ندوة : الوسطية والتوازن والابتعاد عن الغلو والتطرف . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠64ندوة : الوسطية والتوازن - قناة سامراء
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ندوة : الوسطية والتوازن والابتعاد عن الغلو والتطرف .


2016-03-16

مقدمة :

المذيع:
  تحية طيبة ألتقيكم عبر الحملة الوطنية الإسلامية لمناهضة الغلو والتطرف والإرهاب، معي الدكتور العلّامة محمد راتب النابلسي ضيف هذه الحلقة، مرحباً بكم دكتور.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 نتشرف بهذا اللقاء نحن سعداء جداً بك، قضية الغلو والتطرف اليوم هي الحديث السائد في الأوساط الإعلامية، في الأوساط الشعبية، في الندوات، في المؤتمرات، أنتم الدعاة تبذلون جهداً كبيراً في سبيل إفهام الشباب المتفلت أن الدين الإسلامي ليس هكذا، إن النصوص الشرعية تقسم الى نصوص ولها دلالات مختلفة، هناك قطعي الدلالة وهناك مطلق وهناك مقيد وهناك وهناك، وأن الأمر بيد أولي الأمر والدعاة والعلماء، هذا التعب والجهد الذي تقومون به في البداية نريد أن نفهم ما هو الغلو بمفهومه الشرعي ومفهومه الإنساني؟

الغلو بمفهومه الشرعي ومفهومه الإنساني :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادته ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
 بادئ ذي بدء؛ الدعوة الى الله دعوتان, دعوة إلى الله خالصة, ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله, أحاول أن أصل الى أصل الغلو, الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاتباع بينما الدعوة الى الذات اساسها الابتداع، الابتداع هو الغلو، مجاوزة النص، إغفال نص، وإبراز نص، وقد نبرز نصاً ضعيفاً، وقد نتجاوز نصاً صحيحاً, حينما غيرنا المقاييس نحن غلاة, فدعوة الى الله خالصة ودعوة الى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، هذا الأصل البعيد للغلو، الدعوة الخالصة أساسها التعاون، أما الدعوة الى الذات فأساسها التنافس, الدعوة الى الله الخالصة أساسها الاعتراف بالآخر, أما الى الذات فإلغاء الآخر, فنحن كدعاة، كعلماء، كقياديين، حينما نلتزم الموضوعية والتعاون والاعتراف بالآخر نعيش في سلام، أما إذا ألغي الآخر فله مصطلح معاصر: الإقصاء، حينما يقصي الآخر، حينما يظلم, هناك كتاب “ لبرانز فانون “ كتاب دقيق جداً محوره الأساسي: العنف لا يلد إلا العنف, فما دام العنف أحد الوسائل يجب أن يوطن العنيف أن يقابل بالعنف، فإذا أردنا سلاماً وحضارة وتفوقاً ورقياً ونهوضاً يجب أن نعتمد المنهج الوسطي، والمنهج الموضوعي.
 عفواً البلاد المتقدمة كثيراً لو تتبعت دقائق حياتها عندهم موضوعية، يقيّم الإنسان موضوعياً, والدول التي تعاني ما تعاني عندها مقياس انتمائي، فبين أن تعتمد مقياساً موضوعياً وبين مقياس انتمائي, إذا اعتمدنا الانتماء دخلنا في صراع لا ينتهي، إذا اعتمدنا الموضوعية ارتقينا وتقدمنا ونهضنا، فأنا أرى أن المنطلق منطلق إيديولوجي أساسه أنت, حينما ترى أن عليك ما على غيرك ولغيرك ما لك هذا موقف إنساني، هذا يبدأ من زوج قد يمضي سهرة بأكملها متهكماً على أم زوجته، فإذا تكلمت في اليوم التالي كلمة على أمه أقام عليها الدنيا, لا يوجد شيء يسقط الانسان أكثر من التناقض أو الكيل بمكيالين, و أنا أرى أن العالم يضج بمكيالين, مثلا أسير إسرائيلي واحد - جلعاد شاليط - جاء كلينتون من أمريكا الى الشرق الاوسط, لفت نظري برنامج زيارته تل أبيب رام الله دمشق، الرابع زيارة أسرة الأسير الإسرائيلي!! رئيس أمريكا يأتي من طرف الدنيا الى طرفها الآخر ليزور أسرة الأسير، ووقتها لنا عند اليهود أحد عشر ألف وثمانمئة أسير لا يستحقون أن تزور أسرة واحدة منهم مراعاة للتوازي!! فهذا الموقف غير الموضوعي والانحياز إلى الغرب سبب العنف في الشرق الأوسط، لذلك قال وزير الدفاع الأمريكي: ماذا نفعل بحاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات إذا كان إنسان واحد ضحى بحياته فهز كياننا؟ فالمشكلة مشكلة مبادئ وقيم.
المذيع:
 إذاً فضيلة الشيخ تريد أن توصل فكرة أن التوازن مطلوب، التوازن في التعامل في الفكر، في السلوك، في مختلف جوانب الحياة مطلوب، بالإضافة الى ذلك إذا أردنا أن نتحدث عن الغلو من منظور شرعي أي الأسباب التي تدعو هؤلاء الشباب الى التطرف ربما ذكرت قسماً منها هو وجود الظلم، ووجود الحيف، لكن هل هذا الظلم والحيف وكل ما يقع على هذه الأمة وعلى شبابها يعد مبرراً أن أخالف النصوص الشرعية أو أن أجتزئ معانيها فأخرج وأوصل صورة مشوهة للعالم عن هذا الدين؟ إنه دين قتل، ودين إرهاب، ودين تخويف وترويع.

