الحلقة - 22 - الذكر والأنثى١ - المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف والمسؤولية وخصائص كل منهما كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بهما . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠14برنامج ربيع الإيمان - قناة اليرموك
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلقة - 22 - الذكر والأنثى١ - المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف والمسؤولية وخصائص كل منهما كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بهما .


2015-07-09

مقدمة :

المذيع :
 أعزائي المشاهدين ؛ مرحباً بكم إلى حديقة ربيع الإيمان ، مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، في حلقة جديدة ، أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم .
المذيع :
 جزاك الله خيراً على هذا الحضور الطيب .
 أعزائي المشاهدين ؛ سنتحدث اليوم في ربيع الإيمان عن سرّ من أسرار القرآن الكريم ، وعن آية مباركة ولوحة جميلة جداً ألا وهي لوحة الذكر والأنثى في القرآن الكريم ، دكتور حفظك الله ، الحديث عن الذكر والأنثى في القرآن الكريم كان في أكثر من آية ، ما هو سرّ الحديث عن الذكر والأنثى ؟

 

مساواة المرأة للرجل في التكليف و التشريف و المسؤولية :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن الله عز وجل كمنطلق لهذه الحلقة والتي تليها أن المرأة مساوية تماماً مساواة كاملة وتامة للرجل ، والمساواة الكاملة نوعية والتامة عددية ، المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف ، وفي التشريف ، وفي المسؤولية ، مكلفة كما هو مكلف ، ومشرفة كما هو مشرف، ومسؤولة كما هو مسؤول ، ولكن إذا قال الله عز وجل :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾

[ سورة آل عمران : 36]

 معنى ذلك أن خصائص الرجل الجسمية والنفسية والاجتماعية والفكرية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت به ، وأن خصائص المرأة الجسمية والنفسية والاجتماعية والفكرية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها .
 للتقريب المركبة التي أعدت لنقل الركاب أكبر مساحة فيها للركاب ، وحاجاتهم في الطابق الأسفل ، أما المركبة التي أعدت لنقل البضائع فأكبر مساحة للبضائع وهناك مكان صغير للسائق ومعاونه ، المرأة مساوية مساواة تامة وكاملة - التامة عددية والكاملة نوعية - للرجل في التكليف والتشريف والمسؤولية ، مكلفة بأركان الإيمان ، مكلفة بأركان الإسلام ، مكلفة بافعل ولا تفعل ، والتشريف ، هو إنسان مكرم ، وهو المخلوق الأول ، وهي مكرمة مثله وهي المخلوق الأول ، ومسؤولة عن بيتها وزوجها وأولادها كما هو مسؤول ، لكن إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾

[ سورة آل عمران : 36]

 معنى ذلك أن خصائص الرجل الفكرية والجسمية والنفسية والاجتماعية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت به ، وأن خصائص المرأة الفكرية والجسمية والنفسية والاجتماعية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها ، هذه المبادئ الكبرى تكون إن شاء الله محور للتفاصيل التي سوف تأتي في هذه الحلقة والتي تليها .
المذيع :
 دكتور أنت ذكرت مرة في قوله تعالى :

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ﴾

[ سورة النجم : 45]

 لماذا أبرز القرآن الكريم هذا المشهد ؟

 

لقطة لأحوال المسلمين في عصور تمسكهم بالدين :

الدكتور راتب :
 الحقيقة البلاغية أن أية آية في كتاب الله إذا بدأت بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ، المؤمنات معنيات قطعاً بنظام التغليب في اللغة ، يا أيها الذين آمنوا قطعاً يا أيتها المؤمنات ، ولكن من حين لآخر يذكر الله الذكر والأنثى تأكيداً على مساواة المرأة للرجل ، قال تعالى :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل : 97 ]

