عين على القدس - الندوة : 1 - الاهتمام بالمناسبات والعناية بالمقدسات ، القوة هي الطريق الوحيد لتحرير مقدساتنا. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠43برنامج عين على القدس - قناة كيف الأردنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

عين على القدس - الندوة : 1 - الاهتمام بالمناسبات والعناية بالمقدسات ، القوة هي الطريق الوحيد لتحرير مقدساتنا.


2013-11-26

المذيع :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أهلاً بكم الأخوة المشاهدين ؛ الأخوات المشاهدات ؛ أهلاً بكم في برنامجكم : "عين على القدس " ، وباسمكم جميعاً أرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، فضيلة الشيخ أشهر من أن يعرف ، وهو صاحب الذكر الحسن ، والأثر الطيب في كل مكان ، وفي كل مجال ، في الدعوة ما تعلمون وتسمعون وتشاهدون ، لا أريد أن آخذ كثيراً من الحديث ، كلنا نريد أن نسمع حديثه الطيب ، ولعلنا في هذه الليلة المباركة ، وهذه الأمسية الطيبة ، يحدثنا فضيلة الشيخ عن الاهتمام بالمناسبات والعناية بالمقدسات .
مرت بنا مناسبات كثيرة ؛ هناك العشر من ذي الحجة ، وعرفات ، والحج ، وأيام التشريق ، والنحر ، اهتمامنا بالمقدسات اهتمام لا يليق حقيقة ، نود أن يحدثنا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي عن هذا الأمر بما يفتح الله عليه ، أهلاً بكم ومرحباً .

 

القوة طريق استرجاع القدس المحتلة :

الدكتور راتب :
بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وجعل هذه القناة منبراً إسلامياً رائعاً ، الحقيقة أن :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

وما دام الموضوع يتمحور حول القدس المحتلة ، كلمة محتلة تعني أن نسترجعها ، ولا نسترجعها إلا بالقوة ، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب ويفترض أن نكون أقوياء ، وأعني بالقوة قوة المال ، وقوة العلم ، وقوة القرار ، والمؤمن قوي إما في ماله ، أو في علمه ، أو في قراره ، صاحب منصب ، والمنصب وراءه قوة ، هذا القوي خيارات العمل الصالح أمامه لا تعد ولا تحصى ، لأن علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح ، والدليل الإنسان إذا شارف على الموت يقول :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

كأن علة وجودنا في الدنيا بعد الإيمان بالله العمل الصالح ، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، الأعمال الصالحة بمئات الملايين ، في البيت طرق إلى الله من خلال العمل الصالح ، في الطريق طرق إلى الله ، في الحرفة طرق إلى الله ، في العلم طرق إلى الله ، في الدعوة طرق إلى الله ، أنا حينما أفهم يقيناً أن علة وجودنا في الدنيا أن أدفع ثمن الآخرة ، الإنسان خلق للآخرة ، قال تعالى :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4]

الآن قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5-6]

صدَّق أنه مخلوق للجنة ، نحن في الأصل خلقنا للجنة ، وجاء الله بنا إلى الدنيا كي ندفع ثمن الجنة ، هذا ملخص الملخص ، لذلك أنا حينما أكون قوياً ثمن الجنة متاح لي بخيارات لا تعد ولا تحصى ، لذلك قال النبي الكريم :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

وما دام الحديث عن المناسبات والتي تعنينا في هذا اللقاء الطيب القدس هي محتلة فلا بد من أن نسترجعها ، إذاً لا بد من أن نكون أقوياء .
المذيع :
محاور القوة ثلاث حاجات .

