك ولا يقف المواقف التي تليق بإيمانه، ولا يبحث عن الحقيقة، ولا ينصر الحق، انتماؤه إلى الإسلام انتماء شكلي، لا وزن له إطلاقاً عند الله عز وجل، فما لم نتحرك وفق منهج الله، ما لم ننطلق وفق مرضاة الله، ما لم نتعاون مع إخوتنا المؤمنين، فلن نستطيع أن نحقق الذي كنا نصبو إليه، هذه الحقيقة الأولى؛ أي الله عز وجل قال:

﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾

[سورة التوبة:54]

 " الكفر" عندنا كفر يخرج من الملة، و هناك كفر دون كفر، فالإنسان الذي لا يقيم للحق وزناً، ولا يتحرك وفق منهج الله، هذا لم يعبأ بمنهج الله، هذا انتماؤه شكلي، الانتماء لا يقدم ولا يؤخر.
المذيع:
 نعلم أن الإيمان بالله عقيدة ثابتة في النفس، فهل يمكن لأي أزمة أن تؤثر فيه؟

 

التحرك وفق العقيدة الإسلامية :

الدكتور راتب:
 قبل ذلك، ما لم تتحرك وفق عقيدتك لا قيمة لعقيدتك.
المذيع:
 كيف تتحرك وفق العقيدة؟
الدكتور راتب:
 هناك أمر و نهي، ما لم تأتمر بما أمر الله، وما لم تنته عما نهى الله عنه، ما لم تقف مع المؤمنين، ما لم تكره الكفر والفسوق والعصيان، فحينما لا تحقق هذه المسلمات في الدين لا قيمة لانتمائك الشكلي إلى الإسلام إطلاقاً.
المذيع:
 والسؤال: قلت لك: نعلم بأن الإيمان بالله عقيدة ثابتة في النفس، فهل يمكن لأي أزمة أن تؤثر في هذه العقيدة الثابتة؟

 

الأزمات تضعضع ضعاف الإيمان فقط :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أن الأزمات تضعضع ضعاف الإيمان فقط، الأزمات الطاحنة تضعضع ضعاف الايمان، لذلك في غزوة الخندق، قال تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾

[سورة الأحزاب:23]

 لكن بعضهم قال:

﴿مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[ سورة الأحزاب:12 ]

 الحقيقة أن الأزمات كاشفة: "لا تكرهوا الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين ".
 الأمور في الوضع السالم العادي غير واضحة، تأتي الأزمة تفرز المؤمنين وغير المؤمنين، فما لم تكن حركة الإنسان وفق مبادئه وقيمه وأهدافه النبيلة لا جدوى لإيمانه، " كل يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك".
 أنا أرى ألا تكرهوا الفتنة، الفتنة فاحصة، الفتنة مبينة، الإنسان ينكشف بالفتنة، في الرخاء الأمور مختلطة، الأوراق ليست واضحة، أما عندما تأتي فتنة، هناك من يقف مع الحق، هناك من يقف مع الباطل، هناك من يقف مع مبادئه، و هناك من يقف مع مصالحه، فالفتنة كاشفة، " لا تكرهوا الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين ".
 والحقيقة الآن كل شيء كشف، أي الذي جرى في الشرق الأوسط، كشف أوروبا، الفرق الضالة انكشفت، لو ندفع مليارات لنبين حقيقة هؤلاء لا نستطيع إلا من خلال هذه الفتنة .
المذيع:
 كيف نتعامل مع الفتنة؟

 

كيفية التعامل مع الفتنة :