البطولة و الذكاء معالجة المشكلات من بدايتها :

الدكتور راتب:
 سيدي أحد الانصار عنده بستان، دخل هذا البستان رجل، وأكل من ثمار بستانه دون إذنه، فساقه الى النبي على أنه سارق- والله تأثرت بإجابة النبي تأثراً لا حدود له فالنبي الكريم هنا مشكلة إما أن تعالج من نهايتها أو من بدايتها، فالبطولة والحضارة والذكاء أن تعالج من بدايتها- فقال له النبي الكريم: هلا أطعمته إن كان جائعاً؟ وهلا علمته إن كان جاهلاً؟ قبل أن تقول إنه سارق أأطعمته؟ أضيفته؟ أبينت له؟ هلا علمته إن كان جاهلاً أو أطعمته إن كان جائعاً؟ فنحن نقصر ونقصر ونقصر وتنفجر مشكلات في حياتنا نعاقب آخر فئة، لا .... هذه لها أرضية كبيرة جداً، الأسباب بعيدة، فما لم تعالج المشكلات من أصلها عندنا مشكلة كبيرة هلا علمته إن كان جاهلاً؟ هلا أطعمته إن كان جائعاً؟ فنحن نرى إضراباً في بلد، هذا الاضراب له أصول كبيرة جداً من الظلم والقهر، فما لم يعالج الظلم والقهر المشكلات تتجدد، والآلام تستمر، والقهر يتضاعف، لذلك حين نعالج مشكلة بمشكلة قمعية نقع في إشكال كبير والأمور تتفجر في النهاية.
المذيع:
 إذاً شيخنا لا نعطي الحق لأولئك الشباب أن يواجهوا هذه الأمور، بالمقابل يستندون على نصوص شرعية، أي هم لم يأتوا بأفعالهم التي يقومون بها من فراغ، هم أيضاً يستندون على نصوص شرعية في مقارعة الظلم، ومحاربته، والدفاع عن الشرف والعقيدة، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، وهؤلاء يستهدفون ديننا وعقيدتنا، هؤلاء اخرجونا من ديارنا وأصروا على أن تعم الفوضى في بلادنا، ما عسى هؤلاء الشباب إلا أن يتمسكوا بهذه النصوص الشرعية.

الحرص على أخذ الدين من مصادره الصحيحة :