محاور القوة ثلاثة أشياء ؛ العلم والمال والقرار :

الدكتور راتب :
العلم والمال والقرار ، المنصب بجرة قلم أحق حقاً وأبطل باطلاً ، أقرّ معروفاً وأزيل منكراً .
المذيع :
المال متوفر سيدي ، أغنى أناس في العالم الإسلامي .
الدكتور راتب :
لكن الله قال :

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

[سورة القصص: 77]

بالمناسبة هذا المال حظ من حظوظ الدنيا ، الحظوظ التي أكرم الله بها الإنسان ، الصحة حظ ، والوسامة حظ ، والذكاء حظ ، والحرفة حظ ، الآن العلم حظ من حظوظ الدنيا، فهذه القوة التي أتحدث عنها إذا كانت تحصل وفق منهج الله يفترض فرض عليّ كمؤمن أن أكون قوياً لقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( المؤمن القويُّ خيْر ...))

[ مسلم عن أبي هريرة]

هو يتناسب مع علة وجودي ، علة وجودي العمل الصالح ، وخيارات القوي في العمل الصالح ، الغني ؛ قوة المال يفتح معاهد شرعية ، دار أيتام ، مستشفيات ، مستوصفات ، يعين أسراً ، يعمل وجبات غذائية ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، هذا في إنفاق المال ، في الجاه يمكن أن تزوج الشباب بالقانون ، يمكن أن تسهل الزواج ، يمكن أن توفر حرفاً للناس.
سأل سيدنا عمر أحد الولاة : ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال له : أقطع يده ، قال للوالي : إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر له حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .
حتى الدعوة إلى الله التي هي علة عمل الدعاة ، إن لم تكن قوياً لا تحترم دعوتك ، وأنا أقول دائماً : إن لم نتفوق في الدنيا لا يحترم ديننا ، نحن في عصر مادي ، على قدر ما تملك من الوسائل المادية يصغى إليك .
المذيع :
وهذا الذي يمثل العلم .
الدكتور راتب :
فلذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .
أخي الكريم بارك الله بكم ونفع بكم ، أودع الله بالإنسان قوة إدراكية ، الجماد ما هو؟ شيء مادي له وزن ، وله حجم ، ويشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعادٌ ثلاثة ، هذا الجماد ، بينما النبات كائنٌ له وزن ، ويشغل حيزاً ، وله أبعادٌ ثلاثة ، لكنه ينمو ، الحيوان كائن يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعادٌ ثلاثة ، وله وزن ، وينمو كالنبات ، ويمتاز عن النبات أنه يتحرك ، الإنسان كائنٌ يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعادٌ ثلاثة ، وله وزن ، وينمو كالنبات ، ويتحرك كبقية المخلوقات ، لكنه يفكر ، أودع الله فينا قوة إدراكية ما لم تلبَّ هذه القوة بطلب العلم هبطنا عن مستوى إنسانيتنا إلى مستوى لا يليق بنا .
المذيع :
إما أن نرتقي إلى الملائكة أو ننزل إلى الحيوان .
الدكتور راتب :
فلذلك طلب العلم من خصائص الإنسان ، الإنسان الذي لا يطلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به ، الآن مشكلة أهل النار في النار ، قال تعالى :

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك : 10]

طلب العلم كتنفس الهواء ، كشرب الماء ، طلب العلم حاجة يومية ، أنت بقدر ما تعلم تتحرك حركة صحيحة ، فإذا كان هناك علم فالحركة صحيحة ، والحركة الصحيحة طريق إلى الجنة والحركة العشوائية .. أي الإنسان كائن متحرك ، ما الذي يحركه ؟ حاجته إلى الطعام، لولا هذه الحاجة ما رأيت على وجه الأرض شيئاً ، لا يوجد تلفاز ولا جامعة ولا مدرسة ولا مؤسسة ولا جسر يبنى ولا مجمع يبنى ، لا يوجد شيء إطلاقاً ، هذه الحاجة إلى الطعام والشراب من أجل بقائنا كأفراد أحياء .
هناك حاجة أخرى الحاجة إلى الجنس ؛ من أجل بقاء النوع ، لولا هذه الحاجة لانقرض النوع .
وهناك حاجة ثالثة دقيقة الحاجة إلى تأكيد الذات ، أكلت وشربت وتزوجت وأنجبت ، لم ينته الأمر ، تحب أن يشار إليك بالبنان ، التفوق ، تسمى في علم النفس تأكيد الذات .
المذيع :
تأكيد الذات والأنا ..
الدكتور راتب :
لا ، نحن نؤثر تأكيد الذات الحيادي ، الذي لا يستغل ، ولا يعتدى به على الآخرين ، عندك أولاد ، و لك ولد أخذ دكتوراه ، متواضع جداً لكنه عادل ، إذا سئل : أنا معي دكتوراه ، وهناك إنسان جاهل ، فهناك حاجة إلى تأكيد الذات ، فالإنسان يلبي هذه الحاجات الثلاث يأكل ليبقى ، ويتزوج ليبقى النوع ، ويؤكد ذاته ليبقى الذكر ، يكون حقق قد حاجاته الثلاث .