الدكتور راتب:
 والله نحتاج إلى حكمة بالغة، ينبغي ألا نضرم نارها، أنا أرى أن هناك سلوكاً راقياً جداً جداً اسمه: التدخل الإيجابي في الموضوع ، أنا أضرب مثلاً آخر: لو فرضنا بلداً فيها وزير تموين، وفيها محلات ترفع الأسعار، تقدم بضاعة فاسدة مثلاً، عن طريق القمع وطريق التدخل الإيجابي الدولة تنشئ مؤسسات تبيع أفضل بضاعة بأفضل سعر، وبأطيب معاملة تجذب إليها كل الناس، هؤلاء الغشاشون إن لم يقلدوا الدولة في استقامتها مثلاً يموتون من الجوع، هذا أسلوب راق جداً اسمه التدخل الإيجابي، فإذا كان هناك أخطاء من كل الأطراف وهناك فوضى قيمية وفوضى أخلاقية وفوضى في النظم والمعاملات تكون الفتنة كبيرة جداً.
المذيع:
 الأزمات أنواع، فما هو علاجها؟

 

الإسلام دين فردي و جماعي بآن واحد :

الدكتور راتب:
 لكن قبل ذلك أتمنى أن أبين حقيقتين؛ الأولى: الإسلام دين فردي ودين جماعي بآن واحد، بمعنى أن الأمة إن طبقت هذا الدين تنتصر، الدليل:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[سورة الأنفال :33]

 أي يا محمد مادام منهجك، ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم فهم في مأمن من غضب الله، من نصر إلى نصر، من توفيق إلى توفيق، من تقدم إلى تقدم، من تفوق إلى تفوق، هذا على مستوى الأمة، على مستوى الفرد:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾

[سورة النساء:147]

 لو أن الأمة تفلتت ولم تعبأ بهذا الدين، ولم تجعل له قيمة، وأنت فرد وحدك إن طبقت الجانب الفردي في الإسلام تقطف كل ثمار الإسلام الفردية، أنت فرد تستطيع أن تقطف كل ثماره الفردية، من سكينة، من راحة نفسية، من تألق، من سعادة، من توفيق في عملك، في بيتك، مع أهلك، مع أولادك، يمكن أن تحقق جميع الإيجابيات الإسلامية الفردية، إن طبقت الإسلام وحدك، أما إذا طبقته الأمة فستنتصر، أي عظمة هذا الدين أنه في وقت واحد فردي و جماعي.
المذيع:
 ما الذي يعيق الأمة أن تطبق الإسلام؟

 

بُعد الأمة عن الدين يعيق تطبيقها للإسلام :

الدكتور راتب:
 بعدها عن الدين، بعد قيادتها عن الدين، رؤيتها للأقوياء وخضوعها لهم، أنت حينما لا تدخل الله جلّ جلاله في حساباتك تخاف من القوي طبعاً، والقصة كما يلي: أنت مؤمن بالله، مؤمن به فعال، على كل شيء قدير، يمكن أن ينصرك ولو كنت ضعيفاً؟ ممكن، هذا الايمان يقويك، هذا الإيمان يعينك على أن تقيم منهج الله في حياتك، أما إذا كان هناك ضعف بالإيمان، ترى الأقوياء مهيمنين، مسيطرين، تخشى عقابهم.
المذيع:
 قلنا: الأزمات أنواع فما علاج الإيمان أولاً لأزمة الأمن؟

الإيمان يحمل الإنسان على طاعة الله و يعينه على تحمّل الشدائد :

الدكتور راتب:
 الأمن فردي وجماعي، والدليل:

﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[سورة الأنعام:82]

 أنت حينما توقن أن هناك إلهاً عظيماً، الأمور كلها بيده، في قبضته، هو الفعال، هذا معنى لا إله إلا الله، لا مسير، لا رافع، لا خافض، لا معز، لا مذل، لا معطي، لا مانع، إلا الله، سيدي الدين كله مضغوط بالتوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، أقول لك كلمة دقيقة : لا يمكن أن يسلمك الله إلى غيره ، وإذا أسلمك إلى غيره لا يستحق أن تعبده، قال لك :

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة هود:123]

 الأمر - ال - للجنس، بمعنى أي أمر، كله توكيد، فاعبده، متى أمرك أن تعبده؟ بعد أن طمأنك، أنت حينما تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله والذي يعينك على مواجهة الشدائد، هذا الإيمان هو سرّ انتصار الصحابة في العالم، الصحابة كانوا قلة وضعافاً، إيمانهم قواهم، أي لا تنظر إلى العدد إطلاقاً.

﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة البقرة:249]

 الله مع الصابرين.
المذيع:
 من علّم الصحابة؟
الدكتور راتب:
 الوحي علمهم، النبي بينهم، وبعد انتقال النبي الوحي بين أيديهم، والوحي بين أيدينا.
المذيع:
 الأمة الإسلامية جمعاء، إذاً الأمة تقرأ نفس القرآن وتدرس نفس السنة، ما الذي اختلف؟

 

الإسلام منهج تفصيلي و العبادة علة وجود الإنسان في الحياة :

الدكتور راتب:
 اختلف أنك حينما تقرأ القرآن تعبداً ولا تعتقد أن هذا منهج إن طبقته انتصرت، في قراءته تبرك، في قراءته تعبد، هذه لا تقدم ولا تؤخر، حينما تضع المصحف في غرفتك بغلاف جميل، بتطريز، ليس هذا هو الدين، إن وضعت في غرفة الضيوف آية الكرسي، علقت على مركبتك مصحفاً صغيراً، ليس هذا هو الدين، هذا تبرك، الدين منهج.
 أخي الكريم؛ الدين منهج تفصيلي، أكبر خطأ وقع به المسلمون أنهم توهموا أن العبادات الشعائرية، الصلاة الصوم الحج الزكاة هي الدين، هذه عبادات شعائرية، بني الإسلام على خمس، الإسلام غير هذا، الإسلام منهج تفصيلي يبدأ من أدق علاقاتك البيتية إلى العلاقات الدولية، أنا لا أبالغ قد يكون الإسلام خمسين ألف بند، إذا فهمنا الإسلام عبادة شعائرية، صلينا وصمنا وحججنا وزكينا، البيت غير إسلامي، الدخل غير إسلامي، الإنفاق غير إسلامي، الحرفة غير إسلامية.
المذيع:
 كيف هنا افعل ولا تفعل؟
الدكتور راتب:
 هناك منهج، أنت معك منهج، فيه أمر ونهي، معنى مسلم أي انتهى عما نهى الله وائتمر بما أمر الله، هذا المنهج، يحتاج إلى طلب علم، إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يضع دالاً بجانب اسمه إلا بعد دراسة ابتدائية متوسطة ثانوية وليسانس في الآداب أو بكالوريوس في العلوم ودبلوم عامة ودبلوم خاصة وماجستير ودكتوراه من أجل - دال- فكلمة مؤمن التي تستحق الجنة، ألا تحتاج إلى طلب علم؟ ألا تحتاج إلى معرفة الحقيقة؟ إذا الإنسان لا يقطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله، من أنت؟؟ أنت المخلوق الأول عند الله، أنت خلقت لجنة عرضها السموات والأرض، الأول قاطبة، قال الله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات:56]

 أنت مكلف أن تعبد الله، سأقول لك كلمة دقيقة: لو أرسل أحدهم ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه من السوربون، هذه المدينة العملاقة الكبيرة مترامية الأطراف، فيها سجون وملاه، وفيها دور سينما ومسارح، فيها جامعات، فيها أسواق، فيها أبنية، فيها حدائق، فيها قصور، هذه المدينة العملاقة، هذا الطالب له من كل هذه المدينة الضخمة العملاقة هدف واحد، أنا أسميه علة وجود - الدراسة- فأنت في الدنيا، ما علة وجودك في الدنيا؟ افتح القرآن:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات:56]

 علة وجودك في الدنيا العبادة، العبادة ليست أن تصلي فقط، العبادة منهج تفصيلي، يبدأ بفراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، كسب مالك، إنفاق مالك، علاقتك بزوجتك، اختيار زوجتك، تربية أولادك، علاقتك بجيرانك، علاقتك بالأقوياء، علاقتك بالوالدين، علاقتك بالمجتمع، علاقتك بالأشياء الحديثة المعاصرة، هذه الفتن التي نراها كل يوم، فالقضية دقيقة جداً، ليست قضية عشوائية، توكلية، أسطورية، هذا الدين منهج من عند الخالق.
المذيع:
 من يحدد مسار الإنسان المؤمن والمسلم في هذا الاتجاه؟