الدكتور راتب:
 إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ماذا فعل علماء الشريعة؟ جاؤوا بالنصوص جميعها في موضوع واحد، وضعت على الطاولة، ودرست دراسة عميقة، ورجح بعضها على بعضها الآخر، فبعد دراسة مديدة وعميقة جداً من علماء كبار، من فقهاء، هناك مجموعة أحاديث توصلوا فيها الى حكم فقهي مثلاً: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " معناه أن أي إنسان يقيم بجانب المسجد صلاته في البيت غير مقبولة، غير معقول ، فهناك أحاديث أخرى فانتهوا الى هذه النتيجة.
 " لا صلاة كاملة لجار المسجد إلا في المسجد" كاملة أضافوا كلمة "كاملة"، فأنا أقول: العلماء الكبار وضعوا الأحاديث المتعددة والمختلفة عن بعضها بعضاً على طاولة واحدة، درسوها دراسة عميقة من حيث المتن والمضمون والسند، وخرجوا بحكم فقهي، هذا الحكم نتيجة خبرة عالية جداً ، عندما يأتي إنسان يأخذ حديثاً بنفسه من كتاب أحاديث ويعتمده هذا الإنسان غير مهيأ ليبني حكماً فقهياً على حديث واحد، هناك أحاديث كثيرة وأنا ذكرت مثلاً: "لا صلاة لجار المسجد" ، فاتفق الفقهاء على أنه لا صلاة كاملة، أما في البيت فمقبولة الصلاة.
 إذاً التطرف فيه نوع من الجهل، والغلو في الدين مجاوزة النص، فأنت قد تأتي بنص ضعيف تعده صحيحاً هذا غلو، قد تأتي بنص صحيح يتناقض مع أهدافك القريبة والمتوهمة تهمله، تعتم عليه، والأمثلة كثيرة جداً مثلاً: موضوع "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً" هي الآية داخلة بسياق الطلاق، أي من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً من طلاقها، من مفارقتها كلياً، فهناك أحاديث لها سياق، ولها سباق، ولها لحاق، لها أسباب نزول كالآيات، وأسباب ورود كالأحاديث، العلم منظومة متكاملة، فإذا كان الإنسان بعيداً عن حقيقة الدين ورأى حديثاً فيه مشكلة كبيرة، مثلاً : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " منطوق الحديث ظاهره لابد من كبيرة ترتكبها أو " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم " هذا النص يحتاج الى تفسير وتوضيح وتبيين أي لو لم تشعروا بذنوبكم، إنسان ارتكب ذنباً لم ينم الليل خوفاً من الله، وإنسان ارتكب مئة ذنب بالسهرة ولم يشعر بشيء، هذا ميت، لذلك الله عز وجل وصف أهل الدنيا الذين ابتعدوا عن الله فقال:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾

[سورة النحل: 20 ]

 ثم وصفهم فقال:

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾

[سورة الفرقان :43]

 ثم قال:

﴿لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾

[سورة المنافقون :3]

 ثم قال:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الجمعة :4]

 فهذا الذي أعرض عن الدين وصف أنه خشبة، أو بهيمة، أو ميت، أو دابة، هذا الواقع، فنحن أخطر شيء نصف العالم، نصف العالم لا هو عالم ينتفع بعلمه، ولا هو جاهل فيقبل أن يتعلم، لذلك قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه.
 تقف الآن فإذا ضيّع العالم علمه - أي ما طبقه - استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره، فالخلل بالأساس من أربع جهات؛ عالم وجاهل وغني وفقير، العالم مستعمل علمه فحبب العلم للناس، فتعلم الجاهل، والغني أنفق ماله فحبب الإنفاق للناس، صار المجتمع متماسكاً متعاوناً متضافراً، هذا الذي أتمنى أن يكون.
المذيع:
 إذاً شيخنا والله لا ندري ما نقول عن مجتمعنا وشبابنا وعن ناسنا الذين يعيشون لحظات بعيدة عن هذا الفهم العميق الذي تتحدث به، ربما هناك الكثير من الكلمات أو المصطلحات الذي تتحدث حضرتك بها الآن أنا أريد أن أستوقفك عندها ولكن الوقت ربما سيأخذ منا الكثير من الكلام للتوضيح.

 

العودة إلى أصول الدين و نزع كل ما علق به مما ليس فيه :

الدكتور راتب:
 لابد من ملاحظة أخيرة لأكمل موضوعي، هذا الشاب لم يتلق العلم الدقيق الشرعي الوسطي المتوازن الواقعي الذي لا يهمل الآخرة، ولا يلغي الدنيا، فإذا تلقى خطاباً دينياً غير صحيح، أو خطاباً تحريضياً، أو خطاباً شكلياً، أو خطاباً أسطورياً، أو خطاباً تاريخياً، إذا ما تلقى الخطاب الديني الجيد فنحن نقول: نحن في أزمة خطاب ديني، الدين لا يجدد، أي هذا الدين توقيفي من الخالق، من عند الكامل الكمال المطلق، فإذا حذفت منه اتهمته بالزيادة، وإذا أضفت عليه اتهمته بالنقص، لكن أين التجديد في الدين؟ دقق أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس فيه، هناك خزعبلات، و ترهات ، وإضافات، و بدع، و شطحات، و مواقف متصلبة غير معقولة، فهذا الذي أضيف على الدين هو الذي يجب أن ينزع، مثلاً عندنا في الشام نهر نبعه ماء زلال، مصبه ماء أسود، فالبطولة أن تخرج الى أصل النبع لتأخذ الماء الصافي، أما في النهاية فقد أضيفت له مياه مستعملة، مياه سوداء، فنحن نريد أن نعود الى أصل الدين.

(( تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي))

[ مالك في الموطأ]

 فنحن يجب أن نعود الى أصول هذا الدين.
المذيع:
 أيضا شيخنا نحن نستطيع أن نحذر هؤلاء الغلاة أي الآية القرآنية التي تقول:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾

[سورة الكهف:103-104]

 إذا أردنا أن نتوقف في ظل هذا المفهوم.

 

الفكر لا يقابل بالقمع بل بالفكر :

الدكتور راتب:
 أولاً سيدي الفكر لا يقابل بالقمع، الفكر يقابل بالفكر، وأذكر أن هناك تجربة دقيقة جداً في عهد سيدنا عمر بن عبد العزيز، حينما خرج بعضهم عن المنهج الصحيح حاورهم، وأعاد معظمهم الى الكتاب والسنة، فالفكر يقابل بالفكر، أما الفكر فلا يقابل بالقمع، عفواً حينما تقمع كأنك تطفئ النار بالزيت فيزداد تألقها، فأنا حينما أقمع يجب أن أعتمد الإقناع قبل القمع أي أقنع ولا تقمع.
المذيع:
 أي محاربة الغلو يجب ألا يكون بغلو آخر؟

 

ردّ الفتنة بالصلح مع الله و إقامة علاقة طيبة معه :

الدكتور راتب:
 من أمر بمعروف فليكن أمره بالمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه بغير منكر، أنا حين أستخدم الوسائل التي شرعها الله لي لا يوجد مشكلة أبداً، مثلاً الحسن البصري هذا سيد التابعين له مكانه كبيرة جداً، جاءه علية القوم يستأذنونه بالخروج على الحجاج، فقال: لا تخرجوا عليه، كان كلامه صدمة لهم، قالوا: ولم؟ قال: إن ظلم الاقوياء نقم الله عز وجل، ونقم الله لا ترد بالسيوف. وحدها ترد بالصلح مع الله، فإن ردت بالسيوف وحدها كانت الفتنة أفظع، هناك مشكلة لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، فالحل أن نتوب الى الله أولاً، أن نصطلح معه، أن نقيم معه علاقة طيبة، أن نفتح خطاً ساخناً معه، ثم نتحرك، أما الحركة من دون توبة فالطرف الآخر أقوى.
المذيع:
 أو التصرف من دون وعي، أو تفسير النصوص بجهل، أو الخروج للمواجهة بالسلاح وهي قضية ربما لم تكن مهيأة، أو لم تكن مناسبة في هذا الوقت، أو الذي يقوم بها ليس له الحق أن يقوم بهذا.

 

الحكمة من عدم السماح للنبي بالجهاد حتى أصبحت السطوة بيده :

الدكتور راتب:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

[سورة النساء :76]

 بمكة، متى سمح بالجهاد؟ بالمدينة صار هناك دولة، صار هناك كيان، صار هناك جيش، صار هناك رسالة، بمكة لو سمح بالجهاد لكانت حرباً أهلية، الأمور واضحة جداً.
المذيع:
 الرسول عليه الصلاة والسلام عندما عاد وفتح مكة عاد بجيش قوي، أي عندما أصبحت السطوة بيده ماذا قال لهم؟ حقيقة نقول لهؤلاء المغالين في هذا الدين والذين يريدون أن يصوروا للعالم أن هذا الدين هو دين قتل وترهيب وتخويف، ودين سيف ودماء، ماذا قال لهم بعد أن هجروه وقتلوا أصحابه ونهبوا أمواله وأموال أصحابه؟ ماذا قال لهم عندما فتح مكة؟ كيف جازاهم؟

 

البطولة أن يعفو الإنسان عند المقدرة :

الدكتور راتب:
 أنتم الطلقاء، رحمهم، كان أعظم عفو في تاريخ العالم، وكان بإمكانه أن ينكل بهم، لكن البطولة أن تعفو عند المقدرة، لذلك أخي الكريم هذا الإسلام دين عظيم، أما إذا ما فهمناه فهماً حقيقياً أنا أذكر أن بعهد عمر بن عبد العزيز واجه بعض المنشقين، أو بعض المنحرفين في عقيدتهم، وأعادهم الى الإسلام يقال بالآلاف، وسمعت أيضاً في العصر الحديث أن بلداً عربياً مسلماً واجه العلماء هؤلاء المنشقين وأعادوا بعضهم إلى الإسلام، فأنا أقول: الفكر يقابل بالفكر، والعنف أنا ضده تماماً، لأن العنف لا يلد إلا العنف، وحينما يتوهم المتوهم أو القوي أن بالعنف تحل المشكلة لا تحل بل تتفاقم .
مرة ثانية أقول: أنت إذا استخدمت العنف في حلّ مشكلة كأنك تطفئ النار بالزيت فتزيد من اشتعالها .
المذيع:
 شيخنا العزيز شيخنا الفاضل سمعنا إنك تريد أن تصنع قنبلة لتواجه القنبلة الذرية؟

