مختلفة لقناة التلفزيون الأردني - الندوة : 2 - مكانة المسجد الأقصى في الدين الإسلامي و ضرورة الدفاع عنه و استعادته . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠42ندوات مختلفة - قناة التلفزيون الأردني
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة لقناة التلفزيون الأردني - الندوة : 2 - مكانة المسجد الأقصى في الدين الإسلامي و ضرورة الدفاع عنه و استعادته .


2014-03-01

مقدمة :

المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على من أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، أهلاً ومرحباً بكم أعزائي المشاهدين في أولى حلقات برنامجكم الأسبوعي : عين على القدس ، اليوم هذا مساء للقدس في عمان ، بل هي أيام للقدس في عمان ، القدس التي لم يشهد التاريخ عاصمة بحلتها ولا مدينة ببهائها وجمالها ، هي عاصمة الشرق ، هي التي حار بها الفلاسفة ، وتاهت بها العقول ، هي التي شنت إليها وعليها حروب على مختلف أنحاء العالم ، حصدت بها أرواح كثيرة ، بقيت رمزاً للعرب والمسلمين ، لم ينس التاريخ على امتداد عهده يوم أن شاءت إرادة المولى عز وجل أن تسند أمانة الأقصى إلى العرب والمسلمين ، فيتسلم مفاتيحها خليفة الأمة الفاروق العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يشهد التاريخ بعد ذلك حاكماً أعدل ولا أرحم من العرب ، أعيدت لها هيبتها ومكانتها ووجودها وحضارتها ، وبقيت رمزاً للأمة ، سنبقى أهلها وسدنتها وحماتها إلى يوم الدين بحول الله وقوته .
برنامجكم هذا عين على القدس سنسلط فيه الضوء على القدس ببيوتها وأزقتها وأروقتها ، عن المسجد الأقصى المبارك الذي بارك الله فيه للعالمين ، عن قبة الصخرة ، عن محاولة التهويد وطمس الهوية ومعالمها ، عن محاولات هدم المسجد الأقصى المبارك ، نتكلم عن قبلتنا الأولى ، عن ثاني المسجدين ، عن ثالث الحرمين الشريفين ، نتكلم عن رمز عزتنا وقوتنا وبقائنا وتاريخ الآباء والأجداد ، نتكلم عن كل تفاصيلها ، نتكلم عن رمز عروبتنا ، وأن انتزاعها هو انتزاع لمكانتنا وحضارتنا وهويتنا ، ومس بكرامتنا وسيادتنا ، نعود إليكم بعد هذا التقرير من المسجد الأقصى المبارك .

 

تقرير عن مكانة المسجد الأقصى في الدين الإسلامي :

أولى القبلتين وأحد أقدس ثلاثة أماكن في الإسلام ، المسجد الأقصى المبارك الذي له المكانة الكبرى في الإسلام بعد الحرمين الشريفين ، فالقلوب والأعين والأفئدة تتجه إليه من كل فج وصوب في العالم ، فيتمنى الناس بأن ينعموا بحفنة من ترابه ، ويبكون الظروف التي حالت بينهم وبين زيارته بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين .
للمسجد الأقصى مكانة كبيرة في الدين الإسلامي كونه القبلة الأولى للمسلمين ، ومنه منتهى إسراء سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهو بداية المعراج للملأ الأعلى ، وله المكانة العليا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وردت في فضل المسجد الأقصى آيات وأحاديث تبرز مكانته العليا في الدين الإسلامي .
المسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين ، فقد صلى رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم و المسلمون طيلة العهد المكي ، وكانوا يضعون الكعبة بين المسجد الأقصى المبارك وبينهم ، صلى المسلمون سبعة عشر شهراً إلى المسجد الأقصى المبارك .
في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية الشريفة إلى حين تحويل القبلة حيث الصلاة إلى المسجد الحرام .
المسجد الأقصى المبارك هو أحد المساجد التي تشد إليها الرحال لقول النبي صلى الله عليه وسلم :

((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، مَسْجِدِي هَذَا ، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

