برنامج ويتفكرون - الحلقة : 01 - أصل الدين معرفة الله1 - مقدمة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج ويتفكرون - الحلقة : 01 - أصل الدين معرفة الله1 - مقدمة


2016-06-06

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً.

في الدين كتلتان كبيرتان أن تعرف الآمر ثم أن تعرف الأمر :

 أيها الأخوة المشاهدون ؛ أصل الدين معرفة الله ، الدين يتفرع إلى فروع لا تعد ولا تحصى ، ولكن كل هذه الفروع أصلها أن تعرف الله ، ذلك أنك إذا عرفت الله أي عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر ، لكنك إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في معصية هذا الآمر ، وكأنني وضعت يدي على مشكلة المسلمين الأولى ، الأمر بين أيديهم درسوه في المدارس والجامعات ، وفي الخطب ، وفي اللقاءات ، ولكن الآمر وهو الله قصروا في معرفته ، لذلك حينما جاء النبي الكريم ببعثته الرائعة الخاتمة بقي مع أصحابه سنوات كثيرة يعرفهم بالآمر ، وبعد عشر سنين انتقل إلى المدينة المنورة وفيها جاء التشريع .
 إذاً في الدين كتلتان كبيرتان ، أن تعرف الآمر ثم أن تعرف الأمر ، فكلما قصرنا في معرفة الآمر ظهر هذا التقصير في طاعته ، فلذلك الإنسان حينما يوقن أن علم الله يطوله ، وأن قدرته تطوله ، لا يمكن أن يعصيه ، في حياتنا المدنية اليوم أنت تركب مركبتك ، والإشارة حمراء ، والشرطي واقف ، هذا الشرطي عين وزير الداخلية ، وهذا الذي وضع هذا القانون علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، لا يمكن أن تعصيه ، أنت مع إنسان لا مع الواحد الديان ، لذلك إذا قرأت قوله تعالى :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

[ سورة الطلاق : 12 ]

 كأن الله عز وجل لخص القرآن كله بكلمتين :

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق : 12]

 أنت حينما تؤمن أن علمه يطولك أيها الإنسان ، وأن قدرته تطولك ، لا يمكن أن تعصيه ، لذلك هذا الإنسان إن تكلم فالله يسمعه ، وإن تحرك فالله يراه ، وإن أضمر شيئاً فالله يعلم ، فأنت في قبضة الله .

 

أصل الدين معرفة الله :

 لذلك أيها الأخوة ؛ أصل هذا الدين أن تعرف الله ، والصحابة حينما عرفوا الله رفرفت رايتهم في مشارق الأرض ومغاربها ، وحينما اكتفوا بالعبادات الشعائرية ، والعبادة الشعائرية بين أيديكم .

(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثورة ، قيل يا رسول الله جلهم لنا ؟ قال: إنهم يصلون كما تصلون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

 هذه الصلاة ، انتهت الصلاة .

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 هذا الصيام .

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 53]

 هذه الزكاة ، الآن الحج :

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 يتبين من هذه النصوص القرآنية والنبوية أن الإنسان ما لم يعرف الآمر قلّما يطبق هذا الأمر ، فكأنني وضعت يدي مرة ثانية على مشكلة المسلمين الأولى اعرف الآمر ، اعرف من هو الله ، هذا الذي أمرك أن تصلي من هو ؟ ماذا عنده لو أطعته ؟ ماذا ينتظرك لو عصيته ؟ هذا الذي خلقك من ماء مهين أيعقل أن تتحرك وفق نزواتك وشهواتك ثم لا تحاسب ؟ قال تعالى :

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾

[ سورة المؤمنون : 115]

 العبثية في الخلق تتناقض مع خالق السموات والأرض ، لذلك لا بد من أن يسأل الإنسان :

(( .. حتى يسأل عن عمره فيمَ أفناه ؟ .. وعن ماله من أين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه؟ ...))

[ سنن الدارمي عن معاذ بن جبل]

 قال تعالى :

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 92-93]

النظر في أفعال الله و التفكر في خلقه و التدبر في قرآنه :

 لذلك الآيات الدالة على عظمته آيات كونية ، أي خلقه ، وهناك آيات تكوينية أي أفعاله ، تكوينية قال تعالى :

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة النحل : 36]

 الآية الثانية فيها فرق بسيط جداً ، قال تعالى :

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 11 ]

 قد يأتي الرد الإلهي فوراً ، وقد يأتي بعد حين ، هذه أفعاله ، أفعاله تحتاج إلى نظر أما خلقه فيحتاج إلى تفكر ، قال تعالى :

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة آل عمران: 191 ]

 أما قرآنه فيحتاج إلى تدبر ، قال تعالى :

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

[ سورة الأنعام : 115]

 كأن الله يقول : يا عبادي بيني وبينكم كلمتان منكم الصدق ومني العدل ، أي تتفاوتون عندي بصدقكم وأنا أعدل بينكم ، أو أن هذا القرآن بين دفتيه لا يزيد عن أمر وخبر ، الأمر عادل والخبر صادق .

 

قضية الإنسان مع الله قضية مصيرية :

 إذاً قضية الإنسان مع الله قضية مصيرية ، قضية حياة أو موت ، قضية سعادة أو شقاء ، قضية جنة أو نار ، لذلك هذا الدين ينبغي أن ندين له ، كما سمي ديناً ينبغي أن تخضع له ، لأنك أيها الإنسان أعقد آلة في الكون ، وهذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة بالغة التعقيد صانع عظيم ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فانطلاقاً من حرص الإنسان اللا محدود على سلامته ، وعلى سعادته ، ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع ، وهذا هو الدين في أصله ، أنت آلة بالغة التعقيد ، لك صانع عظيم ، هناك مستقبل بعيد ، هناك جنة أو نار ، ولهذا الصانع تعليمات ، فانطلاقاً من محبتك لذاتك أولاً ، ومن حرصك على سلامتك أولاً ، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع .

آيات الله نوعان ؛ نوع في خلقه سبحانه ونوع في الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ونحن في هذا البرنامج سوف نطوف بآيات الله في الآفاق ، وآيات الله في النفس ، لأن قوله تعالى :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت : 53 ]

 فكأن الآيات نوعان ؛ نوع في خلق الله عز وجل ، ونوع في الإنسان ، في خلق الله كالأكوان ، ونوع في الإنسان ، ولأن الإنسان عليه أن يكون يقينه بالدين يقيناً حسياً أولاً ، وعقلياً ثانياً ، وإخبارياً ثالثاً ، وهذا من فضل الله عز وجل ما ينبغي أن نسلكه في هذه الحلقات القادمة إن شاء الله .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا ، ويلهمنا الخير بكل مجالات حياتنا ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018