الأمة بشبابها :

الدكتور راتب:
 أنا أرى دور هذا الجيل الناشئ، أنا أرى أن الأمة بشبابها، وأن هؤلاء الشباب طموحاتهم المادية متواضعة جداً، هذا الشاب ماذا يحتاج؟ الى مسكن ولو كان ستين متراً، وإلى زوجة، وإلى فرصة عمل فقط، فإذا اهتممنا بالشباب أمّنا لهم فرصة عمل ومسكن وزوجة كانوا قوة بيد الأمة، قوة كبيرة جداً، المستقبل للشباب، تقريباً في السيارة محرك، ومقود، وطريق، الشباب يمثلون المحرك، قوة مندفعة، والشيوخ والعقلاء يمثلون المقود، والشرع هو الطريق، فالبطولة أن ينطلق هذا المجتمع بقوة الشباب، وبتوجيه الشيوخ من أجل البقاء على منهج الله ، هذه الدعوة الى الله، هناك منهج عند الصانع، قال الله تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾

[ سورة فاطر :13]

 نحن بحاجة لخبير، فالخبير هو الله.

 

حاجة الإنسان إلى خطاب ديني متوازن يجمع بين الدنيا والآخرة :

 دائماً ما من مشكلة وقعت في الأرض من آدم الى يوم القيامة- أعني ما أقول- إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، فنحن نبدأ من القاعدة من قاعدة الهرم، إذاً لابد من خطاب ديني واضح، خطاب ديني لا يلغي العقل، لا يلغي النقل، خطاب ديني متوازن يجمع بين الدنيا والآخرة والمبادئ والقيم والحاجات والشهوات، هذا الخطاب الذي يجمع هو الذي يصلح لأن يكون الخطاب المعاصر، كما أن هناك تجديداً في كل شيء، أقول: التجديد في الدين يعني أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه ، عندنا في الشام بناء قديم من العهد العثماني، محطة قطارات، حجرها أسود جاءت شركة ضربت الحجر بالرمل فعاد أبيض اللون, أنا هذا فهمي للتجديد في الدين، أن أنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذه بطولة، وهذه مهمة العلماء الكبار.
المذيع:
 شيخنا الفاضل إذاً القنبلة هي قنبلة الذرية والشباب.

 

حرص كل إنسان على سلامته وسعادته واستمراره :

الدكتور راتب:
 أولاً: كنت في أمريكا الحقيقة الحياة هناك تفوق حدّ الخيال من الرفاه، هي على الشبكية جنة، لكن إذا ذهبت عشرة سنتمتر الى الدماغ هي ليست جنة بل جهنم، لماذا؟ لأن الذي أقام هناك ولم يهتم بأولاده خسرهم ، كنت أقول لهم: لو بلغت منصباً كمنصب كلينتون وثروة كثروة أوناسيس وعلماً كعلم أينشتاين ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، لذلك سيدي في الأرض الآن سبعة مليارات ومئتا مليون إنسان، أنا أتحدث عما يخص هؤلاء جميعاً، ما من إنسان إلا وهو حريص على سلامته، وعلى سعادته، وعلى استمراره، ما من واحد من بني البشر إلا وهو حريص حرصاً لا حدود له على سلامته أولاً، وعلى سعادته ثانياً، وعلى استمراره ثالثاً، الآن الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، و لهذه الآلة صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فنحن إذا طبقنا تعليمات الصانع سلمنا، وإذا اقتربنا منه سعدنا، وإذا ربينا أولادنا استمررنا، الاستمرار بتربية الأولاد، والسعادة بالإقبال على الله، والسلامة باتباع تعليمات الصانع، هي ركائز الدين، هناك منهج إلهي إذا طبقته سلمت وسعدت واستمر أثرك، لذلك قال الله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

[سورة الطور:20]