 

الإنسان مخير لا مسير :

الدكتور راتب:
 نفسه، الإنسان مخير، الدليل:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[سورة الكهف:29]

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾

[سورة الإنسان:3]

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

[سورة الأنعام:148]

 في اللحظة التي تتوهم فيها أنك مسير ارتكبت أخطر خطأ عقدي وانتهى دينك.
المذيع:
 كيف تعتقد أنك مسير؟
الدكتور راتب:
 إذا اعتقدت أنك مسير بكل شيء، معنى هذا أنك ألغيت الاختيار كلياً، و لا يوجد معنى لدخول جهنم، لم تعمل شيئاً أنت؟ أنت الله سيرك ونفذت تسييره. قال الله تعالى:

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

[سورة الإنسان:3]

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الأنعام:132]

 آيات لا تعد ولا تحصى تؤكد أنك مختار، إذا ألغي الإختيار صار الدين تمثيلية سمجة، شيئاً مضحكاً، خلقه كافراً، لماذا خلقه كافراً؟ قدر عليه الكفر، أدخله النار، سيدي أحياناً الإنسان بعقائد غير صحيحة فاسدة يخرج من جلده، ما سبب عزوف الناس عن الدين؟ الخطاب الديني، الخطاب الديني غير ناجح إطلاقاً، أنت تؤكد على الجبر، أنك مجبور، قدر عليك ذلك، هناك أفكار تلقى في المساجد أحياناً، هذه تشلك، لو فرضنا مدير مدرسة جمع الطلاب أول يوم، قال: سأقرأ عليكم أسماء الناجحين آخر العام والراسبين، اذهبوا ادرسوا!! لا أحد يدرس، ما لم تؤمن أنك مخير، وأنك مخلوق للجنة، لا يوجد أن الله خلقه كافراً، هذه غير واردة إطلاقاً، ما من إنسان إلا خلق للجنة:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾

 قال:

﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

 هل يوجد أوضح من هذا!؟

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود :119]

المذيع:
 إذاً هنا تحدثنا عن علاج الايمان أولاً لأزمة الأمن، إذاً ماذا علاج أزمة الفقر؟

 

ضرورة طلب العلم :

الدكتور راتب:
 علاج الإيمان طلب العلم، ما لم تقتطع من وقتك وقتاً لمعرفة سرّ وجودك وغاية وجودك، الشهوات متحركة، هناك حلال، و حرام، عندك شهوة النساء، عندك شهوة المال، العلو في الأرض، شهوات تفعل فعلها في الإنسان، ما لم تنضبط هذه الشهوات، أي الشهوة تقريباً تشبه البنزين، سائل متفجر إذا وضع البنزين في المستودع المحكم في السيارة، وسار في الأنبوب المحكم، وانفجر في الوقت المناسب والمكان المناسب ولّد حركة نافعة، قد تقلك في العيد إلى مكان جميل، هذه انفجارات كلها، هذه الصفيحة نفسها إن صبت على السيارة وأصابتها شرارة أحرقت المركبة وما فيها. الشهوة إما قوة دافعة إلى الجنة، أو قوة مدمرة، والمادة واحدة.
المذيع:
 سؤالي هنا، هل يجب أن نعالج أنفسنا بالإيمان حتى نعالج الأمن؟

الإيمان ليس تقييداً لحريتنا و إنما ضمان لسلامتنا :

الدكتور راتب:
 طبعاً، الإيمان أولاً، أنت حينما تؤمن أن الأقوياء بيد الله والطغاة بيد الله، وأن أمرك بيد الله وحده، وإنك إن إطعته ليس هناك قوة في الارض تستطيع أن تنال منك، وإنك إن عصيته لن تستطيع أن تتفلت من عقابه ولو كنت قوياً، هذا الإيمان بالله يحملك على طاعة الله، وإذا أطعت الله انتهى كل شيء، أنت اتبعت تعليمات الصانع، الصانع هو الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنها الجهة الخبيرة، لذلك الله عز وجل ما خلق التشريع لإزعاجنا، لا، أنت تمشي بفلاة رأيت لوحة كتب عليها: حقل ألغام ممنوع التجاوز، بربك هل تعد هذه اللوحة تقييداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك؟ هذا الدين، في اللحظة التي تؤمن أن هذه الأوامر والنواهي ليست حداً لحريتك ولكنها ضمان لسلامتك تكون فقيهاً ورب الكعبة.
المذيع:
 بما أن عنوان الحلقة: الإيمان في الأزمات، إذاً الفقر هو أزمة من أزمات العصر، فماذا عن علاجه؟