الحديث الذي رواه أبو ذر الغفاري قال : سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أي المساجد وضع أولاً ؟ قال : المسجد الحرام ، قال : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى ، قال كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة .
المسجد الأقصى هو مسجد إسلامي ، وعقيدة كل مسلم ، هو جزء من عقيدة كل مسلم لكل هذه المعطيات ، حينما نتكلم عن المسجد الأقصى المبارك نتكلم عن مئة وأربعة أربعين دونماً ، هذا المسجد الذي تحيطه الأسوار من كل جانب ، بقي خلفاء المسلمين بهذا المسجد ، وفي كل مرة كان يأتي خليفة يضيف إضافات إلى هذا المسجد ، فيه الأموي ، والعباسي ، و الفاطمي ، والمملوكي، و العثماني .
هذا المشهد الرائع وصوت الدعاء المؤثر في ليلة القدر في المسجد الأقصى ، وأعداد المصلين الهائل يبرز تمسك المسلمين بالصلاة فيه ، رغم المصاعب الجمة التي يواجهونها للوصول إليه ، فمنهم من شدّ رحاله للصلاة من أبعد بقاع الأرض ، ومنهم من مُنع من الوصول إليه من قبل السلطات الإسرائيلية ، وحاول مراراً و تكراراً تحت وطأة الخطر ليحقق هدفه للوصول إلى الصلاة فيه ، فثواب الصلاة في المسجد الأقصى ليس كثواب الصلاة في أي مسجد آخر ، فأجر الصلاة فيه أكبر بكثير من الصلاة بسواه .
يتوافد المصلون صوبه لإشباع شوقهم إلى هذا المكان المقدس الذي يسمو بالإنسان ليصبح أقرب إلى السماء من الأرض ، فمعجزة الإسراء والمعراج تجسدت في هذا المسجد ، فمن قبة الصخرة ومن هذه الصخرة الظاهرة أمامنا كانت المعجزة الإلهية للإسراء والمعراج .
الدعوة الإسلامية ، النبي صلى الله عليه وسلم تعرض لشتى صنوف الإيذاء هو و المسلمون ، أراد نشر الدعوة ، كان هناك صدود من أهل مكة ، توجه إلى الطائف فوجد صدوداً، أدميت قدماه الشريفتان من جهلة القوم ، كانت رحلة الإسراء والمعراج رحلة تكريمية من الملأ الأعلى للرسول في وقت البشرية كلها كانت في صدود عن هذه الدعوة ، أسري بالرسول ليلاً من المسجد الحرام إلى هنا ، إلى هذه البقعة الطاهرة وربط البراق الشريف هنا في جدار المسجد الأقصى المبارك ، عندنا مسجد البراق الذي يؤرخ ويؤكد هذه الحادثة ، وعرج من صخرة بيت المقدس من هنا به إلى السموات العلا في رحلة تكريمية إيمانية .
تحت سماء هذه الأرض الطاهرة شرع الله عز وجل عبادة غالية ، رفيعة الشأن ، تتيح لكل مسلم أن يتصل بخالقه العظيم ، إنها الصلاة ؛ عمود الدين الإسلامي وركنه العظيم .
ربنا أكرم المسلمين بأن فرض عليهم الصلاة في سماء بيت المقدس حتى يظل المسلم حينما يتوجه إلى ربه للصلاة في كل يوم خمس مرات يتذكر القدس ، يتذكر المسجد الأقصى المبارك ، يتذكر بأن المسجد الأقصى المبارك أسير تحت نير احتلال إسرائيلي غاشم يريد المساس بقدسيته ، يريد هدمه والإساءة إليه ، يريد إيذاء المصلين الركع السجود في المسجد الأقصى المبارك ، هذه هي معاني الإسراء والمعراج ، هي ربط بين مدينة القدس وبين مكة المكرمة ، ربط المسجد الأقصى المبارك في قلوب كل مسلم على مرّ العصور .

 

ترحيب بالدكتور راتب النابلسي و سؤاله عن مكانة المسجد الأقصى المبارك :

المذيع :
حياكم الله أهلاً ومرحباً بكم مرة أخرى ، هذا هو المسجد الأقصى المبارك ، هذه هي القدس ، من منا لا يهوي قلبه إلى عبقها ، من منا لا تتوق رقابه ويتوق عنقه بأن يذهب إليها ويصلي بها صلاة تحت ظلّ الإسلام وراية المسلمين ، من منا لا يتذكر حكايات الآباء والأجداد وهم يتحدثون عن الأقصى ، وعن الرحيل إليه ، وعن صلاة الجمعة في كل جمعة كيف كانوا يصلون - آباؤنا وأجدادنا - في المسجد الأقصى المبارك ، هذا اليوم هذا المساء سنتحدث عن مكانة المسجد الأقصى المبارك في قلوب المسلمين في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة ، نتحدث أيضاً ونحن نرى الممارسات القمعية التي تستهدف طمس هذه الهوية عن إمكانية استعادتها ، نتحدث عن الجهاد في سبيل الله مع ضيف كريم فاضل سأتحاور وإياه في هذا الموضوع إنه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي مرحباً بكم .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ونفع بكم .
المذيع :
حياكم الله .
الدكتور راتب :
شكراً جزيلاً يا سيدي .
المذيع :
أستاذنا الكريم ؛ الأقصى تراه بعينيك ، تتوق الرقاب إليه والأعناق ، هل هو من قبيل الصدفة أن يبعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وأن يسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ؟ الربط بين الحرام والأقصى ثم يقول : الذي باركنا حوله ، بركة المكان وبركة الزمان ، عبقرية المكان وعبقرية الزمان ، كيف نراها اليوم ؟

 

المسجد الأقصى والقدس أحد رموز الإسلام الأساسيّة :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين .
الحقيقة الدقيقة أن هذا المسجد في القدس ، وأن هذا المسجد ثاني القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، متعبد الأنبياء السابقين ، موطئ قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلذلك هذا المسجد مع القدس مدينته يحتل أعلى مكانة في العالم الإسلامي ، لأن هذه المقدسات أراد الله أن تكون كذلك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، مَسْجِدِي هَذَا ، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