 العلماء قالوا: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم، فنحن بحاجة الى استقامة، وعمل صالح، وتربية أولاد, بمعنى لو تصورنا أن الطريق الى الله طريق عادي ممتلئ بالصخور على عرض الطريق، فالطريق غير سالك، كل صخرة معصية، فإذا تبنا الى الله من هذه المعاصي كلها أزحنا هذه الصخور عن الطريق، صار الطريق سالكاً لكن لا يكفي، لا بد من حركة على هذا الطريق بالمحرك، هذا العمل الصالح لا يكفي لا بد من مبادئ وقيم، أي إنسان يحب أن يشار له بالبنان، هذا يكون بالتفوق، المتفوقون قادة للأمة، فنعتني بالنخبة، بالطبقة الأولى من حيث المعلومات، نعتني بهم عناية كبيرة حتى يكونوا قادة للأمة، ونؤمن الحد المعقول للشعب كله، فهذا المحرك يتحرك، والمقود يوجه، والمنهج هو شرع الله عز وجل.
المذيع:
 جميل شيخنا أنت تتحدث عن معالجات حقيقة غاية في العمق، وتشبيهاتك تشبيهات في محلها، لكن عندما نريد أن نأتي الى هذه المعالجات في ظل هذه الظروف المتراكمة والمتراكبة والمعقدة في نفس الوقت بلداننا تتعرض لحملة قوية، ربما تعرضها الى التقسيم، للتفكيك، هناك خلط للأوراق، وهناك أفكار دخيلة، هناك أفكار تنشأ وتتوقد، هناك تقسيمات كثيرة، كيف لنا أن نعالج هذا الواقع؟ كيف يمكن أن نتجنب أولئك الغلاة الذين يغالون في الدين ويضيفون ويزيدون عليه ما ليس منه ويفسرون النصوص تفسيرات في غير محلها؟

 

ضرورة إعداد القوة المتاحة لا المكافئة :

الدكتور راتب:
 الجواب:

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾

[سورة آل عمران:125]

 واحد، اثنان:

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[سورة آل عمران:159]

 ثلاثة أسباب النصر:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[سورة الأنفال:59]

 كلمة كلمة؛ ما استطعتم أي أن تقدموا كل ما تستطيعون، لا بعض ما تستطيعون، أعدوا لهم ما استطعتم، استنفاذ الاستطاعة، أنت لست مكلفاً أن تعد القوة المكافئة للعدو، أنت مكلف أن تعد القوة المتاحة لك، أعدوا لهم ما استطعتم. الآن من قوة، ما معنى من هذه "من" تفيد في استغراق أفراد النوع، كيف؟ أحدهم عرض عليك مشروعاً يحتاج الى مليون دينار مثلاً تقول له: ما معي مال، أي خسرته، أما حين تقول: ما معي من مال، أي ما معك درهم، ولا دينار، فمهمة من لاستقصاء أفراد النوع، دخل معلم لصف قال: لكل منكم هدية مني، واضح .... هناك ثلاثة طلاب لم يحضروا ليس لهم هدية ، أما إذا قال: ما منكم واحد إلا وله هدية للكل، هذا " من " لاستغراق أفراد النوع , فلما قال الله : " أعدوا لهم ما استطعتم من قوة " هناك القوة الإعلامية قوة، والسلاح قوة، وسلاح مداه مجدّ قوة، والعدالة قوة، والجبهة الداخلية قوة، ونصوص الشرع قوة ، من قوة أي كل أنواع القوى، أحياناً الإعلام قوة كبيرة جداً، حتى نفهم ما القوة قال وقتها: من رباط الخيل، هذا يسمونه إضافة شرحية تفصيلية، رباط الخيل وقتها الآن مدرعات ثم صواريخ ثم أقمار صناعية، من قوة ومن رباط الخيل، أعطانا نموذجاً معاصراً وقتها، ترهبون به عدو الله ، الحرب الحقيقية ليست أن تمارسها، أن تلوح بها، الآن الدول التي عندها سلاح نووي مرهوبة، فصار الإرهاب أن تخيف به العدو فقط لا أن تقتله، العبرة أنا أمتلك قوة تكون هذه القوة أداة ردع .
المذيع:
 إذا ليس المسمى الذي يقصد الآن " الإرهاب" التفجير والقتل وكذا؟

 

الإنسانية أوسع دائرة تجمع الناس :

