الحلقة - 16 - التفكر في خلق الله . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠14برنامج ربيع الإيمان - قناة اليرموك
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلقة - 16 - التفكر في خلق الله .


2015-07-03

مقدمة :

المذيع :
  أعزائي المشاهدين ؛ مرحباً بكم إلى حديقة ربيع الإيمان ، مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، في حلقة جديدة ، أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم .
المذيع :
 أعزائي المشاهدين ؛ في ربيع الإيمان لن تذوق حلاوة الربيع حتى تتأمل في هذه الحديقة الغنّاء التي يطوف البصر فيها أياماً وليال لا يمل من روعة هذا الخلق البديع ، حول هذا المعنى سنتحدث عن التفكر في خلق الله عز وجل ، ونعيش في ربيع الإيمان تحت ظلال قول الله :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة فصلت : 53 ]

 مرحباً بكم مرة أخرى .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم .
المذيع :
 دكتور اليوم سنعيش لحظات جميلة في آيات الله البديعة ، لماذا أمرنا الله بالتفكر ؟

الجمع بين التّعرف إلى الله و التّعرف إلى منهجه :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين .
 أستاذ طالب جزاك الله خيراً ، الحقيقة الإمام علي رضي الله عنه يقول : " أصل الدين معرفة الله " . الإنسان إذا عرف الله عرف كل شيء .

(( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 الأصل أن نعرف الله ، لكن الله عز وجل كما قال :

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة الأنعام : 103 ]

 أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن نرى الله ، لكنه فيما ورد في بعض الأحاديث نراه في الجنة إن شاء الله ، إذا أكرمنا الله بالجنة ،

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

 ولكن العقول تصل إليه ولا تحيط به ، من خلال خلقه ، هذا الخلق ؛ الأكوان ، السموات ، الأراضين، الأشجار ، الأنهار ، البحار ، الأطيار ، الأسماك ، هذا الكون يشف عن خالق عظيم ، يشف عن وجوده ، وعن كماله ، وعن وحدانيته ، ، وأنا حينما أتفكر في خلق السموات والأرض أتعرف إلى الله ، أتعرف إلى الآمر ، وإذا عرفت من هو الآمر تفانيت في طاعته ، وكأنني أحاول أن أضع يدي على مشكلة المسلمين الأولى ، أنهم عرفوا الأمر من خلال التعليم المدرسي أو الجوامع ولم يعرفوا الآمر ، ولماذا بقي الصحابة الكرام في مكة سنوات طويلة والآيات التي تتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم تتحدث عن الله عز وجل وعن خلقه وعن الدار الآخرة ؟ أي هناك حقيقة خطيرة يجب في التعليم الشرعي ، في التوجيه الديني ، في إلقاء الخطب ، في كل نشاط ديني ، أن نجمع بين شيئين ؛ بين أن نتعرف إلى الله وبين أن نتعرف إلى منهجه .
المذيع :
 دكتور لذلك في القرآن الكريم يوجد آيات كثيرة تتحدث عن الخلق التي هي مرآة الخالق سبحان الله إن صح التعبير .

حق تلاوة القرآن الكريم قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة العربية :

الدكتور راتب :
 لهذا أنا أقول : بالكون نعرفه وبالشرع نعبده ، والحقيقة شرطان لازمان لا يغني أحدهما عن الآخر ، لا بد من أن نعرفه ، ولا بد من أن نعرف أمره ونهيه ، كيف نعبده إن لم نعرف أمره ونهيه ؟ وكيف تصح عبادتنا له إن لم نعرف من هو الله ؟ فلذلك في القرآن الكريم آيات كثيرة ، لكن الله قال :

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة : 121 ]

 وصف المؤمنين أنهم يتلونه حق تلاوته ، فما حق تلاوته ؟ قال بعض العلماء : حق تلاوته أن تقرأ القرآن الكريم قراءة صحيحة وفق قواعد اللغة العربية ، قال تعالى :

﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر : 28 ]

 العلماء : فاعل مؤخر ، وأن تقرأ القرآن إن أمكن وهو أفضل وفق قواعد علم التجويد ، ثم أن تفهمه ، لكن مركز الثقل هو التدبر ، أنا أرى أن التدبر بعد أن تقرأه قراءة صحيحة ، وبعد أن تقرأه قراءة مجودة ، وبعد أن تفهمه ، أخطر شيء في علاقتك مع القرآن أن تسأل نفسك مع كل آية تقرؤها أين أنت منها ؟
المذيع :
 دكتور لماذا فرقت بين الفهم والتدبر ؟

 

الفرق بين الفهم و التدبر :