 

ضرورة الدين لتلبية حاجات الإنسان و توظيفها في الخير :

الشيء الدقيق جداً أن هذه الحاجات الثلاث يلبيها الدين بأكملها ، وأنت في قمة الاتصال بالله تلبي هذه الحاجات ، الله عز وجل أودع فينا شهوة ، هذه الشهوة ممكن أن أتحرك فيها مئة وثمانين درجة ، سمح لي بمئة درجة ، هذه المباحات ، اشتهى المرأة تزوج ، اشتهى المال اشتغل ، اشتهى التفوق تفوق ، قدم شيئاً للإنسانية كبيراً رفع ذكره ، فهذه الحاجات يلبيها الدين بأكملها ، ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا ، وهو في قمة تفوقه هو يلبي حاجة في نفسه ، وحاجة لمجتمعه ، فلذلك من الذي يقود العالم ؟ المتفوقون دائماً ، القيادة في الغرب مادية ، لرفع مستوى الدخل ، استخراج الثروات ، تصنيع هذه الثروات ، إلى آخره ، و يوجد عدوان بعدها، القوة قد تكون موظفة في الخير أو في الشر ، الحقيقة حينما تكون قوياً ومعك منهج هذه القوة توظف في الخير ، والدليل قال تعالى :

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ ﴾

[سورة القصص: 77]

من أسباب القوة ، قال تعالى :

﴿ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾

[سورة القصص: 77]

المؤمن هادف ، المؤمن عنده رسالة ، وفرق كبير كبير بين المرتزق وصاحب الرسالة، المؤمن صاحب رسالة ، عفواً إذا تزوج هناك رسالة يحققها في الزواج ، يتمنى أن ينجب ولداً صالحاً ينفع الناس من بعده ، وحينما يتزوج يلبي حاجة المرأة ، يعفها بالزواج ، وتعفه بالزواج ، هذه الشهوات ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل قناة نظيفة تسري خلالها ، أي في الإسلام لا يوجد حرمان أنا أخاطب الشباب ، لأن أعداء الدين يوهمون الشباب أن الدين كله حرام ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل قناة نظيفة طاهرة سامية رائعة تسري خلالها .
والشيء واضح جداً ، مرة زرت أحد علماء الشام الكبار - توفي رحمه الله قبل أشهر - مات عن مئة وعامين ، أحد كبار علماء القرآن ، كان جاري في البيت ، قال لي : عندي ثمانية وثلاثون حفيداً ، معظمهم من حفّاظ كتاب الله و أطباء ، أنا فكرت أن هذا الإنسان تزوج امرأة ، وأنجب أولاداً وبنات ، الأولاد جلبوا له الكنائن ، والبنات جلبوا له الأصهار، الصف الأول هو و زوجته ، الصف الثاني أولاده وبناته ، الصف الثالث أحفاده ، ثمانية وثلاثون حفيداً ، صار عندي هرم مبارك في قمته الزوج والزوجة ، ثم الأولاد والبنات ، و الكنائن و الأصهار، ثم الأحفاد ، هذا الهرم المبارك أساسه علاقة جنسية ، وأي بيت دعارة فيه علاقة جنسية ، انظر الشهوة إما أن تبني بها ، أو أن تهدم بها ، هذه صفيحة البنزين ، إن وضعت في المستودعات المحكمة ، وسالت في الأنابيب المحكمة ، وانفجرت في الوقت المناسب ، وفي المكان المناسب ولّدت حركة نافعة ، أقلتك أنت وأهلك إلى العقبة في العيد ، بنزين انفجارات ، أما إذا صُبت على المركبة ، وأصابتها شرارة ، أحرقت المركبة ومن فيها ، هذه الشهوات إما أنها قوة دافعة أو قوة مدمرة ، فلذلك الفقه ضروري ، العلم ضروري ، في الإسلام لا يوجد حرمان ، كل شيء أودعه الله فينا موظف توظيفاً رائعاً .
المذيع :
الآن هذه القوة كيف أوظفها للعناية بالمقدسات ؟ هذا العلم ؟ هذا المال ؟ الإرادة ؟ القرار ؟ كيف أوظفها لخدمة المقدسات و المقدسات محتلة ؟

