الحلقة - 15 - الصدق - ترابط بين العبادتين الشعائرية والتعاملية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠14برنامج ربيع الإيمان - قناة اليرموك
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلقة - 15 - الصدق - ترابط بين العبادتين الشعائرية والتعاملية .


2015-07-02

مقدمة :

المذيع :
  أعزائي المشاهدين ؛ مرحباً بكم إلى حديقة ربيع الإيمان ، مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، في حلقة جديدة ، أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ونفع بكم .
المذيع :
 سنتحدث في هذه الحلقة إن شاء الله عن شجرة باسقة ظليلة من أشجار ربيع الإيمان ، ألا وهي شجرة الصدق ، أكرم وأنعم بها من شجرة ، يقول الله تبارك وتعالى فيها :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة 119 ]

 أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ونفع بكم .
المذيع :
 دكتور الحديث عن الصدق جميل جداً كيف نبدأ ؟

 

العبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

الدكتور راتب :
 الله عز وجل أمرنا أن نعبده ، قال تعالى :

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

[ سورة الحجر : 99]

 لكن هذه العبادة منوعة ، هناك عبادة شعائرية كالصلاة والصوم والحج والزكاة ، وهناك عبادة تعاملية ، ما أصلها ؟ حينما دخل سيدنا جعفر على النجاشي ، فالنجاشي سأله عن الإسلام فقال :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، .. ))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذه الجاهلية ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

[ سورة الأحزاب: 33 ]

 كلمة أولى معنى ذلك أن هناك جاهلية ثانية ، أنت إذا قلت لإنسان : هذه الدفعة الأولى إذاً هناك دفعة ثانية ، الجاهلية الأولى تعني أن هناك ثانية ونعوذ بالله منها ، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير ، إن تكلم قتلوه ، وإن سكت استباحوه ، موتٌ كعقاص الغنم - وهذا وباء يصيب الغنم - لا يدري القاتل لمَ يقتل ؟ ولا المقتول فيمَ قُتل ؟
 فلذلك الإنسان حينما يرى أن هناك عبادة شعائرية ؛ صلاة ، صوم ، حج ، زكاة ، نطق بالشهادة ، ولا بد أن أؤكد أن هذه العبادات الشعائرية - وهذا كلام خطير - لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية .

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً - الآن العبادة التعاملية - منا نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ....))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 معنى ذلك أن هناك عبادات شعائرية كالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، والنطق بالشهادة ، وهناك عبادات تعاملية ، كالصدق ، والأمانة ، وحسن الجوار ، والعفة ، وما إلى ذلك ، عبادات شعائرية وعبادات تعاملية ، يمكن أن أمثل العبادة الشعائرية بساعات الامتحان فقط ، والعبادة التعاملية بالعام الدراسي بأكمله ، فهذه الساعات الثلاث إذا لم يكن هناك دراسة ومتابعة وحضور ومراجعة وحفظ لا معنى لها إطلاقاً ، من هنا قال :

(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً ، قيل: يا رسول الله جلهم لنا ؟ قال : إنهم يصلون كما تصلون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

 حتى من الأقوال الرائعة ، من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله .

(( ...وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار .. ))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 أي المؤمن إذا تكلم فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف .

((.. نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ....))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 أما النسب فلي عليه تعليق ، هذا النسب تاج يوضع على رأس المؤمن ، أما إن لم يكن هذا الإنسان مستقيماً فلا قيمة للنسب إطلاقاً ، الدليل قال تعالى :

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

[ سورة المسد: 1]

 عم النبي ، فالإنسان المؤمن الصادق المستقيم إذا كان له نسب جيد لا مانع ، هذا تاج يوضع على رأسه ، أما النسب فلا قيمة له إطلاقاً إن لم يكن هناك إيمان واستقامة .

(( ... نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه ...))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 السيدة خديجة قبل نزول الوحي بفطرتها السليمة قالت : والله لا يخزيك الله أبداً ، أنت تطعم الجائع ، تحمل الكل ، وتعين على نوائب الدهر ، معنى ذلك أن الإنسان حينما يعبد الله العبادة الشعائرية هذه يجب أن تسبقها عبادة تعاملية ، أنت بين الصلاتين إنسان تبيع بضاعة، فحلفت أيماناً كاذبة وبعت بضاعة مغشوشة ، فأذن الظهر فذهبت لتصلي أنا أعتقد لن تستطيع أن تقطف ثمار هذه الصلاة ، العبادات الشعائرية ومنها الصلاة والصيام والحج والزكاة لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية .

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 هذه الصيام ، الحج :

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 إنفاق المال ، قال تعالى :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 53]

 بهذه الشواهد الأربعة ، الآن الشهادة :

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قيل : وما حقها ؟ قال : أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

الأخلاق محور الدين الإسلامي :

 الآن أكدت للأخوة المشاهدين أن الصلاة والصيام والحج والزكاة والنطق بالشهادة أركان الإسلام لا تقبل ولا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية ، فإذا غاب عن المسلمين خطورة العبادة التعاملية ماذا يفعل الله بعباداتهم الشعائرية ؟ لا وزن لها إطلاقاً ، ورب تال للقرآن و القرآن يلعنه ، الإنسان يحب أن يضع في بيته آية الكرسي ، أن يضع في سيارته مصحفاً ، لا يوجد مانع ، لكن هذه لا تقدم ولا تؤخر إذا كان هناك معاص ، حتى نعيش بحقيقة الدين ما من داع أن تضع لوحات في البيت ، آيات قرآنية ، ما من داع أن تضع في السيارة مصحفاً ، لا يوجد مانع أبداً ، ولكن الذي يلغي قيمة هذه الأشياء الشكلية ألا تكون مستقيماً على أمر الله ، فهذا النجاشي سأل سيدنا جعفر فردّ عليه :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ... وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ..))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 فمعنى ذلك أن الأخلاق هي محور هذا الدين ، والدليل :

(( وإنما بعثت معلماً ))

[ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))

[السنن الكبرى عن أبي هريرة ]

 لذلك الإيمان - كلام ابن القيم - هو الخلق ، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .
 الآن النبي الكريم الله أعطاه الوحي ، أعطاه القرآن ، أعطاه المعجزات ، أعطاه النسب، أعطاه ، أعطاه .. لما مدحه بماذا مدحه ؟ قال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 يستطيع أب إذا منح ابنه سيارة أن يعمل له حفل تكريم ؟ ليس لهذا معنى ، أما إذا حقق الابن نجاحاً بتفوق فيقيم له حفل تكريم ، هذه نقطة مهمة جداً ، فالشيء الوهبي لا قيمة له، فالشيء الكسبي به تقيّم ، فلذلك العبادة التعاملية في ضوئها نقطف ثمار العبادات الشعائرية ، الان أحد أكبر مراتب العبادة التعاملية الصدق ، أن تأتي الأقوال مطابقة للأفعال ، أو بالعكس أن تأتي الأفعال مطابقة للأقوال .
المذيع :
 دكتور لأهمية الموضوع مرة أخرى حدثنا عن صدق الأقوال و صدق الأفعال .

 

ضرورة مطابقة الأقوال للأفعال :

الدكتور راتب :
 أن تأتي الأقوال مطابقة للأفعال هذا صدق الأقوال ، إنسان يدّعي أنه مؤمن ، وأنه يحب الله كثيراً ، ويصلي قيام الليل ، فإذا ارتكب معصية مالية كبيرة هذا الفعل ينقض أقواله كلها، لن يكون هذا الفعل مطابقاً لأقواله ، فلذلك هناك صدق الأقوال أن تأتي أقوال الإنسان مطابقة للواقع ، وهناك صدق الأفعال أن تأتي أفعالك موافقة لما تدعي ، أين الورع ؟

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 من هو المخلط ؟ هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً .
المذيع :
 دكتور أكرمك الله على هذه الكلمات أستميحك إلى فاصل قصير ..
 أعزائي المشاهدين ؛ أهلاً بكم وأهلاً بفضيلة الدكتور .. هل من الممكن أن يطبع الإنسان على الصدق أو أن يطبع على الكذب ؟