 آيات معدودة جاء ذكر الذكر والأنثى تأكيداً للمساواة وللتكليف والتشريف ، لكن فيما مرّ معي من دراسات ، روت كتب الأدب والسيرة أن القاضي شريح لقيه صديقة الفضيل قال له: يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال : منذ عشرين عاماً لم أجد من يعكر صفائي ، قال : وكيف ذلك يا شريح ؟ قال : خطبت امرأة من أسرة صالحة ، فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحاً وكمالاً ، يقصد صلاحاً في دينها وكمالاً في خَلقها ، فصليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة ، فلما سلّمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي ، وتسلم بسلامي ، وتشكر شكري ، فلما خلا البيت من الأهل والأحباب دنوت من زوجتي ، فقالت لي : على رسلك يا أبا أمية - أي انتظر - فقامت فخطبت ، قالت : أما بعد ، يا أبا أمية إني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب ولا ما تكره ، فقل ما تحب حتى آتيه ، وما تكره حتى أجتنبه ، ويا أبا أمية قد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك ، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي ، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ، فاتقِ الله فيّ ، وامتثل قوله تعالى :

﴿ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

[سورة البقرة: 229]

 ثم قعدت ، قال : فألجأتني إلى أن أخطب ، وقف وقال : أما بعد ، فقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك ذخراً وأجراً ، وإن تدعيه يكن حجة عليك ، أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا ، ما وجدت من حسنة فانشريها ، وما وجدت من سيئة فاستريها - لذلك ورد أستاذ طالب جزاك الله خيراً في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم يحب المرأة الستيرة لا تفضح زوجها - ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها . قالت : كيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال : نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين حتى لا يملونا . وفي الحديث الشريف:

(( زر غِبَّاً تزدد حبَّاً ))

[الطبراني عن عبد الله بن عمرو]

 قالت : فمن من الجيران تحبَّ أن أسمح لهنَّ بدخولِ بيتك ؟ ومن تكره ؟ قال : بنو فلان قومٌ صالحون ، وبنو فلان قومٌ غير ذلك ، قال : ومضى عليَّ عامٌ جئت إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا ، فلمَّا دخلت رحَّبتُ بها أجمل ترحيب ، وكانت قد علمت من ابنتها أنها في أهنأ حال ، قالت لي أمها : يا أبا أمية كيف وجدت زوجتك ؟ قلت : والله هي خير زوجة ، قالت : يا أبا أميَّة ما أوتي الرجال شراً من المرأة المدلَّلة فوق الحدود ، فأدِّب ما شئت أن تؤدِّب ، وهذِّب ما شئت أن تهذِّب ، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة ، ومضى عليّ عشرون عاماً لم أجد ما يعكر صفائي إلا ليلة واحدة كنت فيها أنا الظالم .
 هذه لقطة لأحوال المسلمين في عصور تمسكهم بالدين ، لأن الإنسان إذا تمسك بمنهج الله عز وجل ، هذا المنهج أشاع في حياته السعادة ، والحبور ، والتألق ، والسرور ، لأن الحقيقة الإنسان إذا استقام لن يحصي نتائج الاستقامة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

الزوج يكمل نقصه العاطفي بزوجته و الزوجة تكمل نقصها القيادي به :

 وقد يلفت النظر أن الله عز وجل قال :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ ﴾

[ سورة الروم : 21]

 أي من آياته الدالة على عظمته ، على رحمته ، على حكمته ، على أسمائه الحسنى، قال تعالى :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الروم : 22]

 الكون ، السموات والأرض كما تعلمون مصطلح قرآني يعني الكون ، يعني ما سوى الله ، قال تعالى :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الروم : 22]

 ندقق الآن ، قال تعالى :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[ سورة الروم : 21]

 المرأة إنسان لها عقل ، ولها قلب ، ولها مشاعر ، ولها أحاسيس ، ولها شخصية ، ولها كرامة ، تسعد وتشقى ، ترتقي وتسقط ، إنسان بكل معنى الكلمة ، قال تعالى :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم : 21]

 هذه اللام عند علماء النحو لام التعليل ، أي علة السكنى أن الزوج يكمل نقصه العاطفي بزوجته ، وأن الزوجة تكمل نقصها القيادي به ، فالمرأة تعتز بزوجها هكذا أراد ، هكذا قرر ، هكذا أعطى أمراً ، وهو يعتز بأنوثتها ، لذلك الآن العلماء يفرقون بين جمال المرأة وبين أنوثتها ، فقد تفقد المرأة كثيراً من أنوثتها عندما تخرج عن منهج الله ، والحقيقة أجمل ما في المرأة أنوثتها .
المذيع :
 دكتور بعد فاصل قصير ...
 أعزائي المشاهدين ، مرحباً بكم مرة أخرى ونعود في ربيع الإيمان ، هذه الحلقة الحديث عن المرأة والتفريق بيت الجمال والأنوثة ، وهي زهرة مباركة من زهرات فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، نريد أن نفصل في التفريق ما بين الجمال والأنوثة .