 

القوة هي الطريق الوحيد لتحرير مقدساتنا :

الدكتور راتب :
القدس هي محتلة الآن ، الشيء الطبيعي البديهي الذي لا بد منه أن نحررها ، كيف نحررها ؟ بالقوة ، ما دمنا نحن ضعافاً نشتكي لمجلس الأمن ، ونندد ، ونستنكر ، ونشدد على كذا ، وندين كذا ، ونرفض كذا ، ولا نرضى بكذا ، هذا كله يضحك العالم علينا ، أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل ، هم يتمتعون بسبنا لهم ، يسخرون منا ، فلا بد من أن نكون أقوياء حتى ننتزع بالقوة حقنا ، ولا أحد في العالم يعيننا على أن ننتزع حقنا إلا أن نكون أقوياء .
المذيع :
نحن نكون أقوياء أما أن نستجدي النصرة من غيرنا ؟!
الدكتور راتب :
لا أقول هذا تشاؤماً : أنا أعلم علم اليقين أن هناك حرباً عالمية ثالثة كانت قبل حين تحت الطاولة ، الآن فوق الطاولة ، كانت غير معلنة جهاراً نهاراً ، الآن معلنة جهاراً نهاراً، حرب عالمية على الإسلام ، حينما نطبق منهجه في الحياة ، الانتخابات الحرة الديمقراطية ، حينما نطبق منهجه في الحياة ، وهذا المنهج الديمقراطي ؛ الانتخابات ، صندوق الاقتراع ، ننتج إنساناً إسلامياً ، الانتخابات كلها مرفوضة ، هذا صار في الجزائر ، وصار عند الفلسطينيين، وصار في مصر ، وأي بلد إسلامي إذا كانت الانتخابات حرة نزيهة وأفرزت إنساناً مسلماً الانتخابات كلها مرفوضة ، هم كذابون ، هم يريدون انتخابات تفرز إنساناً صنيعاً لهم .
المذيع :
رضينا بالديمقراطية ، رضينا بالهم والهم لم يرض بنا .
الدكتور راتب :
لذلك نحن ما صدقنا الله عز وجل ، أنت حينما تقرأ القرآن وتنتهي تقول : صدق الله العظيم ، نحن ما صدقنا ربنا حينما قال :

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 119]

هم يضحكون علينا ، ويصطنعون معارك ، معركة شكلية بين أمريكا وإيران ، وإيران العصا الغليظة في المنطقة .
المذيع :
شيء واضح جداً .
الدكتور راتب :
هم عندهم عصا غليظة في المنطقة ، كانت إسرائيل الآن إيران ، هذه مشكلة كبيرة جداً ، فنحن ما لم نكن أقوياء لن نأخذ من حقنا شيئاً .
المذيع :
تكون القوة بالوحدة ، القوة بالكلمة الصادقة الصحيحة ، القوة أن ننتهي من السدود والحدود ، القوة أن نحكم الصلة بكتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام .

 

القوة تنبع من الكلمة الصادقة و إحكام الصلة بالله :

الدكتور راتب :
أنا أتألم ألماً لا حدود له حينما أرى بأسنا بيننا ، وأقول لك هذه الكلمة الموضوعية : أعداؤنا الغربيون يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة ، ونحن تسيل الدماء وبيننا خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة ، يتعاونون على خمسة بالمئة قواسم مشتركة ، مصلحتهم في التعاون ، نحن نتنافس ونتقاتل وبيننا خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة ، هذا الذي يجري في العراق وفي سوريا ، بين مذهبين إسلاميين أليس كذلك ؟ فلذلك نحن حينما نبتعد عن حقيقة ديننا تدب البغضاء بيننا .
الحقيقة أنا أقول كلمة للدعاة : الدعاة إلى الله نوعان ؛ دعاة إلى الله بإخلاص ودعاة إلى ذواتهم ، الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاتباع ، والدعوة إلى الذات أساسها الابتداع، الدعوة إلى الله الخالصة أساسها التعاون ، والدعوة إلى الذات أساسها التنافس ، الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاعتراف بالآخر ، والدعوة إلى الذات أساسها إلغاء الآخر .
مرة زارنا كارتر جاء للمنطقة ، برنامج زيارته دمشق رام الله تل أبيب ، ثلاث عواصم ، أما الرابعة فزيارة أسرة الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليط ، هل تصدق أن لنا عند اليهود أحد عشر ألفاً وثمانمئة أسير من أجل أسير واحد يأتي رئيس أمريكي سابق ليزور بيت الأسير!! أحد عشر ألفاً وثمانمئة أسير لا قيمة لهم إطلاقاً ، فلا أحد يحترمنا إذا كنا ضعفاء ، ما لم نكن أقوياء لا يحترم ديننا ، ولا تحترم أمتنا ، ولا لغتنا أيضاً .
المذيع :
عندما كان يؤسر مسلم كان يبادل بآلاف الأسرى من الروم أو التتار وأيضاً كانوا يدفعون له الأموال الطائلة لتحريره ، وله استقبال حافل ، الآن أسرى المسلمين ليس لهم قيمة .

 

من هان أمر الله عليه هان على الله :

الدكتور راتب :
ألخص الوضع القائم بكلمات : هان أمر الله علينا فهنا على الله ، قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

من أجمل ما قرأت عن هذه الآية : يا محمد بعد انتقالك إلينا ما كان الله ليعذب أمتك، ما كان ، من أشدّ أنواع النفي ، سماها علماء اللغة نفي الشأن ، تقول : هل أنت جائع ؟ أقول لك : لا ، إنسان محترم إن سألته هل أنت سارق ؟ يقول لك : ما كان لي أن أسرق ، أنا لا أفعل ، ولا أرضى به ، ولا أسمح به ، ولا أغطيه ، بعض العلماء عدوا عشرة أفعال بهذه الصيغة، قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن نعذب وسنة النبي قائمة فينا ، نحن الآن حديثنا عن القدس ، والقدس تحتاج إلى قوة .
المذيع :
الشباب بعضهم عندهم نوع من اليأس ، من القنوط ، يقول لك : بعد مئة سنة لا يصلح حال هذه الأمة ، ولا تحرر القدس ، نريد بشائر النصر .

 

بشائر النّصر :

الدكتور راتب :

((أمتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره))

[صحيح عن أنس]

حديث ثان :

((الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة))

[ البيهقي عن جابر]