 

الإنسان مخير :

الدكتور راتب :
 والله الإنسان مخير ، وفي الذي اللحظة التي نتوهم أنه مسير في كل شيء ألغي الدين أصلاً ، ألغيت الجنة ، ألغي النار ، ألغي الامتحان ، ألغيت الفضائل ، الإنسان لأنه مخير تقيّم أعماله ، الدليل ، قال تعالى :

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف : 29 ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 3]

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 148]

 فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه :

(( أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ ؟ قالُوا : المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 كلام دقيق جداً أنا أرى أن العبادة التعاملية هي الأصل في هذا الدين ، حينما قال :

(( وإنما بعثت معلماً ))

[ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 بعثت معلماً .

((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))

[السنن الكبرى عن أبي هريرة ]

 الإيمان هو الخلق ، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان . نحن نؤكد أن الإنسان حينما يكون صادقاً يكون قد حقق أكبر بند من العبادات التعاملية ، والمؤمن بشكل أساسي في مثلث إذا حدثك فهو صادق ، وإن عاملك بالدرهم والدينار فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف ، صادق ، أمين ، عفيف .

((.. نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، ونسبه....))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 النسب تاج .
المذيع :
vدكتور في القرآن الكريم حديث عن مقعد صدق ومخرج صدق ومدخل صدق ما الذي يجمع بينهم ؟

 

بطولة الإنسان أن يدخل و يخرج في كلّ الأمور بنفس الصّدق :

الدكتور راتب :
 أنا خطر في بالي مرة لو أن الله عز وجل قال افتراضاً : اللهم اجعلني صادقاً ، قال تعالى :

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 80]

 أحياناً تنشئ مستشفى ، والكلام الذي تقوله كثيراً لمعالجة المرضى ، هذا عمل إنساني، هذا عمل خير ، هذا هذا هذا ..تملأ الأرض كلاماً من هذا النوع ، فإذا رأيت المال تضع شروطاً وأسعاراً غير معقولة ، فالآن الذي تكلمته بالدخول في هذا المشروع كان رائعاً ، دخلت صادقاً لكن لم تخرج صادقاً ، فالبطولة أن تدخل وأن تخرج بنفس الصدق .
 سيدي هذا المثل يطبق عليه مئة حالة ، بالدعوة إلى الله أحياناً ، يجد مغريات ، يجد ضغوطاً ، يجد صوارف ، فحينما تميل نفسه إلى الدنيا سقطت دعوته ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّه ﴾

[ سورة الأحزاب :39 ]

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾

[ سورة الإسراء: 80]

 لأن الإنسان أحياناً يدخل مدخل صدق لكن لا يخرج مخرج صدق ، فالبطولة أن تدخل وأن تخرج .
المذيع :
 دكتور كذلك هناك كلام لابن القيم رحمه الله لما سئل عن الصدق ، قال : هي منزلة القوم الأعظم ومنه تنشأ جميع منازل السالكين ، ما معنى هذا الكلام ؟

 

الصدق مع الله و مع النفس و مع من حولنا :