والبيت المقدس أحد هذه الثلاثة بعد الحرمين ، وهو أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين ، إذاً هو له مكانة كبيرة جداً في نفوس المسلمين ، في ضمائرهم ، في ضمائر العالم الإسلامي بأكمله ، وهذا المسجد والقدس أحد رموز الإسلام الأساسية ، فلا بد من الحفاظ عليه ، وعلى مكانته ، وعلى قدسيته ، ولا بد من العمل في سبيل تحريره ، فلذلك ورد في بعض الأحاديث :" من لم يجاهد ومن لم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق " معنى الجهاد بذل أقصى الجهد ، كقوله تعالى :

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

[ سورة التغابن : 16]

المذيع :
بذل أقصى ما بوسعك تصل إلى هذا الجهد .

 

بذل أقصى الجهد لتحرير الأقصى من الصهاينة :

الدكتور راتب :
هناك نبرة اتقوا الله ما استطعتم ، لا تعني أصل الجهد ، أما اتقوا الله ما استطعتم ، فأقصى الجهد ، فالجهاد بذل أقصى الجهد ، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلقنا لجنة عرضها السموات والأرض ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وجاء بنا إلى الدنيا كي ندفع ثمن الجنة ، وقيل : كمال الخلق يدل على كمال التصرف ، فهذا الكون الثابت الأول ، المعجز في آياته الكونية والتكوينية والقرآنية ، هذا الكون بنباتاته ، بمخلوقاته بسمائه ، بأرضه ، بمجراته ، لقطة واحدة صغيرة ، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، وفي أحد أبراج السماء برج العقرب نجم صغير أحمر متألق اسمه قلب العقرب ، هذا النجم يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما .
المذيع :
إذا كنا نتحدث فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي عن موضوع الأرض وخلافة الأرض ، وأنت ذكرت كلمة في غاية الأهمية أن الله عز وجل جاء بنا إلى الدنيا كي ندفع ثمن الجنة ، وثمن الجنة مجاهدة ومصادرة وتحمل للأذى فهي جهاد ، نحن اليوم في كل مسعى من مساعينا نجاهد ، الله عز وجل حينما يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بالأنبياء إماماً في المسجد الأقصى المبارك ، هل هي من قبيل الصدفة ؟ هل وراثة هذه الأرض هذا الكوكب الصغير مقارنة مع هذا العالم الذي كرم الله عز وجل الإنسان ، وكرم الإنسان به ، هل الأرض يرثها عبادي الصالحون بمعنى هل الأرض مسؤوليتها بيد المسلمين ؟ المسجد الأقصى أمانة في أعناق العرب والمسلمين ؟

 

الإنسان هو المخلوق الأول و المكلف الذي أعطي مقومات التكليف :

الدكتور راتب :
طبعاً ، لكن النقطة الدقيقة أن الله عز وجل حينما كلفنا أن نعبده أعطانا مقومات التكليف ، أعطانا كوناً ينطق بوجوده ووحدانيته وكماله ، أعطانا عقلاً وهو مقياس دقيق جداً يمكن أن نصل به إلى الله دون أن نحيط به ، أعطانا نفساً لا تموت ، قال تعالى :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

[ سورة الأنبياء : 35]

أي تذوق الموت ولا تموت .
المذيع :
كيف هذا ؟
الدكتور راتب :
الإنسان خلق لجنة عرضها السموات والأرض ، وجيء به إلى الدنيا كي يدفع ثمن الجنة .
المذيع :
الموت ألا يعتبر ذوق الموت ؟
الدكتور راتب :
هذا الموت صغير ، لأن الله تعالى قال :

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾

[سورة الأنعام : 60]

فالتوفي إذا نسب إلى ملك الموت هو الموت ، أما إذا نسب إلى الله فهو النوم ، الإنسان هو المخلوق الأول ، الدليل قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

وهو المخلوق المكلف ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية . ولكن كيف نعرف الله كي نعبده ؟ الله لا تدركه الأبصار ولكن العقول تصل إليه فجعل هذا الكون الثابت الأول ، كل هذا الكون ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله ، أعطانا عقلاً يمكن أن يكون أداة معرفة الله ، لكن له حدوداً ، كيف أن الميزان له حدود ، العقل له حدود تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ، أعطانا نفساً هي ذات الإنسان تسعد وتشقى.
المذيع :
الآن هذه الوراثة للأرض ، هذه الوراثة لأمانة المسؤولية في المسجد الأقصى والإنسان ، وكلنا سنموت ، وكلنا سنذوق الموت ، اليوم ما هي الرسالة التي يوجهها الدكتور محمد راتب النابلسي ونوجهها في هذا البرنامج أيضاً من هذا المنبر إلى أمة الإسلام التي هي : الإنسان يفنى الإنسان يموت لكن لا يبقى له إلا الأثر الذي أبقاه ، وهذا ميراث الأنبياء ، هذا تاريخ متسلسل ورثه الأنبياء واحداً تلو الآخر ، استخلاف الأرض بيد النبي صلى الله عليه وسلم، صلى بهم إماماً ، قدم إليه اللبن والخمر فاختار اللبن ، فاختار الفطرة ، عرج به إلى السموات ، بوابة السماء المسجد الأقصى ، كيف يمكن اليوم أن نوجه رسالة من هذا المنبر إلى أمة الإسلام أن تستيقظ ؟ أن تنهض ؟ اليوم العالم شغل حقيقة وأشغل العالم بالقضايا الداخلية ، بمسميات متعددة بربيع عربي ، بخريف عربي ، بكل شيء ، أشغل بهذه النقطة حتى ينسى قضيته الأولى، اليوم دكتور راتب الإسرائيليون يمارسون أقصى أنواع الإساءة مجلس النواب في الأردن طالب مطالبات عالية جداً ، الآن كيف يمكن لأمة الإسلام أن تستيقظ أن تدرك أن الأقصى في خطر، إذا ذهب الأقصى ذهبت هويتها ، نحن ندرك أن هناك احتلالاً قسرياً غصباً عنا ، لكن أيضاً أن نرضى بما يجري وما يحصل ، ماذا يمكن اليوم ؟