الدكتور راتب:
 سيدي واقعنا الدول النووية مرهوبة الجانب الآن، لا أحد يفكر أن يقاتلها، فأعدوا لهم تحتاج الى أن تعدوا ما تستطيعون، أي أن تستنفذوا طاقتكم ثانياً، وثالثاً لم تكلفوا بالقوة المكافئة، القوة المتاحة لكم فقط هذه من قوة، والقصد ليس استخدام السلاح وليس القتل، ترهبون به عدو الله والطرف الآخر عبد لله أيضاً، بدل أن تقتله اهده إلى الله، اللهم أهلك القرية الفلانية، قال له: اللهم اهدها، الإنسان موقفه إنساني.
 مرة دخلت للقطر بطائرة, الطيار كان تلميذي وضعني معه في مقر القيادة، يوجد كرسي ثالث، فلما دخلنا القطر رأيت بعيني؛ هذه طرطوس وهذه صيدا، بينهما أربعمئة وخمسون كيلو متر، فيبدو أنه على ارتفاع اثني عشر ألف متر ترى أربعمئة كيلو متر، فأنا تعلمت كلما ارتقى مقامك اتسعت دائرة رؤيتك، وأضيف شيئاً آخر وكلما ارتقى مقامك اتسعت عاطفتك، فالأنبياء إنسانيون، نحن عندنا إنسان يحب نفسه، يحب أسرته، أرقى يحب عائلته الكبيرة، أرقى يحب بلده، يحب قبيلته، يحب عشيرته، يحب وطنه، يحب الأمة الإسلامية، يحب الإنسانية، الأنبياء إنسانيون، وأنا عندما أجد أن هناك عناية مفرطة بالفرد الأوروبي وقتل غير معقول للشعوب الأخرى أحتقر هذه الحضارة, لذلك لا يؤمن حتى يحب لأخيه، لأخيه مطلقة, العلماء قالوا: " المطلق على إطلاقه " أوسع دائرة أخوك في الإنسانية، هذا الحديث هكذا يفسر، مادام لم يأت تفصيل يقيد بقي الكلام مطلقاً، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، فنحن اذا لم نعتمد الإنسانية أولاً بعد الإنسانية تأتي الإسلامية، القومية، الوطنية، المناطقية، إن صح التعبير العشائرية، القبلية، الأسرية، العائلية ثم ذاتك.
 فما لم يكن هناك رؤية كبيرة تشمل كل البشر لا نرقى عند الله.
المذيع:
 إذاً شيخنا لدينا مهمة كبيرة جداً أمام هذا الكم الكبير من الشباب الذي يريد أن يرسم صورة لهذا الدينأ صورة مشوهة ربما عن حسن قصدأ أو سوء قصد، لا نريد أن نناقش هذه القضيةأ ولكن هم شباب أمتنا خرجوا يريدون أن يدافعوا عن هذا الدين بالقضية التي يفهمونها بهذا الغلو، وبهذا التطرف الذي يقومون به، ألا ترى أن الخطاب الإسلامي اليوم ربما يتهمه البعض بأنه ساهم في صناعة هذا الغلو في المجتمع؟

افتقار الحركات إلى منهج و فكر يؤدي إلى فشلها :

الدكتور راتب:
 والله سيدي عندنا حركة اعتراضية ثائرة و لا يوجد معها برنامج مستقبلي إطلاقاً ، ولا شخص تتمثل فيه، صورة القيادة الصحيحة إذا افتقرت الحركات التي تسمى ثورات الآن إلى منهج، وإلى فكر، وإلى مشروع، وإلى أشخاص لا تنجح، يأتي إنسان يقول: نحن مرتاحون أي هناك نظام، لا يوجد تخريب يومي، لا يوجد قتل يومي، إذا كان هناك نظام قد يكون ظالماً لكن أقل وطأة من التفلت الأمني، الفوضى خطيرة جداً ، أنا ذكرت قبل قليل: لا تخرجوا عليه، أنا لا أدعو الى عدم الخروج، أنا أدعو الى النظام، أدعو الى مبادئ وقيم تحكم مستقبلنا، وإلا صار هناك فوضى أخلاقية، هل تذكر أن الثورة الفرنسية استمرت ستين سنة حتى استقر الوضع, وبإسبانيا بقيت خمساً وأربعين سنة, وبالصومال بقيت اثنتي عشرة سنة، هناك مرحلة بعد الثورة خطيرة جداً، الفوضى خطيرة جداً، تذكر حين سقوط بغداد كيف السرقات تمت؟ أنا اكتشفت حقيقة أن الحاكم وجوده فقط نعمة، قبل أن نقول: عادل أو ليس عادلاً نعمة، أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع في القرآن، فأنا أدعو إلى أن نتحرك وفق منهج , وفق مبدأ, وفق مشروع , أن نتمثل هذه القيم، أن نقنع ولا نقمع .
المذيع:
 إذا أردنا أن نضع عنواناً يجب أن يكون لدينا مشروع للمعالجة لأن الجرح وقع، والمصيبة حلت، والفأس وقع في الرأس كما يقال، نريد أن نعالج اليوم أي العنوان الكبير الذي نريد أن نضعه لهذا العلاج ممكن أن نقول مثلاً: وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم، مثلاً هذا يعتبر جزءاً من أن ننبه الناس الى هذه النقطة؟

 