اتباع الإنسان تعليمات الصانع حفاظاً على سلامته و سعادته :

الدكتور راتب:
 الفقر والخوف، سيدي هذا منهج تخالفه هناك متاعب لا تنتهي، إذا أنت عندك سيارة وهناك تعليمات السرعة، والعجلات، والزيت في المحرك، اشتعل ضوء أحمر معنى هذا أن الزيت قد انتهى ويكلفك إذا تابعت المسير ثمن تصليح محرك بمئات الألوف، لكن هذا الضوء أعطى إشارة أن هناك خطراً، توقفت صببت الزيت تابعت السفر، كل آلة معقدة لها صانع وللصانع تعليمات التشغيل والصيانة، فأنت انطلاقاً من حرصك على سلامتك وسعادتك تتبع تعليمات الصانع، بعبارة قد لا تكون مقبولة دائماً انطلاقاً من أنانيتك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع حفاظاً على سلامتك وسعادتك، لا يوجد أمر ينتفع الله به أبداً ، كل أوامره لنا، ننتفع بها، أنت اخترت زوجة صالحة تعيش معها عمراً من أجمل ما يكون، عفيفة، طاهرة، خدومة، تحبك، رحيمة، ربت أولادك، وهناك زوجة اخترتها لجمالها فقط، وأغفلت دينها يصير بيتك جحيماً لا يطاق، القضية لها نتائج في الدنيا قبل الآخرة .
المذيع:
 ماذا عن علاج أزمة الفقر؟

علاج أزمة الفقر :


الدكتور راتب:
 لا يوجد إنسان مؤمن إلا يطلب العمل، نحن عندنا ثلاثة أنواع للفقر؛ عندنا فقر القدر، إنسان عنده عاهة، هذا بالدولة الإسلامية له عمل، له مكافأة، له مصح، له مأوى، هذه حالة نادرة, معه عاهة لا يستطيع المشي, معه مرض عضال, مشلول مثلاً, هذا اسمه فقر القدر, الدولة ملزمة بإعطائه حاجته كاملة, وعندنا فقر الكسل, ماذا أقول لا تصدق, هناك بلد لن أسميه يشتغل المواطن سبع عشرة دقيقة فقط, يوجد دراسات أكاديمية عالية جداً الإنتاج القومي للأمة يقسم على الوقت والعدد ينتج أن المواطن يشتغل سبع عشرة دقيقة, بينما المواطن في دول أوروبا يشتغل ست ساعات في اليوم.
 لا تظن أمة يعمل فيها المواطن سبع عشرة دقيقة تنتصر على دولة يعمل فيها المواطن ست ساعات، هناك تقصير كثير عندنا، نحن معنا حق، شيء جميل جداً، الحق أرمز له بالشمس، والباطل ظلام دامس، أنا أقول: الذي يعمل في الظلام الدامس ينتصر على الذي ينام في ضوء الشمس، نحن معنا الشمس، معنا الحق لكننا نائمون، والآخر معه الظلام الدامس الباطل لكنه يعمل لا ينام الليل، الذي يعمل في الظلام ينتصر على النائم في ضوء الشمس.
المذيع:
 أمتنا تعاني من الكسل؟
الدكتور راتب:
 نعم، الكسل علاجه الإيمان، صار هناك هدف، هناك جنة عرضها السموات والأرض.
المذيع:
 ربما الإنسان يغفل عن هذا الهدف؟

 

الإيمان و طلب العلم علاج الكسل :