 

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

الدكتور راتب :
والله الذي أراه أن الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم قوانين ، والقوانين علاقة ثابتة بين متغيرين ، تطابق الواقع ، عليها دليل ، ما لم نعتمد هذه القوانين ، أو ما لم نخضع لهذه القوانين ، أو ما لم نقدم المقدمات التي تفضي بها إلى النتائج ، فنحن نسير في طريق مسدود ، قال تعالى :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

وأنا أعتقد أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، هذا وعد قطعي ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة : 111 ]

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء : 87]

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، فالآية :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور : 55 ]

إذاً هذا قانون :

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور : 55 ]

وأنا أنطلق دائماً من أن الحقيقة المرة عندي أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، هل هذا الدين ممكن ؟ لا والله ، هل نحن مستخلفون الآن ؟ لا ، هذه الحقيقة المرة ، و :

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور : 55 ]

هل نحن آمنون ؟ لا والله ، جاءت كلمة واحدة في نهاية الآية ، قال تعالى :

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور : 55 ]

فإذا أخلّ الطرف الآخر بما أوجبه الله عليه من عبادة ، فالله عز وجل في حلّ من وعوده الثلاثة ، هذه النقطة الكبيرة .
المذيع :
والعبادة بمفهومها الشامل و ليست بالمحدود .

 

من طبق سنة النبي في حياته فهو في مأمن من عذاب الله :

الدكتور راتب :
العبادة بالمفهوم المحدود الذي يفهمه معظم المسلمين أن تصلي ، وأن تصوم ، وأن تحج وتزكي ، هذه عبادة شعائرية ، العبادة التعاملية هناك منهج تفصيلي والله لا أبالغ قد يصل إلى خمسمئة ألف بند ، بدءاً من أخصّ خصوصيات الإنسان من فراش الزوجية وانتهاء بالعلاقات الدولية ، هناك منهج كامل ، لذلك الآية الكريمة المذهلة :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

أنت تعلم علم اليقين القاعدة اللغوية أنا حينما أسأل إنساناً : هل أنت جائع ؟ يقول لي : لا فقط ، إذا إنسان له مكانة كبيرة جداً لو سألته : هل أنت سارق ؟ لا يقول : لا ، يقول : ما كان لي أن أسرق ، هذا مستحيل وألف ألف مستحيل ، فإذا قرأنا القرآن :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن نعذب وفينا رسول الله ، قد نفهم الآية فهماً محدوداً في حياة النبي لكن ماذا تعني بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ؟ مادامت سنة النبي قائمة في حياتنا فنحن في مأمن من عذاب الله ، وينبغي أن نفهم أن كل ما يجري في العالم العربي إنه تقصير منا .
المذيع :
تقصير .

 

لا ينزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة :

الدكتور راتب :
طبعاً أنا أقول كلمة دقيقة : الأب إذا عنده ثلاثة أولاد ، ولد ذكي جداً ومتفوق تركه لأنه حقق له هدفه ، وولد منغولي لا سمح الله أيضاً تركه لأنه لا يوجد أمل ، وعنده ولد ثالث ذكي جداً ومقصر ، هو نحن ، نحن مؤمنون لكن هناك تقصيراً ، هناك خروج أحياناً عن منهج الله ، هناك تغليب للهوى على المنهج ، عندنا تقصير لأن القاعدة الدقيقة الدقيقة الدقيقة : ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة ، فالبطولة أن نواجه الحقيقة المرة وهي عندي كما قلت قبل قليل أفضل ألف مرة من الوهم المريح .
المذيع :
أي أنت اليوم دكتور توصلنا معك إلى أن ما حصل من احتلال للقدس الشريف ، ما حصل من انهيار حتى للأمم السابقة والدول السابقة هو أننا لم نواكب الركب الحضاري ولم نصنع ركباً حضارياً حتى نحافظ على هذه القدس ، حتى في التاريخ الإسلامي سنة ألف وسبع وتسعين حينما احتلت القدس في حروب الفرنجة كان هناك نوع من التراخي والترهل أدى إلى تمكين أولئك أن يدخلوا ، وكانت مطامعهم مطامع سياسية وليست دينية ، لكنهم غلفوا السياسة بطابع ديني ، اليوم كما يقول الكيان الإسرائيلي : بأننا نحن نريدها دولة يهودية ، وهناك الهيكل، وهي مطامع سياسية تستهدف تفريغ هذه المنطقة المقدسة ، هناك من يرى أن من يستولي على القدس أو من تكون تحت سيادته القدس فقد ملك العالم ، ولذلك هناك رغبة بالاستيلاء على ذلك القلب ، قلب الشرق ، هل تعتقد دكتور أنه ماذا يُطلب ؟