الدكتور راتب :
 الفهم قد يأتي مستشرق ويتقن اللغة العربية ويفهم الآية وفق قواعد اللغة العربية ، أما المؤمن فالمطلوب منه أن يعيش هذه الآية ، أنا أقول دائماً : ممكن أن تدرك فكرة أما أن تعيشها فهذا شيء آخر ، من هنا قال الإمام العكبري : " تؤخذ ألفاظه من حفاظه ، وتؤخذ معانيه ممن يعانيه ". أنت حينما تعيش القرآن تعيش الآيات و هذا شيء كبير جداً ، مثلاً قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[سورة الأحزاب :71]

 الآية واضحة ، فإذا قرأتها المعنى واضح جلي ، لكن أن تكون مطيعاً لله ورسوله وأن تذوق حلاوة القرب ، أن تذوق محبة الله ، أن تذوق أن الله معك ، أن تذوق أن الله يوفقك ، هو يهديك إلى سواء السبيل ، هذه المعاني ينبغي أن نعيشها ، لذلك فرق كبير بين أن نقرأ نصاً وبين أن نعيشه ، فالمؤمن حينما يقرأ القرآن يتأثر تأثراً بالغاً لأنه يتفاعل مع نفسه .
المذيع :
 دكتور لذلك جاء في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ذات ليلة فقرأ من أواخر سورة آل عمران ، وهي الآيات : "إن اختلاف الليل والنهار ..." إلى آخره قال : " ويل لم قرأهن ولم يعمل بهن ".

 

الكون هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الله :

الدكتور راتب :
 إذاً نحن أمام كتاب هو كما قيل : النبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، والقرآن كون ناطق ، والكون قرآن صامت ، نحن أمام قرآن هو كون ناطق ، والحقيقة الكون هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الله ، لأنه يشف عن أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى .
 لكن كتعليق لطيف ؛ كل ما في الكون يشف عن أسمائه الحسنى إلا اسم العدل يشف عن عدله جزئياً ، لكننا يوم القيامة نتحقق من هذا الاسم ، قال تعالى :

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم : 71 ]

 فقال العلماء : ورود النار غير دخولها . كيف إذا أنشأنا سجناً مركزياً من أعلى مستوى ، وجاء وزير يتفقد هذا السجن ، هذا ليس مسجوناً هو الذي أنشأه ، قال تعالى :

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم : 71 ]

 المؤمن حينما يرى مكانه في النار لو لم يكن مؤمناً تتضاعف سعادته ، حينما يرى الطغاة في الأرض أين هم يرى عدل الله عز وجل ، أنا قلت : إن أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل محقق جزئياً ، أما حينما تأتي الدار الآخرة وتأتي يوم القيامة فيتجلى هذا الاسم بأعظم صورة ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم : 71 ]

 كي ترى مصير العصاة والطغاة الذين بنوا مجدهم على أنقاض الآخرين ، بنوا حياتهم على موتهم ، بنوا غناهم على فقرهم ، بنوا صحتهم على مرضهم ، بنوا وجودهم على عدمهم ، هذه مشكلة كبيرة .
المذيع :
 هذا تأويل القرآن الذي سمعوه أو تأويل العدل الذي عرفوه ؟

 

القرآن الكريم كون ناطق :

الدكتور راتب :
 التأويل أن يتحقق الوعد والوعيد ، الله عز وجل يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين ، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين ، ولكن الحساب الختامي يوم القيامة ، إذاً هذا القرآن الكريم كون ناطق ، أنا حينما أقرأ الآيات أفاجأ أن هناك آيات فيها أمر ، موقفي من هذه الآية أن ائتمر ، آيات فيها نهي ، موقفي أن أنتهي ، آيات فيها ذكر لأقوام آخرين عصوا ربهم فأهلكهم الله ، موقفي أن أتعظ ، أنا أذكر لك نماذج من الآيات ، قصة نبي عظيم ليكون قدوة لي، قصة قوم شردوا عن الله فدمرهم الله ، أن أتعظ ، لكن ماذا أفعل إذا فوجئت أن في القرآن الكريم ألفاً وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون وخلق الإنسان ؟ أيعقل أن تقرأ آية لا علاقة لك بها ؟ أيعقل أن تقرأ آية ليس لك موقف منها ؟ ما الموقف التي تقتضيه هذه الآيات ؟ الحقيقة أن الموقف التي تقتضيه هذه الآيات هو التفكر في خلق السموات والأرض ، أما الآية الأصل في هذا الموضوع فهي قوله تعالى :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 أي دائماً الإنسان إما أن يكون قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً ..