الحاجة إلى العلماء الكبار للتوجيه و التبيين :

الدكتور راتب:
 هناك ملمح دقيق جداً بالآية التي تفضلت بها: أولو الأمر منكم، من للتبعيض، هذا الذي يقمع ليس منا، لو كان مستعمراً مثلاً لو كان حكماً إسرائيلياً مثلاً ليس منا، أولو الأمر منكم، ما معنى منكم؟ من جلدتكم، من دينكم - إذا كان من جلدتنا وعميل لنا - أما إذا فرضنا من جلدتنا قلباً وقالباً فهذا منا أما الإنسان إذا كان يمثل فكراً آخر؛ فكراً إلحادياً مثلاً، مصالح أخرى، مصالح بلاد أخرى، فهذه سيدي خيانة عظمى.
المذيع:
 شيخنا هذا الكلام الذي تفضلت به يعطي الحق أن يخرجوا كما أرادوا؟
الدكتور راتب:
 والله سيدي ما لم يكن هناك توجيه دقيق من أولي الامر وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم، من هم أولو الامر؟ عند الامام الشافعي قال: العلماء والأمراء معاً، العلماء يعلمون الأمر والأمراء ينفذون الأمر، فنحن بحاجة إلى توجيه علماء كبار، أحياناً هناك أشياء فعلها له مضاعفات كثيرة جداً، فالعلماء هم أولو الأمر بالآية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾

[سورة النساء:58 ]

 منكم للتبعيض أي جزء منكم يدينون بما تدينون، يتمنون ما تتمنون.
المذيع:
 إذاً شيخنا وصلنا الى نقطة مهمة جداً أن العلماء اليوم يقع عليهم عبء أكبر لمعالجة هذا الواقع، اليوم وسابقاً ولاحقاً، يوجد ثلاث دقائق ما هو الواجب الذي يجب أن يقوم به العلماء لكي يعيدوا الأمور الى نصابها؟؟

 

واجب العلماء لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه :

الدكتور راتب:
 أنا أرى أن الهرم لا يمكن أن يبنى من آخر حجر وتحته فراغ، من القاعدة، هذه القاعدة الواسعة جداً تفرز قاعدة أصغر وأصغر وأصغر إلى أن نصل الى رأس الهرم، إذاً هذه السياسة بنائية، أما حين نبدأ بالهرم الأعلى، هناك منظمات دينية تريد الحكم فقط، فالحكم لا يستمر والشعب كان عدواً للمشروع هذا، وهذه غلطة كبيرة جداً فلابد من أن نفعل كما فعل النبي عشر سنوات بمكة.
 فلذلك هناك منهج نبوي يستنبط من سيرته، منهج قرآني يستنبط من آياته، فهذا المنهج ما لم يطبق إذاً عندنا مشكلة، نحن عندنا سنّة قولية للنبي الكريم توضح أحاديثه، و عندنا سنّة عملية أفعاله، و عندنا سنّة دعوية، كيف دعا إلى الله، وعندنا سنّة جهادية, فإذا سألتني هذا السؤال أجيبك عن آخر فقرة؛ نحن عندنا جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد الأول، هذا الجهاد الأساسي كالتعليم الأساسي؛ جهاد النفس والهوى، فالمهزوم نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة.
 إذاً ما لم نرسخ الإيمان بالقلوب، ونرسخ معرفة الله عز وجل، وما لم نحمل على طاعة الله، على تحكيم شرع الله فهناك مشكلة، هذا هو الجهاد الأساسي جهاد النفس، لذلك ورد عن بعض الصحابة " رجعنا من الجهاد الأصغر – القتال- الى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى" هذا جهاد.
وهناك جهاد ثان الجهاد البنائي، كل إنسان بحرفته يبني أمته، هذا مهندس، هذا طبيب، هذا محام، بذل علمه بأجر معتدل معقول، وبنى أمته، فهذا الجهاد البنائي جهاد له فائدة كبيرة.
 عندنا جهاد النفس والهوى أساسي، تعليم أساسي، وجهاد بنائي, الآن جهاد دعوي. قال الله تعالى:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾

[سورة الفرقان:51]

 آخر شيء القتالي، فإذا نجحنا في الجهاد الأساسي ثم الجهاد البنائي ثم الجهاد الدعوي يرجح أن ننجح في الجهاد القتالي، أما حجر بالهرم تحته فارغ فلن نستفيد شيئاً.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 جزاك الله شيخنا الفاضل على هذه الكلمات الرائعة، وهذا الوقت الذي منحته لنا لتحاورنا في أمور تهم أمتنا وشبابنا، شكراً جزيلاً لك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018