 

من آمن و شكر حقق الهدف من وجوده :

الدكتور راتب :
أولاً : إنسان أحبّ أن يتنزه على شاطئ بحر ، أعطيناه كيس رمل ثقيل جداً قلنا له: ضعه على كتفك وتنزه ، ماذا يقول ؟ ماذا أفعل به ؟ تمهيد ، فإذا قال الله عز وجل :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

أنتم حينما تؤمنون وحينما تشكرون ، لماذا ؟ لأن هذا الكون مسخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم ، فرد فعل التعريف أن نؤمن ، ورد فعل التكريم أن نشكر ، فإذا آمنا وشكرنا حققنا الهدف من وجودنا ، عندئذ تتوقف المعالجات الإلهية ، قال تعالى :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

لأن هذا الكون مسخر للإنسان تسخير تعريف ينبغي أن نؤمن ، ومسخر لنا تسخير تكريم ينبغي أن نشكر ، لو أن إنساناً قدم لك هدية ؛ جهاز الكتروني غال جداً ، وله فوائد كبيرة جداً قدمه لك هدية وهو من اختراعه ، فأنت أمامه أمام شعور عظيم بهذا الاختراع ، وشعور امتنان لهذه الهدية ، فهذا الكون مسخر لنا تسخير تعريف وتكريم ، فرد فعل التعريف أن نؤمن ورد فعل التكريم أن نشكر ، فإذا آمنا وشكرنا حققنا الهدف من وجودنا .

 

تقرير حول أهمية التعليم و دور المرأة في نشر الدعوة الإسلامية :

المذيع :
دكتور نحن الآن في المسجد الأقصى المبارك هناك تعليم أيضاً للقرآن الكريم ، و هناك نوع من التعريف والتثقيف ، بالمقابل يوجد نوع من المنع ومن منع حق العرب المسلمين من أن يذهبوا إلى الصلاة إما بالهوية أو فوق سن معين ، في حين أن المسجد الأقصى الآن ينادي العرب ينادي المسلمين ، عندنا قصص طريفة فيما يتعلق بالتعليم وهناك تقرير أعد من داخل مسجد الأقصى المبارك حول قضية التعليم لعلها تكون قضايا تنويرية وتعريفية إلى الأمة الإسلامية ثم نعلق عليها إن شاء الله ...
التقرير .....
للمرأة في الإسلام دور كبير في نشر الدعوة ، والدفاع عن رسالة الدين الإسلامي ، وعن مقدسات المسلمين على مرّ العصور ، فما نراه هو مصاطب لتعليم النساء وتحفيظهن كتاب الله في المسجد الأقصى ، حيث تقام حلقات التعليم هذه بشكل يومي وتستقطب النساء من كل جيل ليتعلموا مبادئ تلاوة القرآن الكريم ، ويتعرفن على مكانة المسجد الأقصى في الإسلام ، فهن نساء مرابطات بشكل دائم في مصاطب العلم ، تركن مشاغل الحياة اليومية وفضلن القدوم للمسجد الأقصى لنيل الأجر والثواب ، وبدعم ومشاركة من أزواجهن وأهلهن .
أم حذيفة دأبت على تعليم النساء وتعريفهن بأهمية المسجد الأقصى في الدين الإسلامي ، لتزيدهن تمسكاً بعقيدتهن ، ولتزرع في قلوبهن أهمية هذا المكان المقدس ، ودوره المهم في تاريخ الدين الإسلامي ....
ويبقى المسجد الأقصى رغم الاحتلال والتحديات التي تواجهه من أهم معالم الدين الإسلامي ، ويعج بالمصلين ومصاطب العلم التي تثبت أهميته للمسلمين في شتى أنحاء البقاع، فرغم كل الصعاب التي يواجهها المتعبدون للوصول إليه إلا أنه يبقى في قلب كل مسلم نظراً لأهميته الدينية ، والتي تفرض على كل مسلم في شتى بقاع الأرض الدفاع عنه ، والعمل جاهداً للوصول للصلاة في القدس أحد أطهر وأهم الأماكن الإسلامية .
المذيع :
تكبيرات تعلو داخل المسجد الأقصى ، تعليم للقرآن ، تثقيف ورعاية ، نريد أن نتحاور الآن في موضوع الحق والباطل ونتكلم عن الجهاد فيما بعد ، موضوع الحق والباطل لك عبارات جميلة تقول : إن المعركة بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد ، وإن الحرب بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق ، وإن الحرب بين باطلين لا تنتهي .