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 191 ]

 أنا أحاول أن أسمي التفكر في خلق السموات والأرض عبادة من أرقى العبادات .
المذيع :
 إذا كان أبو الدرداء رضي الله عنه أكثر عبادته التفكر كما روي عنه .
الدكتور راتب :
 التفكر في خلق السموات والأرض يضعك وجهاً إلى وجه أمام عظمة الله عز وجل، فالتفكر في خلق السموات والأرض أوسع باب ندخل منه على الله ، وأقصر طريق إليه .
المذيع :
 دكتور بارك الله بك ، تعبيرات جميلة وتحتاج إلى وقفات عميقة ، ولكن فاصل ثم تعود معاً ...
 أعزائي المشاهدين ؛ مرحباً بكم نعود إلى فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، وقد وقفنا عند قوله أن التفكر أوسع باب ندخل منه على الله ، وأقصر طريق إليه .

 

التفكر أوسع باب ندخل منه على الله وأقصر طريق إليه :

الدكتور راتب :
 جزاك الله خيراً ، الله عز وجل يقول :

﴿ فلا أقسم بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة : 75-76]

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم . بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية ، وابنك مع آلة حاسبة يمكن أن يحسب لك المسافة ، الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر ، في الدقيقة ضرب ستين ، بالساعة ضرب ستين ، باليوم ضرب أربع وعشرين ، بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ، أربع سنوات ضرب أربع ، هذه المسافة بالكيلو مترات بيننا وبين أقرب نجم ملتهب ، لو أردنا أن نصل إليها بسيارة لاحتجنا إلى خمسين مليون عام ، خمسون مليون عام من أجل أن أصل إلى أقرب نجم ملتهب .
 بعد الأرض عن نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية ، بعد الأرض عن مجرة المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية ، بعد الأرض عن أحدث مجرة مكتشفة أربعة وعشرون ألف مليون سنة ضوئية ، الآن نقرأ قوله تعالى :

﴿ فلا أقسم بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة : 75-76]

 أستاذ طالب ، الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي - أي بيضوي - وهذا الشكل له قطر أصغر وقطر أطول ، كالبيضة ، الآن الأرض تتحرك من القطر الطويل إلى القطر الأصغر ، حينما تقل المسافة بينها وبين الشمس بحسب قانون الجاذبية يتعلق بالمسافة والكتلة ، الكتلة ثابتة ، الأرض ثابتة ، والشمس ثابتة ، المسافة قلت ، معنى ذلك تزداد الجاذبية، هناك احتمال أن تنجذب الأرض إلى الشمس ، فإذا جُذبت إليها تبخرت في ثانية واحدة ، ما الذي يحصل ؟ الله عز وجل يرفع سرعة الأرض ، فتنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة ، فتبقى في مسارها ، الآن اقرأ قوله تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر : 41 ]

 أن تنحرف عن مسارها ، ما الذي يبقي الأرض في مسارها مع أن المسافة قلّت ؟ فليس من السهل أن تبقى الأرض على مسارها .
 الآن الأرض وصلت إلى القطر الأطول ، المسافة زادت بين الأرض والشمس ، وبحسب قانون التجاذب مع ازدياد المسافة تضعف الجاذبية ، فلئلا تتفلت من جاذبية الشمس ، ما الذي يحصل ؟ تخفض الأرض سرعتها ، من يخفض لها سرعتها وهي جماد والجماد غير عاقل ؟ الله عز وجل ، لينشأ من خفض السرعة قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى على مسارها ، يد من ؟ عظمة من ؟ هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ لكن الذي يلفت النظر أن سيدنا علي رضي الله عنه يقول : "في القرآن آيات لما تفسر بعد" . لكل آية وقت مناسب تفسر فيه .
المذيع :
 دكتور هذا التفكر ما فائدته على الإنسان ؟

 

فائدة التفكر :

الدكتور راتب :
 فائدته لا تقدر بثمن ، إنك إن تفكرت في خلق السموات والأرض عرفت الله ، فإذا عرفته وعرفت منهجه أطعته ، فإذا أطعته سعدت في الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[سورة الأحزاب :71]

 بمقاييس الدنيا إذا إنسان اشترى أرضاً وتضاعفت مئة ضعف ، يقال لك : هذا فاز فوزاً عظيماً ، إذا إنسان أسس شركة وربحت أرباحاً طائلة إلى آخره ، أما الفوز العظيم فأن تعرف الله .

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري ، أهل مودتي ...))

[الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]

 التفكر ذكر ، والتفكر اتصال بالله ، والتفكر خشية ، والتفكر طاعة ، فلذلك أنا أرى أن التفكر من أرقى العبادات في الإسلام ، التفكر طريق معرفة الله ، التفكر طريق طاعته ، التفكر طريق خشيته ، التفكر طريق الفوز بالدنيا والآخرة .
المذيع :
 دكتور التفكر له علاقة بقوة الإيمان قطعاً لأن العهد المكي والآيات التي نزلت في العهد المكي كلها بشكل أساسي تصنع العقيدة القوية ، لذلك الله عز وجل قال :

﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس : 101 ]

 والآيات الكثيرة في كل المرحلة المكية .