الدكتور راتب:
 يطلب العلم إذاً، أنت لا يمكن أن تتحرك حركة صحيحة بالأرض إلا بمعلومات، إذا أردت فتح معمل بحاجة لمهندسين، لخبراء، لماذا مصيرك الأبدي لا تنتبه له؟ أنت لا يمكن أن تشتري بيتاً إلا بعد أن تسأل عدة مصادر لبيع البيوت، لماذا في دينك لا تهتم له أبداً؟ انا أذكر طرفة؛ أعرف شخصاً عنده سيارة وزنها ثلاثة أطنان، مقيم بطرف المدينة الشمالي، وهناك بائع فول في طرف المدينة الجنوبي، مسافة ثمانية كيلو مترات، والبنزين غال كثيراً، يستيقظ صباحاً يوم الجمعة ينتقل من طرف المدينة الأول إلى طرفها الثاني من أجل كيليين من الفول يأكلهم هو وأهله، ويأتي يوم الجمعة يدخل لأقرب جامع لبيته، مقتنع بالخطيب أو ليس مقتنعاً، مرة رأيته قلت له: أنت كيلو الفول أغلى عليك من دينك.
 ابحث عن جامع تقتنع بخطيبه، ابحث عن جامع فيه حقيقة تتلى على المنبر.
المذيع:
 أيضاً نعاني من أزمة الأخلاق، فهل للإيمان دور في علاج هذه الأزمة؟

 

دور الإيمان في علاج أزمة الأخلاق :

الدكتور راتب:
 "الإيمان هو الخلق"، كلام ابن القيم الجوزية، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان، الحقيقة الإيمان غير مؤدى، النبي صلى الله عليه وسلم لغته من الله، فصاحته من الله، بيانه من الله، جماله من الله، كل صفاته من الله، ما الذي هو منه؟ الأخلاق، قال تعالى:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[سورة القلم:4]

 الدين كل محصلته أخلاق، عفواً المؤمن لا يكذب، لا يخدع، لا يتجسس، لا يفصل علاقة متينة بين زوجين، لا يؤلب الناس على بعضهم، مليون صفة المؤمن لا يمكن أن يفعلها، مستحيل، أنت تؤمن أنه يوجد إله، ويوجد منهج تخاف منه، مثلاً ما سرّ الزواج الإسلامي الناجح جداً؟ لأن الله بين الزوجين، كل طرف يخشى الله أن يظلم الطرف الآخر، وكل طرف يتقرب إلى الله بخدمة الطرف الآخر، الزواج الإسلامي ناجح جداً، يعبد الله من خلال زواجه، يرحم هذه المرأة يصبر عليها أحياناً، يوجهها، التفلت له نتائج لا تنتهي.
المذيع:
 نستطيع أن نقول زواج المؤمن، لأن كثيراً من المسلمين لا يطبقون هذه الدرجات، والمشاكل مستشرية.
الدكتور راتب:
 طبعاً، والله لو طبق المسلمون أحكام دينهم والله لعاشوا في جنة في الدنيا قبل الآخرة.
المذيع:
 إذاً لماذا لا يطبقون؟
الدكتور راتب:
 لأنهم غلبوا شهواتهم على منهج ربهم، لما غلبوا الشهوات غابوا عن العلم.
المذيع:
 إذاً هنا مراحل؟

 

حاجة الإنسان إلى حاضنة اجتماعية وبيئة إسلامية وأصدقاء مؤمنين :