 

المعركة بين الحق والباطل أبدية لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي :

الدكتور راتب :
قبلها النقطة الدقيقة أن الله عز وجل واجب الوجود ، لكن ما سواه وهو الكون ممكن الوجود ، أي ممكن أن يكون أو لا يكون ، بل ممكن إذا كان أن يكون على ما هو كائن أو على خلاف ما هو كائن ، فلو أن الله جعل الكفار في كوكب آخر والمؤمنين في كوكب لما وجد صراع بين الحق والباطل وانتهت المشكلة ، الله عز وجل أراد أن يجتمع أهل الحق وأهل الباطل في مكان واحد ، وهذا بالتالي ينتج عنه معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل ما حكمة ذلك ؟ لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي ، أضرب لك بعض الأمثلة أحياناً يصدر تصريح ببلد بعيد غربي ضد الإسلام ، أو ضد النبي صلى الله عليه وسلم ، تجد جهد العلماء وطلاب العلم في الرد على هذا الكلام ، وفي البحث في موضوعات دون أن نشعر ارتقوا جميعاً بهذا ، فلذلك المعركة بين الحق والباطل أرادها الله لحكمة بالغة بالغة الله على كل شيء قدير ، ممكن أن نعمل كرتين كرة أرضية وكرة غير أرضية ثانية هنا الحق وهنا الباطل ، أراد الله أن يكون أهل الحق مع أهل الباطل في مكان واحد ، ومن نتائج هذا التواجد إن صح التعبير هناك معركة بين الحق والباطل لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي .
المذيع :
هذه نقطة في غاية الأهمية : الحق لا يقوى إلا بالتحدي .

الجنة عطاء كبير و ثمنها باهظ :

الدكتور راتب :
ولأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية ، لأن الجنة عطاء كبير لا بد لها من ثمن باهظ ، وطلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب ، فلذلك هذا هو الجهاد أن تبذل قصارى جهدك من علم ، من صحة ، من مال ، من جاه ، من خبرة ، أنا أقول : الإنسان جاء إلى الدنيا كي يمتحن ، أي كي يبتلى ، قال تعالى :

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 30]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 2]

فلا بد من الابتلاء ، الإمام الشافعي رحمه الله سئل : أندعو الله بالتمكين ؟ قال : لن تمكن قبل أن تبتلى ! الأنبياء ابتلوا لكن ابتلاءهم ابتلاء كشف ، هناك كمالات عالية جداً كشفت في الابتلاءات ، ذهب إلى الطائف ثمانين كيلو متراً مشياً على قدميه ، وصل إليهم ، دعاهم إلى الله ، إلى السعادة الأبدية ، إلى معرفة الله ، فكذبوه ، وسخروا منه ، وأغروا صبيانهم بضربه ، وسال الدم من قدمه الشريف ، جاءه ملك الجبال قال له : يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، قال : لا يا أخي :

(( اللهم اغفر لقومي ، فإنهم لا يعلمونَ ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن مسعود ]

لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ، هذه النبوة ، نحن كمؤمنين مصائبنا دفع ورفع .
الدكتور راتب :
دكتور التحدي هو الاستجابة ، في برنامج سابق كنت أعده وأقدمه وهو برنامج : آفاق إسلامية ، تحدثنا في آخر الحلقات حول موضوع التحدي وموضوع الاستجابة ، الاستجابات للتحديات نوعان ؛ إما أن تكون استجابات فاشلة أو استجابات ناجحة ، الفاشلة ينجم عنها استعمار ، و ينجم عنها فوضى وتخبط ، أما الناجحة فتمر بأربع مراحل ، صحوة ، يقظة، نهضة ، حضارة ، الواقع أن الاستجابات التي حصلت نتيجة التحديات بالقرن الماضي كانت استجابات فاشلة نجم عنها ما رأينا ، نحن اليوم صحونا على العالم الإسلامي وجدناه في حالة من التخلف ، وفي حالة من الاستعمار ، وفي حالة من التجزئة والتبعية ، في حين أننا الآن نشعر أن هناك بوادر صحوة ، وهي في مرحلة اليقظة التي تمر بها الأمة الإسلامية ، واليقظة من أهم مشاعل النور من حملة المشاعل الذين يضيئون هذه الطرقات .
اليوم دكتور راتب ونحن نشاهد ما نشاهده في الأقصى ، وفي محاولة التهويد ، واليوم نقول بأن الإشكالية لا تقتصر على المسلمين فقط ، نحن نتذكر موقف سيدنا عمر بن الخطاب كيف فتح المسجد الأقصى ، كيف أعاد لها مكانتها اللائقة ، كيف وثق العهدة العمرية التي لم يشهد التاريخ عهدة رحيمة بها من المكانة والاحترام والعدل لأهل المنطقة بقدر تلك العهدة ، اليوم كيف نشعر ؟ نشعر جميعاً بالحزن والأسى على هذا الماضي التليد الذي يذهب من بين أيدينا .