 

التفريق بين الجمال و الأنوثة :

الدكتور راتب :
 المرأة لها شكل ، أودع الله في الإنسان محبة الأنثى ، هذه فطرة ، وأودع في الأنثى محبة الرجل ، لكن هذا الحب حيادي إما أن يوظف في الحق أو في الباطل ، حينما يتحرك الإنسان بدافع من شهوته في الحيز الذي سمح الله به يسعد في زواجه ، العلاقة بين الذكر والأنثى واسعة جداً ، أنا للتقريب أعطيها مئة وثمانين درجة ، هناك مئة درجة زاوية هي المسموح به وما سوى ذلك محرم ، والإنسان عندما يتحرك بدافع من شهوته وفق منهج الله يتألق ويسعد، بل إني أقول وأرجو أن أكون على صواب : إن متعة الزوج المؤمن بزوجته المؤمنة تفوق آلاف الأضعاف عن متعة رجل غير مؤمن بزوجته الغير مؤمنة ، هنا يوجد فرق هناك مباركة من السماء ، شعور أنك أنت تحت مظلة الله ، تتحرك وفق منهج الله ، تتحرك والله راض عنك ، تتحرك وكلك رحمة بزوجتك ، كلك عطف عليها ، كلك لطف بها ، حينما تدخل معاني الإيمان، للتقريب بيت فيه براد ، وثلاجة ، ومكيف ، وغسالة ، ومكواة ، عدد لي كل الأدوات الكهربائية من دون استثناء ، في هذا البيت كل الأدوات بأعلى مستوى ، لكن لا يوجد كهرباء ، كل هذه الأدواء عبء يحتل مكان بلا فائدة ، فإذا سرت الكهرباء في هذه الأجهزة الثلاجة بردت ، والمكيف لطف الجو ، والمروحة دارت ، والمكواة عملت ، كل هذه الأجهزة تعمل وفق وظيفتها ، فأنت إذا آمنت أنت أسعد زوج ، وإذا آمنت أنت أسعد أب ، وإذا آمنت أنت أسعد ابن ، وإذا آمنت أنت أسعد أخ ، وإذا آمنت أنت أسعد ابن ، وإذا آمنت أنت أسعد أخ ، هذا الإيمان كالحياة يسري في قلوبنا ، ترى المؤمن سعيداً .

 

السكينة و السعادة نصيب من اتصل بالله عز وجل :

 والله مرة جاء أخ كريم من الحج ذهبت للسلام عليه مهنئاً ، قال لي كلمة مؤثرة جداً ، قال : والله ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني . فلذلك أنت حينما تتعامل مع الله ..

فـلو شاهدت عيناك من حسننــا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولو ذقت من طعم المحبــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة  لــمت غريبـــــــــــاً واشتياقاً لقربنــا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائـــح  تــركت جميع الكائنات لأجلنـــــــــا
فما حبنا سهل و كل من ادعـى  سهولته قلنـــــــــــا له قـد جهلتنـــا
***