الدكتور راتب:
 مراحل، عندما تعرف الحقيقة، مثلاً لو إنسان معه أزمة قلبية، وهناك أكلات لا تناسبه ولكن يحبها كثيراً، عندما يتركها يكون قد غلب قناعته العقلية على شهواته، أليس كذلك؟ فأنت معك شهوات، القصة تماماً مثل راكب دراجة والطريق مستو, وصل لمكان فيه طريقان الأول هابط والثاني صاعد, الهابط معبد وفيه زهور ورياحين وأزهار وأشجار, مغر لكنه مكتوب لوحة: "هذا الطريق ينتهي بحفرة فيها وحوش كاسرة جائعة", وإذا لم يكن متأكداً يوجد منظار, والطريق الصاعد غبار وأكمات وصخور، ينتهي بحديقة غناء, هي لمن يصل إليها، وهناك لوحة ومنظار, فالإنسان إذا آمن بالله يشعر بسعادة لا توصف.
هناك حالة نفسية يتألق بها, ومعلومات دقيقة يهتدي بها, فالإنسان عندما يخالف اللوحة ويخالف المنظار يمشي بالطريق الهابط لكن أمامه هاوية , لذلك :" إن عمل الجنة حزن بربوة , و إن عمل النار سهل بسهوة " .
المذيع:
 كيف يستطيع أن يعود المؤمن إلى رشده؟
الدكتور راتب:
 قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة:119]

 أنت بحاجة إلى حاضنة إيمانية، بحاجة إلى بيئة إيمانية، إلى أصدقاء مؤمنين، إلى أهل مؤمنين، تحتاج إلى حاضنة، قال الله تعالى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾

[سورة الكهف:28]

 مرة ثانية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة:119]

 بحاجة إلى حاضنة اجتماعية، بيئة إسلامية، إلى أصدقاء مؤمنين.
المذيع:
 طلب الكثير من الإخوة سؤالكم، إن كان الله مع المؤمنين فلماذا ينتصر عليهم غير المؤمنين؟

 

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

الدكتور راتب:
 لأنهم لم يؤمنوا الإيمان الكافي لنصرهم، أنت داخل بمعركة مداها المجدي ثلاثة كيلومتر، والعدو معه مدرعة مداها سبعة كيلومتر، لا تنتصر عليه، عندنا أسباب إيمانية وهناك معونة إلهية، أنت تؤمن، قال تعالى:

﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة البقرة:249]

 أنت عندما تؤمن, أولاً تأخذ بالأسباب, أخي الكريم كلمة دقيقة: البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء, ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، تقريباً الطريق الكامل طريق في رأس جبل عن يمينه وادٍ سحيق، و عن شماله وادٍ سحيق, إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها وألهتها كما فعل الغرب وقعت في الشرك, و إن لم تأخذ بها أصلاً وقعت في المعصية , مثلنا, إن أخذت بها واعتمدت عليها وألهتها وعددتها هي أسباب النصر فقط وقعت في الشرك الخفي, وإن لم تأخذ بها أصلاً وقعت في المعصية, الموقف الإيماني الكامل الرائع الذي سلكه الأنبياء جميعاً و الصحابة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء, ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. قال الله تعالى :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[سورة الأنفال:60]

 تحتاج إلى قوة فكرية، قوة إيمانية، قوة سلاح، قوة تعاون، قوة فضائية، قوة إعلام، أعدوا لهم، أمر إلهي، أعدوا لهم ما استطعتم من قوة، الذي حصل أنهم أعدوا لنا ولم نعد لهم. العكس.
المذيع:
 إذاً هل نفهم الإيمان كثرة الصلاة والعبادة؟

 

الإيمان قناعات :

الدكتور راتب:
 لا لا, الإيمان قناعات, القناعات هي التي تتحول إلى سلوك راق, القناعة, عفواً لو إنسان يتيم ليس له أحد ودخل إلى الجامعة، عنده قناعة أنه إذا درس سيحصل على الدكتوراه , له وظيفة دخلها كبير، وهذا الدخل يتيح له الزواج من فتاة يحبها، والفتاة التي يحبها يشتري لها منزلاً، كل هذه الأهداف كالزواج والعش الزوجي مبنية على الدكتوراه, فعندما تكون قناعته أن الدكتوراه هي المفتاح يدرس ليلاً ونهاراً, فأنت عندما تحب نفسك- وهذا شيء طبيعي - وعندك يقين أن سعادتك في الدنيا، وزواجك، وعملك، وصحتك، واختيار زوجتك وأولادك، مع الإيمان كله بأعلى مستوى, وعندما تقصر مع الله، وتختار بدل الزوجة الصالحة زوجة فاتنة فقط، تعيش معها جحيماً لا يطاق أحياناً عندما تختار الشهوة, إذاً القصة كلها: " ركب الملك من عقل بلا شهوة, وركب الحيوان من شهوة بلا عقل, وركب الإنسان من كليهما, فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة, وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان " لذلك قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾

[سورة البينة:7]

 لا يوجد حل وسط، إما أنك فوق الملائكة أو لا سمح الله ولا قدر هذا الذي شرد عن منهج الله دون أحقر حيوان.
المذيع:
 هل أنت متفائل من الأيام القادمة؟

 

التفاؤل بالأيام القادمة :

الدكتور راتب:
 أنا متفائل جداً، من سنن الله عز وجل أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، وكل محنة بعدها منحة، وكل شِدة بعدها شَدة إلى الله، الإله يسوق إلى عباده عذاباً بلا سبب؟ لا، هذه الأمة موعودة بالنصر، والأحاديث كلها تبين فضل بلاد الشام، لكن بلاد الشام ليست كما ينبغي، فهناك محن من أجل المِنح، و شِدة من أجل الشَّدة إلى الله عز وجل، هذا إيماني والله ولا أتزحزح عنه إطلاقاً.
 لكن الآن هناك تطورات نوعية في الأخلاق واضحة، صار هناك محبة لبعضنا، و معاونة، وكثير في سلبيات انتهت في حياتنا.
المذيع:
 من أين البداية لنهاية الأزمات بأنواعها؟

البداية لنهاية الأزمات بأنواعها :

الدكتور راتب:
 الصلح مع الله أولاً، ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة، تصطلح الأمة كلها يأتي النصر العام، تصطلح وحدك يأتيك نصر خاص، بين نصر عام ونصر خاص، على كل حال عظمة هذا الدين أنه فردي جماعي، إذا الأمة اصطلحت مع الله انتهى الامر كله، لم تصطلح، غارقة في شهواتها وفي مصالحها وفي خلافاتها، يأتي إنسان مؤمن يستقيم مع الله يقطف ثمار الدين الفردية وليس الجماعية.
المذيع:
 ما الرسالة التي توجهها للأمة العربية والإسلامية جمعاء والشعب العراقي بصورة خاصة عسى أن تأتيه المنحة بعد هذه المحنة؟

رسالة للأمة العربية والإسلامية جمعاء والشعب العراقي بصورة خاصة :

الدكتور راتب:
 ما لم نكفر بالطاغوت لن نؤمن بالله، قال الله تعالى:

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة البقرة:256]

المذيع:
 من هو الطاغوت؟
الدكتور راتب:
 الطاغوت هو الكافر، يجب أن نكفر به، ليس عنده قيم، ولا عنده أخلاق، لكنه ذكي جداً، هو يطرح قيماً، أما عند الوضع الصعب فهناك مصالحة، يركل بقدمه كل مبادئه وكل قيمة، هذا الواقع، عفواً الروس أرسلوا كلبة إلى الفضاء الخارجي بالخمسينات اسمها "لايكا" أنا تابعت الموضوع، العالم الغربي قام ولم يقعد كيف تضحون بكلبة وأربعمئة ألف يقتلون ومثلهم معاقون ومثلهم معتقلون ومثلهم مغيبون ولا كلمة ولا حرف ولا سؤال ولا جواب؟ لا يصير, الغرب انكشف, والحقيقة أن الذي حصل أن الشرق كفر بالغرب، وكفرنا بكل مبادئ الغرب.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي شكراً على هذه المقابلة الطيبة.
الدكتور راتب:
 وأنا أشكركم على هذه اللقاء الطيب، وأرجو الله للعراق مستقبلاً ناهضاً إن شاء الله، ووحدة وطنية، وتجاوزاً لكل هذه السلبيات في حياتنا، وكأننا معكم والله أنا أقول كلمة للتاريخ: أنا ما التقيت بأخ عراقي من عشر سنوات إلا شكرته على مقاومتكم للغرب، الغرب الآن يعد للمليون قبل أن يحتل بلداً عربياً آخر، أنتم أعطيتم الغرب درساً لا ينسى، بارك الله بكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018