الدكتور راتب :
 الأصل أن تكون صادقاً مع الله ، ومع نفسك ، ومع من حولك ، إذا كنت صادقاً مع الله ومع نفسك ومع من حولك كنت محموداً عند الله ، وعند نفسك ، وعند من حولك ، فالمحمود محمود عند الله ، محمود عند الناس ، محمود عند نفسه .
 أستاذنا الجليل أحياناً الإنسان يقع في انهيار داخلي ، أحياناً الإنسان يحتقر نفسه ، قد يرتكب عملاً سيئاً ولم يعلم به أحد فينهار ، لذلك الأمراض النفسية في بعض البلاد قال لي بعضهم نسبتها تقدر بمئة وستة وخمسين ، أي مئة بالمئة يصابون وستة وخمسون يصابون مرتين ، السبب البعد عن الله عز وجل .
 كان لنا أستاذ في الجامعة له شهرة كبيرة جداً ، يعد أحد خمسة علماء في العالم في علم النفس ، قال مرة ذهب إلى ألمانيا لعقد مؤتمر حول الصحة النفسية ، فسمع كلاماً قاله أحد المؤتمرين في المؤتمر ، قال : العالم الغربي يعاني من أمراض نفسية كثيرة جداً ، لكن أقول لكم بكل صراحة وبكل يقين أن الشرق بحالة أفضل ألف مرة من الحالة الغربية بسبب الإيمان بالله فقط . الإيمان بالله وحده يشفي من آلاف الحالات النفسية ، أنت حينما تعلم أن أمرك بيد واحد ، أمرك ، حياتك ، الموت، الرزق ، التوفيق ، عدم التوفيق ، السعادة ، الشقاء ، أنت علاقتك مع جهة واحدة ، انا أقول دائماً : تصور عشرة وحوش مخيفة مفترسة مربوطة بأزمة بيد جهة حكيمة وقديرة ، فالإنسان علاقته مع الوحوش أم علاقته مع من يملكها ؟ مع من يملكها ، لأن الذي يملكها لو أرخى حبل أحد الوحوش لالتهمت هذا الإنسان ، فالإنسان بطولته أن يعلم هذه الوحوش المفترسة بيد من ؟

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــا  فإنا منحنا بالرضا مـــن أحبنــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنـــابنـــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنــــا
* * *

 المؤمن يشعر أنه في مظلة الله عز وجل ، تحت رحمة الله ، تحت عناية الله ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 هذه الصيغة نفي الشأن ، هناك نفي الحدث ونفي الشأن ، نفي الحدث تسأل إنساناً: هل تناولت طعام الصباح ؟ يقول لك : لا ، أو نعم ، سألته عن حدث ، أما لو سألت إنساناً عظيماً هل أنت كاذب ؟ هذا سؤال غير معقول ، لا يقول لك : لا ، يقول : ما كان لي أن أكذب ، هذا نفي الشأن ، ليس من شأني أن أكذب ، لا أقبل الكذب ولا أرضى به ، ولا أقره ، ولا أسكت عليه ، ولا ... عدّ العلماء أكثر من عشرة معان لهذه الصيغة ، قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 مادامت يا محمد سنتك مطبقة في حياتهم مستحيل أن أعذبهم ، أما إذا تركنا هذه السنة ، قال : بل أنتم بشر ممن خلق ، إما أن تكون بشراً ممن خلق ، أو أن تكون في العناية الإلهية ، فلذلك أن تكون في العناية المشددة هذا شيء من أروع ما يكون .
المذيع :
 دكتور هناك أثر للنبي يطبع ؟

 

علم الطّباع :

الدكتور راتب :

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))

[ أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]

 كلمة يطبع هذه تشير من طرف خفي إلى ما يسمى اليوم بعلم الطباع ، أنا حدثني أخ أنجب ولدين تؤأماً ، من بويضة واحدة ، أي أكبر نسبة من التطابق أن يكون الولدان اللذان ولدا من بويضة واحدة ، أكثر تشابه ، العجيب أن كل ولد له طبع خاص لما كبر ، هذا شيء وهذا شيء مع أنهما من بويضة واحدة ، فهذا الطبع دخل الآن ببعض العلوم ، علم الطباع ، تجد شخصاً يحب أن يلتقي مع الناس ، وشخصاً لا يحب أن يلتقي مع أحد ، شخصاً يحب السفر ، وشخصاً لا يحب السفر ، هذه ليس لها علاقة بالمنهج ، لا علاقة لها بالدين ، أحدهم أنيق جداً والآخر أقل اناقة ، أحدهم مرح و الآخر أقل مرحاً ، أحدهم دائماً ضاحك والآخر عبوس قمطرير ، أحدهم يحب اللقاءات ، و الآخر لا يحب اللقاءات ، الآن صار عندنا علم الطباع ، هذه ليس لها علاقة بالدين .