 بصراحة الإنسان أكل وشرب ونام وتزوج وركب مركبة وسافر وعمل وليمة وعمل سياحة ، كل هذه اللذائذ لا تساوي مقدار بسيطاً أمام لذة القرب ، لذة الصلة بالله عز وجل ، أنت حينما تنظر إلى البحر ما الذي يحصل ؟ منظر البحر والمياه الزرقاء الصافية والسماء الصافية هذا منظر جميل ، كأن هذا البحر وتلك السماء أخذت مسحة من جمال الله ، أنت إذا نظرت إلى حديقة غنّاء ، إلى وجه طفل صبوح ، هذا الجمال مسحة من جمال الله ، فكيف إذا عقدت الصلة مع أصل الجمال ؟ إذا عقدت صلة آنية مع مسحة من جمال الله عز وجل ، قلت: المنظر رائع ، الطعام طيب ، هذا الطفل جميل ، هذه الحديقة وهذا الورد رائع ، هذه كلها آثار لجمال الله عز وجل ، فإذا كنت مع أصل الجمال ، مع خالق السموات والأرض لذلك أنا أعتقد أن الملك الذي كان ملكاً إبراهيم بن الأدهم ثم أصبح عارفاً بالله ، وكأني أؤكد على أنه كان ملكاً فعلاً وترك الملك وصار عارفاً بالله ، قال : لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
 مرة سأل رجل قال له : هذا الملك حينما قال الله عز وجل :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه : 124 ]

 فما بال الأغنياء والملوك أي معيشة ضنك ؟ هل يوجد شيء تمناه الملك إلا وأصابه؟ قصور ، وطعام ، وثياب ، ومركز ، وسيطرة ، إلى آخره ، فأجاب هذا العارف بالله : ضيق القلب . المعيشة الضنك للقوي والغني ضيق القلب ، والسعادة للمؤمن ، هذه السكينة تتنزل على قلب المؤمن ، يسعد بها ولو فقد كل شيء ، السكينة سعد بها أهل الكهف في الكهف ، سيدنا إبراهيم في النار ، وسيدنا رسول الله في الغار .
المذيع :
 دكتور لماذا فرق القرآن الكريم بين الرجل والذكر ؟

 

تفريق القرآن الكريم بين الذكر و الرجل :

الدكتور راتب :
 والله أنا أرى أن كلمة رجل في القرآن الكريم تعني أنه بطل ، قال تعالى :

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة النور: 37]

المذيع :
 دكتور قال تعالى :

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾

[سورة الأحزاب : 23]

 أما الذكر فأي إنسان ليس أنثى ، مرة جائتني رسالة من بريطانيا كان معجباً قال : أنا عرفت أنني ذكر ولست رجلاً . الرجولة تعني البطولة .
المذيع :
 دكتور القرآن الكريم عبر عن أن علاقة الزوج بزوجته ونحن سنفرد حلقة بكاملها عن العلاقة الزوجية ، لكن كنت تحدثت قبل قليل على أن المرأة تعتز بسيادة زوجها ، القرآن الكريم قال :

﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ﴾

[سورة يوسف : 25]

 عند بعض العلماء الزوج سيد بنص القرآن الكريم ، ما توجيهكم ؟

 

من بني زواجه على طاعة الله تولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين :

الدكتور راتب :
 أنا أقول سيدي : إذا بني الزواج على طاعة الله تولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين ، أما إذا بني على معصيته فيتولى الشيطان التفريق بينهما ، أنا مرة كنت أمشي في الطريق فرجل له محل تجاري ومنعم دعاني إلى هذا المحل سألني سؤالاً قال : خطب ابنتي شاب في أعلى درجة من الغنى ، المعمل باسمه ، وله مركبة فارهة ، وبيت في أفخم أحياء دمشق ، جميع مواصفات الغنى ، وهو رجل وسيم ، وله مكانة ، فلما سألني قال لي : لكن دينه رقيق ، قلت له : أنت حينما تقرأ القرآن الكريم وتنتهي من قراءته ماذا تفعل ؟ قال : أقبّل القرآن وأضعه على جبيني ، قلت له : ماذا تقول ؟ قال : أقول : صدق الله العظيم ، قلت له : الله عز وجل يقول :

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[سورة البقرة : 221]

 إذا أنت قلت هذا بلسانك : دينه قليل أي لا يوجد به دين ، وسيم ، وغني ، ومال وفير ، وسيارة فارهة ، وبيت بأرقى أحياء دمشق ، يبدو أن هذه الصفات الرائعة المادية غلبت عليه فزوجه إياها ولم يعبأ بالآية الكريمة :

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[سورة البقرة : 221]