 

التفلت من منهج الله نتيجة ضعف بمعرفة الله سبحانه :

الدكتور راتب :
 أنا أتمنى على واضعي المناهج أن موضوع الإعجاز العلمي يجب أن يدخل في صلب التعليم الشرعي والتعليم العادي ، لأن الإنسان متى يطيع الله ؟ إذا عرفه ، وكأني أقول : أمره ونهيه معروفان عند الناس جميعاً ، لكن معرفة ذاته ضعيفة ، هذا الضعف هو الذي سبب التفلت من منهج الله عز وجل .
المذيع :
 لذلك الله عز وجل لما عاتب الخلق قال تعالى :

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

[ سورة الزمر : 67 ]

الدكتور راتب :
 قال تعالى :

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾

[ سورة نوح : 13-14 ]

 قال تعلى :

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحاقة : 33]

 إبليس آمن بالله ، قال :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص : 82 ]

 أحياناً التركيز لا على كلمة الإيمان بالله ، الإيمان بالله العظيم ، المنافق آمن بالله يصلي ، أما المؤمن فآمن بالله العظيم ، الحقيقة التفكر باب واسع جداً ، والتفكر يجب أن يكون سلوكاً يومياً ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضطجع بين سنة الفجر وفرضه وكأنه يتفكر في خلق السموات والأرض .
المذيع :
 حتى قيل في وصفه : كان نطقه ذكره ، وصمته فكراً .

 

أصل الدين معرفة الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 أرجو الله عز وجل أن ينتبه واضعو المناهج في كتب التربية الإسلامية إلى حجز مكان كبير لمعرفة الله أولاً ، لأن أصل الدين معرفة الله عز وجل .
 الآن الكون بين أيدي الناس ، التقدم العلمي مذهل ، هناك إنسان يرى بسيدي عن المجرات الشيء الذي لا يصدق ، لكن المشكلة أن الإنسان إن لم يتخذ قراراً بأن يعرف الله لو كان بمحطة فضائية ، لو كان على مجهر إلكتروني يرى الخلية ، القضية قضية قرار نتخذه من الداخل .
المذيع :
 دكتور أعتقد أن الإنسان إذا تلمس روعة الله عز وجل فسوف يتخذ هذا القرار لأنه تنكشف له الحقائق .
الدكتور راتب :
 عالم كبير أنشتاين له كلمة قال : كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون ، عليمة هي علم ما تكون ، رحيمة هي أرحم ما تكون ، حكيمة هي أحكم ما تكون ، هو إنسان حي ، و لكنه ميت .
 فأصل الدين أن نعرف الله ، ألف وثلاثمئة آية في القرآن الهدف منها أن نعرف الله وكأنها موضوعات مختارة الله وضعها بين أيدينا ، في القرآن موضوعات ، الشمس ، القمر ، النجوم، الليل ، الأطيار ، الأسماك ، الجبال ، السهول ، الطعام ، الشراب ، خلق الإنسان ، قال تعالى :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ ﴾

[ سورة فصلت : 53 ]

المذيع :
 دكتور هذا التركيز في القرآن على معرفة الله عز وجل بهذا الحجم الهائل من هذه الآيات الكونية إنما يجعل خط القرآن الكريم كتاب هداية ، لأن القرآن يريد أن يعالج هذه النفس الإنسانية فترى حجمها أمام الله عز وجل .

 

التفكر في خلق السموات و الأرض يعرفنا بالله و أمره :

الدكتور راتب :
 أي إذا تفكرنا في خلق السموات والأرض عرفنا الله ، فإذا عرفنا الله ثم عرفنا أمره تفانينا في طاعته ، أما إذا أعرضنا عن التفكر في خلق السموات والأرض غفلنا عن الله ، تفننا في التفلت من هذا الأمر ، أرجو الله عز وجل أن تكون هذه الموضوعات باعثاً لأخوتنا المشاهدين على تخصيص وقت من حياتهم للتفكر في خلق السموات والأرض .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 دكتور أكرمك الله ، أرجو أن تكون هذه الدعوة مباشرة إلى القلوب في طريق واصل إن شاء الله عز وجل ، جزاك الله خيراً .
 أعزائي المشاهدين أشكركم شكراً جزيلاً على حسن متابعتكم كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي الذي أمتعنا بهذا اللقاء الطيب في التفكر في خلق الله تبارك وتعالى ، وأنتم أعزائي إن شاء الله ألقاكم في حلقة مقبلة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018