فكرة ؛ نحن كمسلمين في شتى أنحاء العالم الإسلامي مع تتالي الهزائم والنكبات والنكسات ، أصبنا بثقافة سيئة جداً هي ثقافة الإحباط ، وثقافة اليأس ، وثقافة الطريق المسدود ، هناك ثقافة من أخطر الثقافات ، شلل ، لا تفعل شيئاً ، ولا تصدق نصراً ، لما علم الله منا هذا اليأس والقنوط من رحمته أنعشنا ببعض المنعشات ، أي حينما انتصر نفر قليل من أخوتنا في فلسطين على رابع جيش في العالم ، واستمرت المعركة فوق العشرين يوماً ، ولم تحقق إسرائيل ولا أدنى نصر ، كأن الله أعلمنا من خلال أفعاله أن يا عبادي لا تيئسوا أنا موجود ، وأنا معكم ، حينما كان هناك دولة في شمال سوريا ، هذه الدولة علمانية تعادي الدين عداء لا حدود له ، إذا هي فجأة دولة إسلامية ، هذا إنعاش ثان .
أول إنعاش انتصار الأخوة الفلسطينيين ، صاروخ يصنع محلياً من غزة إلى أعلى برج في تل أبيب ؟! أسلحة نصنعها نحن الآن ، صار عندنا جرعات منعشة ، انهيار النظام العالمي جرعة منعشة ، وانتصار أخوتنا الفلسطينيين على عدوهم اللدود جرعة منعشة ، أشياء كثيرة ؛ انهيار النظام المالي جرعة منعشة ، تطور تركيا من دولة عدوة للإسلام إلى دولة إسلامية ، ثلاث جرعات منعشة هذه كأن الله ينبئنا أن يا عبادي لا تيئسوا أنا موجود ، لا تقنطوا من رحمتي .
المذيع :
شيء طيب هذا الكلام يدفع الأمل في نفوس الناس ، لأن الناس فعلاً محبطة ، اليهود الآن يعتدون على الأقصى ، يحاولون أن يحتلوا الساحات ، يحاولون تهويد القدس ، يحفرون الأنفاق تحت الأقصى ، الكنس التي تبنى حوله ، والأمة ساكتة ، والمستوطنات تبنى ، والأشجار تقلع وتقطع ، الناس تقول : ماذا نفعل ؟ الدعاء ؛ نحن ندعو كثيراً ، فعلاً يريدون شيئاً.

 

ترسيخ الإيمان في قلوب الناس يزيح اليأس والتشاؤم عنهم :

الدكتور راتب :
أنا أقول لك كلمة هي قاسية ولكن أتمنى على الأخوة المشاهدين أن يتحملوها مني : الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيعه هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله . تقول : لا أقدر ، سأقول كلمة أنا : الإنسان يكبر ويكبر ويكبر بإيمانه ، بثقته بالله ، ثقته بالناصر وهو الله ، ثقته بالمستقبل ، ثقته بعدالة الله ، يكبر ويكبر ولا ترى كبره ، ليتضاءل أمامه كل كبير ، ويصغر ويصغر ويصغر ولا ترى صغره ، يتعاظم عليه كل حقير ، أضرب مثلاً تركيا ، تركيا دولة متخلفة في الثمانينات ، عليها أربعون مليار دولار ديون ، الآن ديونها صفر ، وترتيبها بالاقتصاد كان مئة وأربعين ، قبل حين أصبح ترتيبها الدولة الرابعة عشرة ، الآن الدولة الرابعة ، رابع دولة في العالم ، من مئة وأربعين لأربعة ، هذه دولة متخلفة بالثمانينات ، فيها أمراض المجتمعات كلها ، فجأة دولة أولى في العالم ، الغرب ينحني أمامها ، وكلمة رئيسها تؤخذ على محمل الجد ، فحينما هدد أوربا عقدوا مؤتمرات لفهم هذا التهديد ، أعطانا الله مثلاً ، أنا أقول: اليأس ضعف إيمان ، وأكاد أقول : اليأس كفر بالله ، نحن عباده إذا اصطلحنا معه انتهى الأمر، والصلحة بلمحة ، و إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .
أنت حينما ترسخ الإيمان في قلوب الناس تزيح اليأس والتشاؤم والسوداوية والإحباط والطريق المسدود ، هذه كلها أمراض خبيثة جداً .
أنا أقول دائماً : إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام ، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان . أنت حينما تريد أنا سأكون كذا ، الله عز وجل جاء بنا إلى الدنيا كي يعطينا سؤلنا ، قال تعالى :