 

سياسة الله في معاملة عباده تبدأ بـ :

1 ـ الهدى البياني :

المذيع :
الله أعلم أنا أرى أن الله عز وجل حينما يبلغ عباده منهجه ومنهج رسوله هناك أربع مراحل ؛ الأولى أنا سميتها الهدى البياني ، وأنت صحيح قوي معافى في بيتك وأهلك وأولادك تستمع إلى تفسير آية من أي جهاز ، من مسجد ، من خطيب مسجد ، من عالم ، من ندوة تلفزيونية ، هذه المرحلة اسمها الهدى البياني ، الكمال فيها أن تستجيب ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

2 ـ التأديب التربوي :

الآن دقق فإن لم نستجب أخضعنا الله لمرحلة ثانية هي التأديب التربوي ، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

وهذه الآية تؤكد أن حكمة المصائب كلها أن نرجع إلى الله ، أن نصطلح معه ، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماء والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ، فأول معالجة إلهية الهدى البياني ، تستمع إلى موضوع ديني ، إلى تفسير قرآن ، إلى حديث ، هذا هدى بياني ، أنت سليم معافى في بيتك وأهلك وأولادك ، لا يوجد عندك مشكلة مادية ولا معنوية ولا نفسية ، جاءتك الدعوة من الله بطريق أو بآخر من عالم ، من داعية ، من برنامج، من ندوة ، من خطبة ، من كتاب ، من تفسير ، من موضوع ، الهدى البياني الموقف الكامل من هذه المرحلة الاستجابة ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

ما استجاب الإنسان يخضع لمرحلة ثانية التأديب التربوي ، قال تعالى :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾

[ سورة البقرة: 155-156]

قال بعض المفسرين : وإنا إليه راجعون بها .
المذيع :
أي هذه المصيبة هي التي جعلتنا نرجع إلى الله .
الدكتور راتب :
من أجل ان نرجع إلى الله .
المذيع :

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ ﴾

[ سورة آل عمران :165]

الدكتور راتب :

(( عجب ربنا من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ))

[رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة]

إما أن نأتيه طوعاً بالهدى البياني ، أو نأتيه عقب معالجة إلهية ، أنا عندما أخطب أرى أمامي آلاف مؤلفة أقول : كل واحد له قصة مع الله ، حتى ساقه إلى المسجد .

3 ـ الإكرام الاستدراجي :

الآن لو أن التأديب التربوي ما أثمر توبة ، الهدى البياني ينبغي أن يثمر استجابة ، التأديب التربوي ينبغي أن يثمر توبة ، لو أنه ما أثمر توبة ، المرحلة الثالثة صعبة جداً أنا سميتها الإكرام الاستدراجي ، قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

إكرام استدراجي ، جربك بالدعوة البيانية المريحة ما استجبت ، جرب الإنسان بتأديب تربوي لم يتب ، الآن سوف يجرب عليه أسلوباً ثالثاً الإكرام الاستدراجي ، ينبغي أن تشكر ، في الأولى ينبغي أن تستجيب ، والثانية أن تتوب ، والثالثة أن تشكر ، فإن لم تشكر ، قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَة﴾

[ سورة الأنعام: 44]

المذيع :
يوجد آية دكتور قال تعالى :

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

هنا تشعر أن الفتوح في لحظات قد لا يكون تكريماً .
الدكتور راتب :
استدراج ، أي إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك لا سمح الله ولا قدر وأنت تعصيه فاحذره ، هناك مطب كبير .
المذيع :
الآية الكريمة :

﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾

[ سورة الإسراء : 4]

هل بعد هذا العلو الكبير هو مؤذن بقصم الظهور ؟

4 ـ القصم :

الدكتور راتب :
طبعاً ، ما من إعلاء على باطل إلا بعده يوجد قصم .

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

الله عز وجل لا بد من أن يضع حداً لهذا التطاول وهذا الكبر ، سيدي إنسان عنده عنده كيلو من اللبن ، جاءه عشرون ضيفاً ، ممكن أن يضيف لهم خمسة أمثال ماء ، صار شراب اللبن أما هذا الكيلو من اللبن فلا يحتمل نقطة نفط .
المذيع :
النفط أفسده .

 

تقرير حول مقام رابعة العدوية :

معنا تقرير حول رابعة العدوية ، في المسجد الأقصى المبارك سنتابعه الآن ، ثم قوله تعالى :

﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾

[ سورة الإسراء : 4-5]