 والله يحدثني أخ كريم بعد سبعة عشر يوماً من الزواج اختلف معها وكان في مكان خارج دمشق ، فتح باب المركبة وركلها بقدمه ، وعاد وحده إلى دمشق ، وتمّ الطلاق بينهما ، أنت حينما تتحرك في زواجك وفق منهج الله يتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين ، يلقي محبتك في قلبها ، ويلقي محبتها في قلبك ، أنا أقول : هذا ليس له ضابط علمي ، قد تكون زوجة في الدرجة الخامسة ومع ذلك الزوج يحبها حباً يفوق حدّ الخيال ، وقد تكون بارعة الجمال ومع ذلك زوجها يبغضها ، إذا بني الزواج على طاعة الله تولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين ، أما إذا بني على معصيته فيتولى الشيطان التفريق بينهما .
المذيع :
 دكتور ولعل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله ألقى في قلبي حبّ عائشة " ؟
الدكتور راتب :
 الحمد لله الذي رزقني حبّ عائشة ، النبي صلى الله عليه وسلم يشكر الله على أنه رزقه حبّ عائشة ، وأنا أقول : أي زوج لمجرد أن يغض بصره عن محارم الله ، ويستقيم على أمر الله ، ويبني بيته على طاعة الله يتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين ، لذلك أنا أرى السعادة الزوجية لا تتأتى بشروط مادية إطلاقاً تتأتى بشروط معنوية ، مرة دخلت إلى بيت فيما أذكر أنه بيت بأحد أفقر أحياء دمشق ، والبيت لا يوجد به شيء ، بلاط لا يوجد به ، وسائل رخيصة جداً ، أنا شعرت أن هذا البيت جنة ، الزوجة مؤمنة والزوج مؤمن وعندهم أطفال ، أحياناً يعطيك السكينة فتسعد بها و لا تملك شيئاً ، وأحياناً عند الإنسان أموال لا تأكلها النيران صاحبها من الأشقياء ، أنا أقول هذه الكلمة المختصرة المفيدة : إذا بني الزواج على طاعة الله تولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين .
المذيع :
 دكتور ما رأيك بمن يقول : إن هذا الدين منحاز للرجل ؟

 

من عبدت ربها فيما أقامها فهي في أعلى درجة عند الله عز وجل :

الدكتور راتب :

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا بامرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت : من هذه يا جبريل ؟ قسال : هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))

[ الأدب المفرد للبخاري ]

 امرأة تربي أولادها هي في أعلى درجة عند الله عز وجل .

(( انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، واتباعها موافقته ، يعدل ذلك كله ـ يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

 والجهاد أستاذنا ذروة سنام الإسلام .
المذيع :
 دكتور ما معنى حسن تبعل ؟
الدكتور راتب :
 أن تكون زوجة صالحة وأماً صالحة ، أنا أضرب مثلاً أرجو أن أكون على صواب لو أن امرأة تحب الله كثيراً ، وصلت قيام الليل ، و في الساعة السادسة تعبت كثيراً وعندها خمسة أولاد ، أوت إلى فراشها ، و ليدبر أولادها أنفسهم ، طفل لا يعرف أن يأكل ، طفل لم يكتب وظيفته ، طفل ثيابه غير منتظمة ، أولادها عوقبوا في المدرسة ، أما هي فقد قامت الليل وبكت في الصلاة ، المرأة الثانية استيقظت قبل الشمس بنصف ساعة ، صلت الفجر ودفأت الغرفة ووضعت طعاماً لأولادها ، عملت لهم شطائر ، راقبت وظائفهم ، راقبت ثيابهم ، أنا أرى أن الثانية أقرب إلى الله ألف مرة من الأولى ، لأن الثانية عبدت ربها فيما أقامها ، أقامها أماً فعبدت ربها بقيامها بواجب تربية أولادها .

 

خاتمة و توديع :

المذيع :
 دكتور أشكرك جزيل الشكر على هذا المثال الجميل ، أسأل الله أن نكون أحسن الناس فيما أقامنا .
 أعزائي المشاهدين أشكركم شكراً جزيلاً على حسن متابعتكم ، كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي الذي أمتعنا بهذا اللقاء ، وأسأل الله أن ألقاكم في حلقة مقبلة في ربيع الإيمان إن شاء الله ، وإلى لقاء آخر ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018