﴿ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 34 ]

فنحن حينما نريد أن نكون أقوياء الله عز وجل يلبي هذه الرغبة فينا ويجعلنا أقوياء ، أما إذا كان هناك تخاذل ، وأنا ، وشهوات مسيطرة على حياتنا ، ما لم ننتصر على شهواتنا أنا أقول : الإنسان القوي إذا انتصر على نفسه فأقام فيها الإسلام ، وأقام الإسلام في بيته ، وفي عمله أدى الذي عليه ، أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك .
المذيع :
فضيلة أستاذنا الآن الحجاج عائدون من مكة إلى ديارهم سابقاً ، ولعلك تذكر جيداً من أجل ربط الناس بالقدس و بالأقصى كان يقولون شيئاً اسمه : تقديس الحج ، بعض الناس يقولون : تقديس الحج بدعة ولا يجوز ، هم ذكروا جزءاً من المسألة ولم يكملوها ، ليتهم قالوا: تقديس الحج بدعة وتحرير الأقصى واجب ، مثلما تقول هذه بدعة يجب على الأمة أن تتكاتف وتترابط وتذهب من أجل تحرير الأقصى ، لكنه هو توقف عند بدعة ، والناس لم تعد تتوجه للأقصى ، والأقصى مثله مثل بقية المساجد والأماكن ، لم يعد الاهتمام الكافي من الحكام والمحكومين ومن العلماء ومن الدعاة ومن العامة أصبح الاهتمام به قليل ، كيف توجه هذه المسألة فضيلتكم ؟

 

قضية القدس قضية إيمانية تحتاج إلى من يرعاها :

الدكتور راتب :
والله القضية قضية إيمانية ؛ موضوع الأقصى قضية إيمانية ، فما لم نقوِّ الإيمان في النفوس لن يكون لهذه المقولة قيمة عند المسلمين ، قضية إيمانية أصلاً ، عندنا قضايا علمية ، اجتماعية ، سياسية ، اقتصادية ، قضية القدس إيمانية تحتاج إلى من يرعى هذه المدينة ، ومن يحررها من المغتصبين ، هذا يحتاج إلى قوة ، والقوة أنواع ، اتحادنا قوة ، أن نزيل الخلافيات فيما بيننا قوة ، أن نوحد الأمة ونتجاوز الأهواء والروح القبلية والعشائرية ورمح الإقليمية ، حينما نتجاوزها نقوى ، عفواً حينما أتت أمريكا إلى العراق ماذا فعلت ؟ أنت أشوري ، أنت كردي ، وأنت عربي ، ماذا فعل فرعون ؟ قال تعالى :

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

[ سورة القصص: 4]

الفتن الطائفية هي الورقة الرابحة بيد أعداء الأمة من عهد فرعون إلى الآن .
المذيع :
أستاذنا الفاضل أنا أذكر سابقاً بعد سقوط الخلافة حاولوا أن يعملوا جامعة إسلامية ، ثم بريطانيا تدخلت صار اسمها : الجامعة العربية ، وكنا ونحن صغار ننشد في المدارس : بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ، ثم ألغوا هذا النشيد صار ينشدون : موطني موطني ، ثم قريتي قريتي ، ثم حارتي حارتي ، وصلنا إلى : أنا وأخي على ابن عمي ، وأنا وابن عمي على الغريب ، الآن صار شرذمة أكثر ؛ أنا فقط ، كل شيء يقف في وجهي سوف أنسفه ، هذه تظهر في الديمقراطية والانتخابات ، وبعض الأخوة رفعوا السلاح على بعضهم البعض ، و تحدوا بعضهم البعض ، فشرذموا فينا حتى يصبح الإنسان هو لوحده ولا عليه من الآخرين .
الدكتور راتب :
إنسان رشح نفسه للانتخابات فكتب بالإعلان : انتخبوا فلاناً فهو خير من يمثلكم فقط نجح ، عمل بطاقة : فلان خير من يمثل عليكم ، صار وزيراً ، كتب : فلان خير من يمثل بكم ، من يُمثلكم ، إلى يُمَثلُ عليكم ، إلى يُمَثِّل بكم .
المذيع :
سيدي ثلاث دقائق بقي في البرنامج والحديث معك لا يمل نريد منك كلاماً يشد الهمم.