 

تكريم الله عز وجل للإنسان :

 يبدو أن الإنسان هو المخلوق الأول ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ﴾

[ سورة الإسراء : 70 ]

 كيف كرمنا بني آدم ؟ الله عز وجل أعطى هذا الإنسان بعض صفاته ، الله فرد وجعلك فرداً ، حتى الآن عندنا شيء اسمه الزمرة النسيجية ، كان يظن قبل عشر سنوات أن هناك 2,5 مليون زمرة نسيجية ، الآن ثبت أن لكل إنسان زمرة نسيجية ، ولكل إنسان قزحية عين خاصة به ، في المطارات فحص القزحية ، توضع على الجواز لا يمكن أن تقلد ، فالبصمة بصمة اليد هوية ، و القزحية هوية ، ورائحة الجلد هوية ، بلازما الدم هوية ، كما أن الله عز وجل فرد منح هذا الإنسان صفة الفردية ، أي إنسان لا يمكن أن يشبهه أحد على وجه الأرض بقزحية عينه ، وبصمة يديه ، وبكيمياء دمه ، وبرائحة جلده ، فالإنسان جعله الله فرداً ، الله عز وجل مشرع ، أنزل نصوصاً ظنية الدلالة تحتمل عدة معان ، فجاء العلماء وشرحوا هذه النصوص ، وبينوا مداخلاتها ومخارجها ، فصار عندنا تشريع ، فكما أن الله هو المشرع سمح لهذا الإنسان من خلال نص ظني الدلالة أن يشرع ، اجتهاد العلماء والفقهاء .
 أنا أقول لك مثلاً : أعطِ فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم ، هذه عبارة لا تحتاج إلى شرح ولا تأويل ، أما إذا قلت : أعط فلاناً ألف درهم ونصفه ، الكريم يقول لك : ألف وخمسمئة ، تعود على الألف ، البخيل يقول : لا ، أعطه ألفاً ونصف درهم . امتحنت الإنسان بهذه العبارة ، الكريم أرجع الضمير على الألف والبخيل ارجع الضمير على الدرهم ، فلذلك الله أراد لبعض النصوص أن تكون ظنية الدلالة لأنها تغطي كل حاجات المجتمع ، الإنسان عنده ثوابت وعنده متغيرات ، أنا أرى أن المتغيرات تغطيها النصوص ظنية الدلالة ، المتغيرات في الإنسان ، اختلاف العصور والأزمان والبيئات ، والغنى والفقر والقوة والضعف ، هذه نصوص ظنية الدلالة تغطيها ، والقضايا الثابتة تغطيها النصوص قطعية الدلالة .
المذيع :
 دكتور الإنسان يبقى متفاعلاً مع شريعة الله هذه مرونة في التشريع .

تنوع الأحكام رحمة بالإنسان :

الدكتور راتب :
 مثلاً امرأة جاءتها الدورة قبل طواف الإفاضة ، انظر اختلاف النصوص ، عند بعض الفقهاء الكبار ينبغي أن تغدو أميرة الحج ، ينتظرها قومها إلى أن تطهر ، الآن مستحيل فوج فيه ألف إنسان ، خمسمئة إنسان ، ينتظرون امرأة سبعة أيام في الفنادق ، مستحيل ، هذا وجه ، وهناك وجه ثان أنها تطوف البيت ولا شيء عليها ، عند الإمام مالك ، إما أن ينتظرها الفوج أو أن تطوف ولا شيء عليها ، هذا التفاوت في الأحكام فيه مرونة بالغة ، هذه المرونة مرونة غنى لا اختلاف تضاد ، عندنا شيء اسمه اختلاف غنى ، لا اختلاف تضاد ، الأحكام حينما تتنوع هذه رحمة بالإنسان .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 وهذا ربما من أعظم جوانب الصدق في التشريع الذي هو منهجنا في الأرض . دكتور نسأل الله عز وجل أن يبارك لكم بعلمكم ، وأشكركم على هذا البيان ، وأنتم أعزائي المشاهدين أشكركم شكراً جزيلاً على حسن متابعتكم لحديقة الإيمان مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، أكرر شكري ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018