بعد هذا التقرير الذي سنشاهده سيدي ...
مقام رابعة العدوية مقام مهم جداً في الزاوية الجنوبية لجبل الزيتون ، يطل على المسجد الأقصى بشكل مباشر ، هذه الإطلالة الرائعة أكسبت المكان أهمية تاريخية ، ناهيك عن تاريخ البناء ، هو بناء أيوبي كان بمناسبة زيارة رابعة العدوية للقدس في فترة وجودها ، هي ولدت في البصرة ..
هذا المقام هو واحد من ثلاثة مقامات ، واحد موجود في البصرة في العراق والثاني في القاهرة بمصر وهذا المقام الثالث مقام رابعة العدوية تشرف عليه عائلة العلمي ، وبالتحديد شيخ مسجد العلمي أو مسجد رابعة العدوية كما هو متعارف عليه ..
قيل : سميت رابعة لكونها هي الرابعة في بناته ، ثلاث بنات لوالدها وهي الرابعة عرفت الله عز وجل ، حفظت القرآن الكريم والحديث ، وقالت الشعر ، وهي القائلة :

ما عرفت الهوى سوى هواك ولقد نسيت كل شيء سواك
***

نظمت شعراً صوفياً رائعاً في الحب الإلهي ...
المكان كما تشهدون مبنى متواضع ، الطابق العلوي مكان بني في زمن العثمانيين...
الحقيقة حديث من أرض الواقع من مقام رابعة العدوية نساء خلدهن التاريخ ، في المسجد الأقصى المبارك في القدس الشريف نحن نشكر جامعة القدس على تقديمها لهذا التقرير للتلفزيون الأردني وهو من أرض الواقع من الداخل ، هنا الحمد ، هنا الشوق إلى القدس ، هنا هنا نستفكر كل هذه المفاصل التي غيبت عنا ، التي ذهبت وأصبحنا نستبدلها بأمور أخرى نلهو بها في هذه الحياة ، اعلموا أن الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ، اليوم يجب أن نعود إلى هذه المنابع الأولى ، أن نستفكر هذا التاريخ ، أمة بلا تاريخ أمة تبدأ من الصفر البشري .

 

الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك فإذا لبى هذه الحاجات تفوق :

الدكتور راتب :
هناك تعليق سيدي ، الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، غذاء العقل العلم ، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب ، الإنسان إذا لبى حاجات قلبه، وعقله ، وجسمه تفوق ، إن لبى واحدة تطرف ، علاقة موضوع رابعة أحد العارفين بالله قال :

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـــــــــــا فإنا منحنا بالرضـــــــا مـــن أحبنــــــــــا
ولذ بحمانا واحتــــــــــمِ بجنـــابنــــــــــا لنحميك مما فيه أشـــــــــــــرار خلقنـــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــــــــــــــل وأخلص لنا تلقى المسرة و الهنــــــــا
وسلِّم إلينا الأمر في كلِّ ما يكـــــــن فما القرب والإبعاد إلا بأمرنــــــــــــــــــا
فـلـــــــــو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عـنا لغيرنــــــــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنــــــا خلعت عنك ثياب العجـب وجئتنــــــــا
ولو ذقت من طعم المحبـــــــــة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبـنـــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــــــة لــمت غريباً واشتياقـــــــاً لقربنــــــــــــا
ولو لاح مـن أنوارنـــــــــــا لك لائح تــركت جميـــــــع الكائنات لأجلنــــــــــا
فما حبنا سهل و كل من ادعــى سهولته قلنا له : قــــد جهلتنــــــــــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***

اقرأ هذه الآية والله ترتعد منها الفرائص ، قال تعالى :

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[ سورة المطففين : 15 ]

لذلك أزمة أهل النار في النار أزمة علم فقط والدليل :

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك : 10]

المذيع :
فرابعة كانت من العارفين بالله .
الدكتور راتب :
فلذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالبُ العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً .

 

خاتمة و توديع :

المذيع :
يا سيدي حديثكم الكريم الذي تحاورنا فيه في هذا المقام ، نحن اليوم نربط ما حصل بنا في المسجد الأقصى وفي القدس الشريف وفي فلسطين وبين هذا الحجاب الذي حصل وبين هذا الران الذي وجد ، اليوم هذه الدعوات ، دعوات للصحوة ، دعوات لليقظة ، دعوات لاستعادة هذا المجد الكريم ، دعوات للمحافظة على هذه المقدسات وهذا هو طريقها ، هذه بداياتها ، الاستخلاف في الأرض والتمكين وعد إلهي ، قال تعالى :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

يعبدونني بمفهوم العبادة الشامل ، بالرجوع إلى منهج الله السليم وبالوعي ، الوعي ثم الوعي ، أنا حقيقة أشكرك على هذا الحوار دكتور محمد راتب وأثريت ، هذا اللقاء الأول من برنامج : عين على القدس إن شاء الله الذي سنسلط فيه الضوء على معظم القضايا التي تتعلق بالقدس ، وواقعنا اليوم ، وإن شاء الله إلى عودة قريبة بإذن الله ، هذا أملنا بالله .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ، ونفع بكم .
المذيع :
حياكم الله .
الدكتور راتب :
وجعل هذا المنبر منبر دعوة .
المذيع
شكراً جزيلاً للدكتور محمد راتب النابلسي ، وأشكركم أعزائي المشاهدين على حسن متابعتكم لهذا اللقاء ، وهذه الحلقة ، ونحن إن شاء الله مستمرون في برنامج : عين على القدس، وفي كل حلقة نستعرض شيئاً جديداً ، أستودعكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018