 

طرائق القوة إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

الدكتور راتب :
طرائق القوة إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، أنا أبدأ التفاهم الزوجي قوة أمام الأولاد ، تفاهم الأولاد مع الأم والأب قوة ، تفاهم العائلة الكبرى - عندنا أسرة و عندنا عائلة - قوة ، تفاهم أهل القرية قوة ، تفاهم المدينة قوة ، تفاهم الوطن قوة ، تفاهم الأمة قوة ، حينما نزيل هذه الحواجز ، نزيل هذه العنعنات القبلية الجاهلية ، نزيل الأنا من نفوسنا إذا عزّ أخوك فهن أنت .
سيدنا الصديق قال لسيدنا عمر : يا عمر مد يدك لأبايعك ، صعق سيدنا عمر قال: " أي أرض تقلني ، وأي سماء تظلني ، إذا كنت أميراً على قومٍ فيهم أبو بكر ؟!! قال الصديق : يا عمر أنت أقوى مني . قال : يا أبا بكر أنت أفضل مني . ثم قال عمر : يا أبا بكر قوتي إلى فضلك ". هكذا المفروض أن نتعاون صغاراً وكباراً ، أقوياء وضعفاء ، متعلمين وغير متعلمين ، نحن في تنافس نحطم بعضنا بعضاً ، هناك مقولة في العالم الغربي : اسمها فريق العمل ، أحد أسباب نجاح الغرب فريق العمل ، يتعاونون نحن العشرة بواحد ، عندنا رواسب جاهلية ، رواسب الأنا ، رواسب الإقليمية والطائفية والعشائرية والقبلية ، أشياء تضعف قوتنا ، تفت بعضدنا ، فما لم نتوجه إلى الله هو يجمعنا ، نتوجه إلى الله يجمعنا ، نتعاون ولا نتنافس ، أنا أقول : هناك دعوة إلى الله ؛ الداعية الصادق يتبع ولا يبتدع ، يتعاون مع أخوته الدعاة ولا يتنافس معهم ، بهذا تنهض الدعوة ، الآن الدعاة إذا تعاونوا وتبادلوا النصائح وتشاوروا ارتقوا جميعاً عند الله وعند الناس ، فإذا تنافسوا وتراشقوا التهم سقطوا جميعاً من عين الله ومن عين الناس .
أرجو الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة أن تعيد حساباتها ، تتعاون ، وأن تعلم أن الآخر يريد أن يفرقها ، وأن يضعفها ، وأن يمزق شملها ، قال تعالى :

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 119]

خاتمة و توديع :

المذيع :
بارك الله فيك ، وجزاك الله خيراً ، الحديث مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي لا ينتهي ، ولا ينقضي ، كلام من القلب يصدر إلى القلب ، ومهما تحدثنا عن القدس لا ينتهي الحديث ، القدس في العيون ، نفنى ولا تهون ، القدس تجمعنا ، القدس توحد صفوف الأمة ، القدس في قلب كل مسلم عقيدة ، ومن يتخلى عن القدس يتخلى عن الإيمان ، كلما زاد اهتمام المسلم بالقدس زاد إيمانه ، وإذا ضعف اهتمام المسلم بالقدس ضعف إيمانه ، أسأل الله عز وجل أن يجمع قوتنا ، ويجمع شملنا ، لتحرير أرضنا بالقوة ، وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة .
نشكر لكم حسن استماعكم ، ومتابعتكم ، وباسمكم نشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي الذي أكرمنا بهذا اللقاء الطيب ، وإن شاء الله يكون لنا معه لقاءات مستمرة تضيء لنا بها الطريق ، ويضيء الدرب ، بارك الله بكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018